لا يحتفظ الطغاة بسلطتهم إلا بمساعدة شعوبهم. فعلى مدار التاريخ، ستجد أن الناس على استعداد لاستعباد أنفسهم إذا دخلوا عالم الوهم وبدأوا يصعدون سلم الديكتاتور ذي الدرجات الست. فإذا أردت السيطرة على شعبك، فنفذ خطة العمل هذه بحذافيرها.

الدرجة الأولى من سلم الخضوع: إنشاء قاعدة من الأنصار الموالين لك، وخفض معدل الذكاء الجماعي لشعبك.

إنها الخطوة الأولى والأكثر أهمية في كيفية الحفاظ على سيطرتك، يجب أن يكون لديك مؤيدون. ويمكنك القيام بذلك إما عن طريق إدخال الدين أو الأيديولوجية أو نشر نفسك كإله متجسد في حاكم.

الدرجة الثانية من سلم الخضوع: اطرق الحديد وهو ساخن.

افتخر بعقيدتك في كل مناسبة، وأخبرهم كيف أنقذتهم من «أهل الشر» ومخططاتهم، وكيف كان يمكن أن يصبحوا لاجئين ومشردين لولا تدخلك. لاحظ أن هذا يكون جيدًا عندما تصبح البلاد في أدنى مستوياتها وتشرف على الانهيار، أو عندما يصبح الناس قلقين من شيء وهمي لا يستطيعون تحديده. فقم بخلق حالة تشبه الحرب وأن البلاد كانت على وشك الهزيمة لولا تدخلك. تذكر أن هتلر لم يتمكن إلا عندما شارفت ألمانيا على الانهيار بسبب معاهدة فرساي، وتذكر أن كوريا الشمالية لم توجد إلا لمواجهة الغرب في الحرب الباردة، وتذكر أن روبرت موجابي لم يسيطر على زيمبابوي إلا بعد أن أقنع شعبه أنه يقاتل من أجل الاستقلال عن الحكم البريطاني، وإن لم يطيعوه سيعودون محتلين. هناك الكثير من الأمثلة، ولكن يكفيك من هذه الحالات أن هؤلاء الثلاثة أقنعوا شعوبهم بالخضوع لمواجهة المستعمر (كوريا، زيمبابوي) أو لتحرير بلدهم من وهم المؤامرة الخارجية وتحالف الدول (ألمانيا).

الدرجة الثالثة من سلم الخضوع: الاستفادة الكاملة عندما يصعدون الدرجة الثانية.

الآن اظهر للشعب كمنقذ للبلد واحشد كل مؤسساتك كداعمين لكل ما تقوله أو تفعله. وكرر دائمًا قائمة الإنجازات (حتى ولو كانت وهمية) التي حققتها أو سوف تحققها، وتذكر دائمًا أن الشعوب تنسى، فقم بوعود كاذبة فيما يتعلق بالكيفية التي ستجعل بها بلادهم عظيمة مرة أخرى، وقم بإنشاء حزب تكون أنت رئيسه، وبجواره أحزاب معارضة كرتونية تسبح بحمدك، ثم شجع الناس على دعم هذه الأحزاب بنشاط. بهذا سيبدأ العديد من الناس بالانضمام إلى حزبك لإظهار وطنيتهم. ومهما أخطات أو نكثت في وعودك فلن يلقوا عليك اللوم؛ لأنك الذي ساعدتهم في تجاوز المحن المتصورة وصددت عنهم الإرهاب المحتمل.

الدرجة الرابعة من سلم الخضوع: انشر الكراهية بين فئات شعبك وشجع العنف من أجل المصلحة الأكبر.

معظم القادة يتمتعون بجاذبية شخصية، وكاريزما طاغية، وأنا وأنت وكل العالم يعرفون أنك لا تمتلك شيئًا من مقومات القائد، وكل قوتك اكتسبتها من الذين يدافعون عنك باستماته مقابل ما يستفيدون منك به. ومع ذلك أينما كنت استخدم ثلاث مجموعات من التقنيات دائمًا للحفاظ على قوة مركزك: الكاريزما والإكراه والتلاعب بالعاطفة.

الكاريزما – لن يمكنك التمسك بمركز السلطة لفترة طويلة إذا لم يكن لديك نوع من الكاريزما للأشخاص الذين يتبعونك. هذه القدرة على إلهام مجموعة واسعة من المتابعين بتفان وحماس واجتذاب عدد كبير من المتابعين، ابحث عن شيء يجعلك قائدًا في أعينهم، قائدًا له سحره الشخصي أو خبرته. شيءٌ يجعلك محبوبًا عمومًا ومن زمرتك على وجه الخصوص؛ مما يخلق ويحافظ على هالة العظمة من حولك. لذا ومن أجل خلق والحفاظ على هذه الهالة الغامضة، تذكّر أن الدعاية تلعب دورًا هامًا. فيجب أن يتم استخدامها ليس فقط لإنشاء وإدامة أسطورة الزعامة لديك، ولكن أيضًا لنشر فكرة أو صورة معينة تنطوي في كثير من الأحيان على تشويهات مقصودة للحقيقة.

في نفس الوقت تلاعب بعواطفهم ومشاعرهم. صدقني، هذه الإستراتيجية فعالة للغاية، وقد استخدمها طغاةٌ كثيرون قبلك، للحفاظ على جاذبيتهم ومن ثمّ قوتهم. تلاعب بمشاعر شعبك كما يفعل الحبيب مع قرينه. وهذا التلاعب العاطفي يمكن أن ينشأ إما من الخوف أو الإحسان. وبالتالي يمكنك التلميح إلى خطر حقيقي على حياتهم وعلى حريتهم (الإرهاب، الدين… إلخ). وهدّدهم بأنهم قد لا يجدون أبسط الحاجات الإنسانية من طعام ومأوى، إذا لم يستمروا في طاعتك.

قم أنت وإعلامك بعملية غسيل دماغ لأنصارك واطلب منهم بنشاط القضاء على «أعداء الدولة» (وهو ما يعني عادةً المعارضة التي لا تتفق معك، أو كما أسميتهم أنت «أهل الشر». هؤلاء المرتزقة التابعين لك، سوف يبشّرون ويخلقون الخوف كما لو أن هؤلاء الأعداء سوف يدمرون البلد من الداخل ولذا يجب القضاء عليهم بسرعة قبل أن يصبحوا «أقوياء وأغلبية». ثم قم بتكوين «مجموعات تطوّعية» أو قوات خاصة (أو حتي قوات أجنبية) تبدأ في تشويه واعتقال وقتل كل أولئك الذين لا يدعمونك، واطمئن سيكون لدي هذه الجماعات دوافع كبرى لخدمتك، لأنهم تحت الوهم بأنهم «حماة الوطن» وأنهم يجب أن يشعروا بالفخر لأنهم «يحاربون» أعداء الوطن الذين حددتهم أنت بنفسك. ولا تنس أن تطلقهم في الشوارع لتنقض علي أي شخص يتجرأ على التحدث ضد زعيمهم.

بعد فترة من الزمن ستفقد كلا التقنيتين المذكورتين أعلاه حدتهما، وهنا يجب عليك تنفيذ التقنية الثالثة، الإكراه. فبعد فترة – طالت أم قصرت – سيكتشفون أن كلامك عن التهديد المحيط بحياتهم وحريتهم لم يكن إلا خدعة كبري أطلقتها أنت وإعلامك للسيطرة عليهم. وأن الوعود التي قطعها لم تتحقق. هنا كن حذرًا جدًا، فأنت على أبواب ثورة ضدك، قد تنتهي بعنقك متدليًا في أكبر ميادين عاصمتك. لذا رسّخ هذا الإكراه بالرقابة والتجسس على كل شيء، ولا تترد في استخدام القوة، بما في ذلك تلفيق التهم والتعذيب البدني، أو حتى القتل إذا لزم الأمر.

الدرجة الخامسة من سلم الخضوع: سيطر على كل وسائل الإنتاج.

كي تسيطر على السلطة يجب عليك التحكم في جميع وسائل الإنتاج، سيطر على كل شيء في عالم البزنس والتجارة. ولكن اعلم أن دوام الحال من المحال، فنحن نعيش في عالم يتحول باستمرار، فركز دائمًا على تدمير كل وسائل الإنتاج التي لا تخضع لسطوتك. إن احتفاظك بالسلطة سيدوم ما دمت متحكمًا في وسائل الإنتاج.

والشيء المهم الذي يجب أن تتذكره هنا هو أنه لا يمكن لأي ديكتاتور أن يحكم بمفرده. يجب أن يكون لديك أتباعٌ مخلصون لتحصيل ضرائبك، وفرض قواعدك، وتنفيذ مطالبك. وهذا هو المكان الذي تأتي فيه النخبة. فهي المسؤولة عن تغذية قوتك باستمرار، وستعتمد على هذه النخبة كثيرًا في استمراريتك. نعم القوة الباطشة مهمة في ترسيخ حكمك، ولكن هناك أشخاصًا في مناصب هامة يجب عليك ضمهم تحت لوائك، مثلًا الذين يتحكمون في إمدادات الغذاء والدواء لشعبك. اجعلهم واجهتك للضغط على شعبك، وإفقاره برفع الأسعار وتجويعه إذا لزم الأمر. عندما تكون قادرًا على حمل هذه النخبة على دعمك، من خلال الرشا والفساد والوظائف وغيرها من الممتلكات المادية. سيأتيك الناس الذين ضحّوا بحريتهم وكرامتهم مقابل رغيف الخبز راكعين أذلاء، لحظتها افعل بهم ما شئت. هؤلاء الناس – مواطنوك المخدوعون – لن يشعرون بأي قلق إزاء ديكتاتوريتك وتجبرك وفسادك، إن قلقهم سيكون فقط حول ما إذا كانوا قادرين على الحصول على الطعام حتى لا يتضورون جوعًا. إنهم قلقون فقط بشأن ما سيحدث لهم إذا لم يتمكنوا من دفع ضرائبك التي فرضتها عليهم. قلقون فقط من الأسعار التي رفعتها والتي تلهبهم بسياطها كل يوم. سيصبحون أشبه بحيوانات مستأنسة وغير قادرة على التمرد، لأن كل مخاوفهم ستدور حول كيفية توفير الحد الأدني للبقاء على قيد الحياة، وليس كيف يمكنهم الإطاحة بالذي تسبب في كل ما يعانوه من خراب وفقر ومرض. عندما تتحكم في وسائل الإنتاج، ستسيطر على كل البلد. إن القدرة على سرقة مواطنيك ونهبهم كلما أردت، يعطيك كل الموارد التي تحتاجها لإبقائهم عبيدًا لك.

الدرجة السادسة من سلم الخضوع: كن قاسيًا، وانشر ثقافة المجد للقائد العظيم.

اعتقل واقتل كل من يستخدم عقله ويفكّر بعقلانية، حتى ولو بطريقة غير مباشرة، حتى ولو كان من الذين ناصروك في البداية، وأقنعوا شعبك بصعود الدرجات الخمس السابقة. وغضّ الطرف دائمًا عن عنف مؤيديك واسمح لهم بقتل معارضيك بدم بارد، وحصّنهم من أي مسائلة قانونية، ثم ضلّل بقوة الأجيال الشابة بتعليمهم تعليما شموليًا فاسدًا، يتخرّجون منه أجهل مما دخلوه. ثم بعد ذلك أطعمهم الكذب، وبالغ في إنجازاتك، وأطلق على كل معارضيك في الداخل والخارج أوصافًا مزرية مثل أنهم قمامة، خونة، متآمرون عليك وعلى بلدك… لا تخف فإنك إذا نفذت ما أقول لك ستنجح في خلق جيل قادم من الزومبي المغسول عقله.

في النهاية، كن مطمئنًا فقائمة زبائني كانت طويلة، وقد شهدوا بنجاعة استشاراتي الديكتاتورية. تم ذلك مع موسوليني بإيطاليا، وهتلر بألمانيا، وصدام بالعراق، وبينوشيه في تشيلي، وعبد الناصر في مصر، وغيرهم الكثيرون. ولكن للأسف تغيرت الدنيا وأصبحت الكلمة العليا للشعوب في معظم أنحاء العالم، ولم يعد لدي الكثير من الزبائن، حتى وضعني الشيطان في طريقك. والآن بعد أن تطمئن أن شعبك قد صعد درجات سلّم سيطرتك بالكامل، فنم آمنًا قرير العين، ولا تخف من القادم أبدًا، فلن يكون هناك شخصٌ قادرٌ على معارضتك، وحتى الأقلية من العاقلين أو الوطنيّين الحقيقيين، سوف يصمتون من الخوف، أو يهاجرون خارج البلاد هربًا من حفرة الجحيم التي حفرتها أنت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات