وقائع قضية التبغ

لدى قراءة لائحة الاتهام المتعلقة بقضية التبغ، فإن للفساد – كما يتضح – أسسه ومعاييره ومنطلقاته ومراحله الخاصة، إن ما سأكتبه الآن سيكون سببًا في أن تُصابوا بالصداع، لكن وبطريقةٍ أخرى، فإن أعراض هذا الصداع لن تتمثل بالتأثير على أحد جانبي الدماغ فقط، بل إنها ستؤثر على كلا الجانبين، وفيما يتعلق بالفترات، فإن هذا الصداع سيكون غير منقطعٍ مع ألم شديد سَيجعلك حساسًا تجاه الوعود الحكومية في محاربة الفساد القابعة جذوره في هذه الأرض المنكوبة.

قد يبدو مٌرعبًا أن لا تستطيع الدولة محاربة الفساد طيلة السنوات السابقة، في الحقيقة، إن الدولة التي يتحدث المسؤول فيها من على المنابر عن مكافحة الفساد وضرورة قطع حباله التي باتت تقف عائقًا أمام تقدم اقتصاد الدولة تُشعرك بأواصر الكٌره التي تجمع بينها وبين الفساد، لكن أن يحدث العكس، فنجد أن الفساد كما هي الوظيفة العامة، واجبٌ مُكرس، فإن هناك خللًا يجب التصدي لنتائجه قبل أن تحل الفاجعة التي لربما ستكون عواقبها وخيمة تتمثل في علاقةٍ عكسية بين القَبول الشعبي للواقع المُنهك وبين الدولة العائمة على بحر التجاوزات القانونية، فمتى كان المد قويًا، تزعزعت مسألة التروي في قَبول أعراض الصفقات الهدّامة للإنتماء والشعور بالرضى.

وفيما يتعلق بقضية التبغ، فإن للمتهم عوني مُطيع أذرع ممتدة في كافة أرجاء الدولة، إنه أخطبوطٌ بأذرعٍ لا نهائية من التعدي على القوانين التي تحيكها الدولة منذ أن قامت على هذه الأرض، لذلك، فإن المبادئ التي اعتمد عليها (عوني مطيع) في إقامة منشآتٍ مارست تزويرها وخداعها على الملأ دون أن تستطيع الدولة اخماد عود الكبريت الذي بدأت ناره بإلتهام هذه الأرض المُخضرة، والتي لم تعتد يومًا أن يُدس في بقعتها ما سيكون مسؤولًا عن تدميرها، جعلتها هشيمةٌ تذروها الرياح.

هذا يعني أن الخطوة الأولى التي يجب على رئيس الوزراء أن يُترجمها على أرض الواقع هي القضاء على هرم أكبر عملية فساد في تاريخ الأردن، فنحن لا نريد فقط إرجاع الحقوق إلى أهلها، بل إننا نريد إغراق سفينة الفساد في بحرنا، فنحن من يتحكم بمده وجزره، نحن الشعب يا رئيس الوزراء، فإذا لم تكن أهلًا لنا فلا سهلًا لك ولغيرك.

واستنادًا للقضية رقم 10068/2018/ن، فإن (عوني مطيع) قام في بداية عام 2016 بزيارة لواء الجمارك المتقاعد (وضاح الحمود) في منزله القابع في منطقة شفا بدران والمجاور لمنزل شقيق عوني، (عبدالله) وذلك بِحجة الشكوى من اجراءات المنطقة الحُرة، ليبدأ (عوني) بسرد المشاكل التي تقف عائقًا أمام عمله في إنتاج سجائرَ مقلدةٍ مُزجت بالكُره والحقد والظُلم، إذ إن هناك موظفين يعرقلون عمليات التهريب والإدخال غير المشروعة، لتبدأ بعدها عملية تلقي الرَشَوات مقابل عمليات تهريب الدخان من المنطقة الحرة إلى السوق المحلي، وفيما يتعلق بالموظفين الذين كانوا يقفون عائقًا أمام عوني ورفقائه، فإنه كان يحرص على إحالتهم للتقاعد.

إن مهمة وضاح الحمود لم تتوقف عند هذا الحد، إنه ببساطة كان يقوم بإبلاغ عوني مطيع عن أية مداهمات أمنية سوف تقع على مصانعه، وذلك بهدف إخفاء العلاقة والتعامل غير المشروع بينهما.

وعلى أثر ذلك، بدأ (عبد الله) بترتيب اللقاءات السرية بين عوني ووضاح في منزل الأخير لغايات إبلاغ عوني عن أية مداهمات لدائرة الجمارك أو للاتفاق على تسهيل عملية تهريب السجائر المُصنعة وتعويض النقص بالأرصدة.

إن الخيوط التي بدأ عوني بنسجها امتدت حتى صغار الموظفين، فمن كان منهم على تصدٍ وترصدٍ له، أزاحهُ وكأنه لم يكن، وهذا زيّن له سوء عمله، لِيُكمل مسيرة المشروع الأكثر فسادًا على الإطلاق، فأنا أتحدث يا سادة عن 54 متهمًا، كل واحدٍ منهم له عمله ومكافآته الخاصة، ومنهم من هو عار عن وجه العدالة، ومنهم من يحمل جنسيات دولٍ أخرى، إنها اللائحة الأكثر تعقيدًا على الإطلاق.

إن المتهم (جاسر) الذي التقى مع عوني في دبي أسس – بتمويلٍ من الأخير – مؤسسة تحمل اسم (روان لصناعة الأسمدة الطبيعية)، ولغايات ممارسة نشاطها – المزعوم – في الأسمدة، قامت ياستيراد مخلفات التبغ، حيث تم تخزينها في مقطع صناعي استئجر لصناعة الأثاث والمفروشات في المنطقة الحُرة، والذي اُستخدم – فيما بعد – كمركزٍ لوجيستي لعمليات تجهيز كراتين السجائر التي صُنعت في مصانع عوني.

مَهمة جاسر من هذه الوظيفة هي إدخال التبغ المفروم من العقبة بِحُجة أنه مدخل إنتاج لصناعة السماد، ولذات الأهمية، فإن جاسر اتفق مع عوني على استئجار مخازن في منطقة ماركا والرصيفة، لتبدأ جرثومة الفساد بانتقالها لكافة بقاع الدولة.

وللحقيقة، فإن توزيع الأدوار كان عبقريًا، كما أن لأموال التي كانت تُدفع لقاء إنجاز المهام ضخمة وتُقدر بمئات آلاف الدنانير، إذ أن بعض المتهمين كانوا يتقاضون مبلغ 25 دينار عن كل كرتونة سجائر تُهرّب خارج المنطقة الحرة.

وحتى لا تتم ملاحقة عوني، فإنه حرص منذ البداية على إنشاء الشركات وتسجيلها بأسماء موظفين آخرين، ففي عام 2007 قام عوني مطيع بإنشاء شركة التاج لصناعة التبغ والسجائر والمعسل في عمان وقام بتسجيلها باسم المتهمين سلامه العلمات وعيسى مطيع عيسى، ليتفقوا لاحقًا على فتح عدة حسابات لدى البنك الأهلى الأردني باسم شركة الغرب وشركة التاج الذهبي للاستثمار والخدمات التجارية حتى تتم إدارة كافة الأمور المالية المتعلقة بهذا المشروع الإجرامي.

وفيما يتعلق بالأموال التي تم تحصيلها فتبلغ 2 مليار و194 مليون و971 ألف دينار أردني حتى تاريخ إصدار اللائحة، أما مجموع الرسوم الجمركية والضرائب والرسوم والغرامات التي ضاعت على خزينة الدولة فتبلغ 538 مليار و726 مليون و644 ألف و65 دينار أردني.

لربما يبدأ رئيس الوزراء بالتحرك الحقيقي حتى يُنقذ ما تبقى من الشعور الحسن تجاه الوطن، فما يعانيه المواطن الأردني جرّاء غياب التطبيق الفعلي للعقوبات الرادعة جعله يبحث عن مُخدرٍ لمصائبه، فما كانت السجائر إلا الحل الوحيد لذلك، لكن ما شعور المواطن الآن بعد أن تبين له أن يُدخن سجائرَ مغشوشة ومُقلدة؟ إنني متأكد من الهبوط الحاد في ثقته بحكومة المسنين التي لم تُنصفه يومًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد