يعتبر سر تقدمه هو اعتماده على أهل النقائص ومقترفي الجرائم, ليس متكلمًا فصيحًا, كان صاحب سحر شخصي خصوصا على النساء, كان سوداوي المزاج, ضعيف الذكاء عاجزًا عن فهم الحقائق, ماكرًا معجبا بنفسه إعجابا لم يفارقه طوال حياته.

كان يعتقد أن الله أرسله ليوطد دعائم الفضيلة، يحاول تنقيح خطبه طويلا، يحاول أن يكون خطيبا يلتف حوله الناس، أدى حسده للخطباء والأدباء إلى سجنهم وقتلهم وتكميم أفواههم.

يستخف دائما بكل من يحيطون به ويشعر دائما أنه محاط بالأعداء والمتآمرين.

أقر قوانين تسمح باتهام الناس بالشبهات فملأ السجون بمعارضيه ومن ثم قتلهم. سأقطع على تخيلك الطريق وأخبرك بأن تلك الشخصية لا تعيش بيننا الآن؛ إنه ماكسمليان روبسبير المحامي والزعيم السياسي من أهم الشخصيات المؤثرة في الثورة الفرنسية ورافع شعار (الحرب على الإرهاب).

يعتبر روبسبير من أشهر السفاحين المستبدين الذين امتلأ التاريخ بهم، فقتل ستة آلاف شخص في بضعة أيام، حيث قتل في باريس وحدها ما يقرب من 1400 شخص في خمسين يومًا!
بالطبع لم يكن ليستطيع أن يقتل كل تلك الأعداد من دون أعداد غفيرة من المؤيدين والعاشقين “لنور عينه”.

فلك أن تعرف أن روبسيبر كان له شعبية جارفة لكنها لم تستطع أن تحميه مما صنعت يداه حيث غمر العنف البلاد حتى لم يسلم روبسبير نفسه؛ فقطع رأسه هو ومائة من أتباعه.

فلكل مستبد نهاية تتناسب مع جرائمه، فهل من متعظ؟

قد تجد الكثير من الشباب يتحدث عن استبداد وديكتاتورية الأنظمة الحاكمة, بالفعل تاريخ الاستبداد متشابه حتى يكاد يتطابق في بعض الأحيان. إذا كان من الواجب قراءة تاريخ المستبدين وأساليبهم في تطويع الشعوب بالحديد والنار؛ فوجب علينا أيضا عدم إغفال دور الشعوب في صنع المستبدين ونضع مصيرهم نصب أعيننا، فإذا كنا نحذو حذوهم فنتوقف وننقذ ما يمكن إنقاذه.

تحدث إيريك هوفر الفيلسوف الأمريكي في كتابه البديع عن الحركات الجماهيرية أن الثورات يفجرها أشخاص يجيدون الكلام والخطابة, ويروضها ويعيدها إلى مستوى المجتمعات التقليدية، رجال عمليون مثل بونابرت في الفرنسية وستالين في روسيا.

لا يهمهم إلا أن يقوم كل شخص بدوره فقط, لذلك تلتف حولهم الناس بغض النظر عن إيمانهم بالحرية من عدمه, فالرجال التي تجيد الكلام لهم مواهب في الشكوى من العالم الفظ, لكنهم ليسوا مؤهلين للعمل الشاق، لذلك لا يصمدون أمام التحديات، فينصرف الناس من حولهم إلى رجال الأعمال الذين يستطيعون أن يخاطبوا الناس ويستغلوا رغبتهم في تخطي ونسف الحاضر.

فلا يهم الناس سوى أن يجدوا أشخاصًا قادرين على إدارة مهام الدولة ويضمنون لهم الأمان.

قد يتلخص الأمر في كلمات شارل مونتسيكو الفيلسوف الفرنسي صاحب نظرية فصل السلطات “وقد انتهى أن الناس كانوا أحرارًا في ظل القوانين فصاروا يرون الحرية في مخالفة القوانين, وأصبحوا يسمون ما هو حكمة سخافة وما هو سخافة حكمة, فيظهر جبابرة صغار في الدولة, ومتى أصبح أمرهم لا يطاق قبض على زمام الأمور الحاكم الجبار فخسر الشعب كل شيء حتى يجر البلاد إلى غزو خارجي للبلاد”.
إلا بعد هبوطها إلى الجماعة فيؤمنون بها، فهي التي تكمل الثورات وليست هي من
تصنعها.

فالثورات الناجحة ليست هي من تقوم على مستبد أو لتغير نظامًا، ولكن الثورات في الأفكار والطبائع. فإذا ظلت الأفكار والطبائع السائدة لدى الناس هي الحرب على الإرهاب والتضحية بحريتهم في مقابل طعام أو شكل من أشكال الأمان الزائفة, وقتل وسجن المعارضين؛ ظل أسلوب الحكم فيمكننا أن نتوقع النهاية من الآن.

وحتى يتعلم كل منا تقبل الآخر وعدم التفريط في حقوقنا من أجل حقوق هي في الأساس حقوقنا، إلى حين أن يستفيق الناس إلى نهاية الطريق الذي يسيرون فيه؛ ننتظر وندعو الله أن يلطف بنا فيما جرت به المقادير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد