تركيا دولة الخلافة لأكثر من ستة قرون، دخلت في منعطف خطير جدًا عقب إسقاط أتاتورك دولة الخلافة في الربع الأول من القرن العشرين، وحاول بناء دولة قومية في وطن متعدد الأعراق يقتل فيه الهوية الإسلامية، ويحاول بناء دولة علمانية قتل خلالها الهوية الإسلامية، ومنذ ذلك التاريخ نصب الجيش التركي نفسه لحماية العلمانية التركية، ونتيجة للخلاف الكبير بين دولة الجيش من جهة، وبين السياسيين والقوى السياسية والشعب التركي من جهة أخرى، نتيجة بحث الشعب التركي عن هويته الإسلامية والديمقراطية والحرية الحالم بها، ومحاولة الجيش عرقلتها من أجل استمرار نفوذه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، قامت عدد من الانقلابات العسكرية بقيادة جنرالات الجيش.

حيث حفلت تركيا بالعديد من الانقلابات العسكرية القمعية والناجحة على حكومات منتخبة ديمقراطيًّا، كان أولها في يوم 27 مايو 1960م وقد أعلنه في الإذاعة قائد المشاة آنذاك البارسلان تركش أن الجيش قد سيطر على مقاليد إدارة البلاد، وقد كان ضد حكومة الديمقراطية نظرًا لاتساع الخلاف بين حكومة الحزب الواحد والمعارضة؛ نتيجة لذلك شكلت محاكمات قضت بإعدام رئيس الوزراء عدنان مندريس والحكم بالمؤبد على رئيس الجمهورية جمال بيار، وقد حدث الانقلاب الثاني بعد وفاة الرئيس جمال غورسيل سنة 1966، فانتخب رئيس الأركان جودت صوناي رئيسًا للجمهورية، وحصلت الانتخابات سنة 1969 ففاز حزب العدالة وفشل حزب الشعب فحرك أنصاره من العسكر فاستولوا على السلطة في 21/3/1971. وبعد أن خلت الساحة لحزب الشعب أعلن عن إجراء الانتخابات في أكتوبر سنة 1973، بعد الفشل الذي جناه حزب الشعب لم يبق أمامه سوى التآمر مع العسكر لقلب نظام الحكم، وقاموا بالانقلاب 12/9/1980 بقيادة الباشا كنعان إفرين، الذي علق الدستور وأعلن الأحكام العرفية في تركيا بعدما انتهت فترة رئاسة رئيس الجمهورية؛ فخري كورتورك في 6/4/1980، وكان آخر الانقلابات العسكرية الناجحة كان انقلاب عام 1997، والذي أفضى لتشكيل حكومة جديدة وحظر عمل عدد من الأحزاب التركية، ويعرف الانقلاب بثورة ما بعد الحدث، وهي مجموعة قرارات صادرة عن قيادة القوات المسلحة في اجتماع مجلس الأمن عجلت باستقالة رئيس الوزراء نجم الدين أربيكان وإنهاء حكومته الائتلافية.

 

وهناك أيضًا محاولات انقلابية فاشلة بتركيا كان أولها انقلاب بعد إعدام مندريس انتخابات شكلية في 15/10/1961، فنال حزب الشعب بقيادة أنينو 173 مقعدًا «36.7%»، ونال حزب العدالة بقيادة سليمان ديميريل 158 مقعدًا «34.7%»، ونال حزب تركيا الجديدة 65 مقعدًا، ونال حزب الفلاحين الجمهوري 54 مقعدًا.

وبانتخاب صُوري أصبح الجنرال جمال غورسيل رئيسًا للجمهورية في 27/10/1961، مثلما أصبح أنينو رئيسًا للوزارة الائتلافية بعد الاتفاق مع سليمان ديميريل؛ رئيس حزب العدالة، ففشلت الوزارة واستقالت في 1962، وشكل أنينو حكومة ائتلافية مع حزب الفلاحين الجمهوري، لما ساءت الأحوال فقام الكولونيل طلعت آيدمير بمحاولة انقلابية فاشلة سنة 1963 أدت إلى إعدامه سنة 1964، وساءت الأحوال مرة أخرى، وأجريت الانتخابات النيابية سنة 1965 ففاز حزب العدالة بقيادة ديميريل بغالبية 53% من مقاعد البرلمان، وشكل ديميريل الحكومة من حزبه وأصبح حزب الشعب في خانة المعارضة.

 

وننظر إلى أسرع سقوط لانقلاب عسكري في التاريخ الحديث، والذي لم يستمر سوى أربع ساعات فقط، وسيكون نقطة لتحول تركيا من دولة من دول الموز، والعالم الثالث، إلى دولة محترمة ديمقراطية يحترم شعبها نفسه، لعلمه مخاطر عودة تركيا إلى عصور الظلام.

وقد مرت على تركيا ليلة من أصعب لياليها في السنوات المعاصرة، تركيا التي عانت كثيرًا من قبل من الانقلابات كانت على وشك الدخول في دوامة جديدة من انقلاب قد يعصف بكل ما حاول أردوغان بنائه من نهضة اقتصادية ونقلة اجتماعية نوعية في عدة ساعات!

 

فشل الانقلاب لأسباب عدة نوقشت وحُللت من طرف كثير من الصفحات، وفي كثير من المقالات، لكن بقيت نقطة واحدة لم يُسلط عليها الضوء كثيرًا، وهو التعليق الذي يتناقله أعضاء حزب الكنبة المصرية «لم يكن انقلابًا بل كانت تمثيلية»، هذا التعليق الذي أطلقه الخبراء الإستراتيجيون المصريون من منازلهم -بالأصح الخبيرات الإستراتيجيات- شاركه فيه نظراؤهم الأتراك أيضًا! فبعض الصفحات التركية المعارضة على شبكة الفيسبوك قامت بموجة من نوعية «هذا الانقلاب كان مجرد تمثيلية هدفها التمكين لأردوغان من تصفية العناصر المعارضة له بالجيش التركي» وقد انتشرت تلك الأقاويل على بعض الصفحات الصفراء في حين تم تجاهلها تمامًا من قبل السياسيين المعارضين الذين وقفوا ضد الانقلاب،حتى تلك الصفحات التي ادعت بكونها مجرد تمثيلية لم تدع أبدًا للنزول مع الجيش، كل ما فعلته هو عدم تلبية الدعوة للنزول التي دعا لها أردوغان، وكما رأيتم فإن أعداد النازلين تفوق مؤيدي أردوغان فقط، فقد نزل أيضًا معارضون من حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية وخلافه، ولكن لنعد لموضوعنا، ما هي الادعاءات التي ساقتها تلك الصفحات لتفسيرها بأن ما حدث مجرد تمثيلية؟

 

1- عدم إغلاق الفيسبوك وتويتر أو منع الوصول إليهما؟

 

اعتادت الحكومة بالفترة الأخيرة على إغلاق تويتر وفيسبوك عند حدوث أحداث إرهابية على النطاق الصغير لعدة أهداف، ولكن تلك المرة إذا تم إغلاقهم، لصب ذلك مباشرة بدون شك في مصلحة الانقلابيين؛ لأنه بفضل الفيسبوك قام المؤيدون بتنظيم أنفسهم للنزول إلى الشوارع، وللوصول إلى الأخبار بسهولة.

 

2- إذا كانت تلك فعلًا محاولة انقلابية، فلماذا لم يغلق الانقلابيون البث التلفازي؟

 

أراد الانقلابيون بالفعل قطع الإرسال بمحاولة الدخول إلى مبنى تركسات وحدثت بعض المناوشات ولكن لم ينجحوا بذلك.

 

3- لماذا دعا أردوغان الشعب إلى الخروج إلى الشارع؟ ألم يخش من حدوث الفوضى؟

 

دعا أردوغان الشعب للخروج إلى الشارع لثقته بأن الشعب رافض للانقلاب، وليظهر للعالم أن الانقلاب ليس له ظهير شعبي مؤيد، وبالمقارنة بمصر، فإن انقلابها تم تصويره أنه مؤيد من الشعب بالبث التلفزيوني المصور للمظاهرات المعارضة لمرسي وخلافه، مما بين للعالم أن هذا الانقلاب لم يكن مجرد انقلاب عسكري بعيدًا عن الشعب وفقط، بل كان نابعًا من إرادة شعبية قوية؛ ولهذا كان ذلك تحديًا من أردوغان للانقلابيين وللغرب، ورهانـًا على الشعب الذي بدوره لم يخذله.

 

4- كانت الأحداث مجرد تمثيلية للتمهيد للانتقال إلى النظام الرئاسي

 

أردوغان الآن مؤيد بالفعل من قطاع عريض من الجماهير، وتخطى نسبة الخمسين بالمائة في الانتخابات الماضية، وهو من حيث النسب أكثر قائد محبوب أتى في تاريخ تركيا الحديث، وسط كل هذا التأييد ما الحاجة إلى الاستعراض إذن؟

 

ومن منطلق آخر، إذا كانت تلك مجرد تمثيلية فتلك بعض الأسئلة الحائرة:

 

  • إذا كانت تلك مجرد تمثيلية فلماذا يترك أردوغان مستشاره الرئيسي مصطفي فارناك يُقتل؟ ولماذا يترك مسئول حملة دعاية حزب العدالة والتنمية وابنه يقتلان؟

 

  • كان أردوغان ماكثـًا بإحدى فنادق مرمريس عند وقوع الانقلاب، وقام الانقلابيون بمحاولة اختراق الفندق وأسر أردوغان، وحدثت مناوشات أدت إلى قتل شرطيين، وتم ضرب الفندق بالقنابل من الطائرات، هل كان كل هذا أيضًا جزءًا من السيناريو؟

 

  • حتى رؤساء الأحزاب المعارضين، قليتش دار أوغلو، هذا الذي نال جزاء من عدة أيام بسبب إهانته لأردوغان، قام بإبراز اعتراضه على الانقلاب، رفضًا للانقلاب على الديمقراطية، ثم بعدها بيوم قام بإلقاء كلمة في مجلس الشعب التركي، أيرضى شخص مثله المشاركة في تمثيلية كهذه؟

 

  • تم القبض على العديد من القيادات العسكرية والزج بأسماء كثير من المرموقين منهم، على سبيل المثال قائد الجيش الثاني والثالث والرابع، قائد السلاح الجوي وخلافه، هل يرضى هؤلاء بحرق أسمائهم لمجرد المشاركة بتمثيلية هدفها تلميع اسم أردوغان؟ أي سُخف هذا!

 

  • قُتل حوالى 265 شخصًا في تلك المحاولة، من الشعب والشرطة ومن مؤيدي الانقلاب، 104 من مؤيدي الانقلاب، و161 من الشرطة والمدنيين، من ذاك المجنون الذي سيرضى بإلقاء نفسه إلى الموت لإرضاء شخص مجنون بالعظمة؟!

 

  • عدد الموقوفين في إسطنبول على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة تجاوز 2400 شخص، كل تلك الأعداد لم تكن جزءًا من السيناريو على أية حال أيضًا.

 

  • ما الذي يجعل أوباما ذات نفسه يخرج بتصريح لمتابعته للأحداث، ثم بعد عدة ساعات يدين الانقلاب، ثم يأتي تحذير للرعايا الأمريكان من السفر إلى بعض المناطق التركية؟

 

إذا كان بعد كل هذا مازلتم تظنون أن ما حدث هو تمثيلية بالفعل، فأظن أن أردوغان هو مخرج ممتاز بارع، صارت له الأحداث كما أراد؛ لذا فمن الواجب إذن أن نرفع له القبعة على هذا الدهاء والمكر غير المتصور وغير المعقول!

وننظر أن الشعب التركي علم العالم والجيش التركي أنكم أصبحتم غير مرغوبين في السياسية وجهودكم في حماية البلاد مقابل الرواتب التي تحصلون عليها من دافعي الضرائب الأتراك.

وهنا نجد أن الشعب التركي أرسل عددًا من الرسائل المهمة للجيش أن الديمقراطية والحرية هي حياتنا، ولن نعود إلى عصور الظلام والاستبداد العسكري مرة أخرى، وأنه علم العسكريين أن الشعب والسياسيين بجميع طوائفهم يرفضون الحاكم العسكري ورجاله ولن يعودوا إلى عصور الانقلابات العسكرية، وأنه تعلم من الماضي ولن يعود إليه مهما كانت المؤامرات الداخلية والخارجية، وأنهم هم من يقررون مصيرهم من أي حزب أو جماعة سياسية تحكم البلاد.

الرسالة الأخيرة أن الحكومة والنظام والمعارضة علموا العالم أجمع والعسكر أنهم يريدون السياسة مهما كانت، وأنهم يرفضون الحكم العسكري والانقلاب على الديمقراطية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد