في الوقت الذي يسعي فيه الجميع للحصول على نصيب من كعكة  الموارد الأفريقية الوفيرة وشبه المجانية لمن يعرف كيفية استغلالها، وهو أمر لم تكن الصين بمنأى عنه لـــــــبضعة عقود مضت، منذ أن تشكلت الملامح الأولى للعلاقات الصين -أفريقية في السبعينات، إلا أن بكين تبدو وكأنها على موعد الآن مع إعادة تعريف نفوذها الأفريقي في إحدى أكبر حلبات تنافس القوى العالمية.

كان الهدف الأساسي من نشأة برامج التدريب الصينية الدولية منذ السبعينات، وخاصة لأجل السياسيين والعسكريين الأفارقة، هو تصدير مبادئ الثورة الصينية الشيوعية للعالم، وبحسب تقارير أعدتها (QUARTZ AFRICA) في ديسمبر (كانون الأول) 2017 كان أنتوني كاباندو مسؤول فريق الخاص بالسكرتارية العامة للحركة الشعبية لتحرير السودان، التي أصبحت الحزب الحاكم بعد انفصال 2011، مندهشًا لدرجة أنه لم يتوقف عن الحديث عن سفره العام الماضي لأجل تدريب صيني انتدبته إليه الحركة، بداية من زيارته محطة السكك الحديدية والمطار الرئيس بــشنغهاي، ومرورًا بالمدرسة التابعة للحزب المركزي في بكين ، ووصولًا لبعض المناطق الصناعية ومراكز الشرطة في مناطق مختلفة من أنحاء الصين. وقع أنتوني تحت تأثير التطور الاقتصادي والصناعي الصيني لـــدرجة لم يكن معه بحاجة لأن يكون التدريب الذي تلقاه كواحد من بين آلاف المسؤولين الأفارقة، وسيلة دعاية بأي شكل لمبادئ بكين وحزبها الحاكم.

دائمًا ما يتغنى الأثيوبيون بهدية بكين العملاقة بشارع روزفلت الشهير  بقلب أديس أبابا، وهي مبنى مركز المؤتمرات للاتحاد الأفريقي كـــهدية بالغة السخاء من حكومة وشعب الصين، بـتكلفة 200 مليون دولار تم افتتاحها في  يناير (كانون الثاني) 2012، وتسلم رئيس الوزراء الإثيوبي آنذاك، مليس زيناوي، المفتاح الذهبي ، بعد أن أتمت الصين كل شيء على أكمل وجه. وبعد مرور خمس سنوات على هذه البناية الشامخة، لاحظ تقني حاسوب يعمل بمبني الاتحاد الأفريقي – أن خوادم أجهزة الاتحاد تزدحم بأنشطة بيانات بين الساعة الثانية عشر منتصف الليل والثانية صباح كل يوم، برغم عدم وجود أي شخص بالمبنى في هذه الساعات المتأخرة،  وسرعان ما ساقه الفضول لتتبع ما رآه خللًا؛ ليكتشف أن البيانات المتداولة وكافة أسرار الاتحاد الداخلية المخزنة على كل أجهز المبنى تقريبًا يتم نقلها وتخزينها في خوادم غامضة أخرى بوحدات غير معروفة، إلا أنها ليست بأديس أبابا، وإنما في مكان آخر يبعد ثمانية آلاف كيلومترًا من العاصمة الإثيوبية، في مدينة شنغهاي الصينية. مما ألبس الصين تهمة التجسس التي سرعان ما نفتها على لسان كوانج ويلين سفير بكين لدى الاتحاد الأفريقي، بحسب تحقيق لـــــصحيفة لوموند الفرنسية.

بعد هذه الحادثة بحوالي أربعة أشهر تحديدًا في مايو (أيار) للعام الماضي قامت الصين بتولي بناء مبنى البرلمان الكونغولي، بتكلفة 50 مليون يورو، في بلد غني بالموارد الطبيعية – تعد مقابلًا سخيًا لما يجني التنين الأسيوي العملاق – في بلد تمزقه الصراعات، والمتخم بالأزمات.

أكثر ما ساعد الصين للتغول في القارة السمراء هي الاستثمارات  السخية، والحنكة الثأثيرية دون التدخل أو دعمه بقدر لعب دور المصلح والمحاور الفعال، مثل ما حدث في أغسطس (آب) 2012 مع السودان وجنوبه (الدولة الوليدة) صفقة السلام التي تبنتها، وقبله إقليم دارفور سنة 2007، ووجهت اتهامات – وما زالت – للصين من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، بأن الصين تقيم فقط علاقات قوية مع الدول الغنية بموارد الطاقة دون بقية القارة، وللصين علاقات قوية مع دول مثل نيجيريا وجنوب السودان، وتعد هذه مصدر تغذية بكين بالطاقة، ومن المعروف أن الصين تعد كثافها السكانية عالية، عندما وجدت أن 60% من الأراضي الصالحه الزراعية في العالم توجد بأفريقيا مع منافسين، ماذا لو ينظرون إلى تلك القارة بعين المستعمر، وأن هذه الأسواق ملك له، جعلت من الصين قوة استطاعت أن تجيد قراءة السوق الأفريقي، فــالصين ليس من الدول مستعجلة النتائج، خاصة في صعودها في السياسة الدولية، مما ساق العلاقات الصينية الأفريقية في التقدم بدافع من التيارات الاقتصادية والجيوسياسية، غير أن كسب الدول الأفريقية يعد مكسبًا للصين، ويحقق لها دعمًا وقوة سياسية في المحافل الدولية.

لماذا يفضل القادة الأفارقة بتلك الحماسة النشاط الصيني؟ تعاني الحكومات الأفريقية من عجز كبير في البنية التحتية، خاصة الشوارع والجسور والموانئ والمستشفيات والمدارس، وهنأ تأتي وعود الصين بشراكة تحقق الكسب للجميع مع دفتر شيكات مفتوح دون أي شروط، وتذهب تلك الشراكات إلي جيوب الأنظمة، إن صح التعبير، وما يتبقى منها إلا ديون على عاتق الشعوب الأفريقية، لذلك دائمًا ما نجد أن القروض الصينية تصحبها بعض السرية والتكتم على كيفية اقتراضها.

يتعين على الحكومات الأفريقية أن تحفز الديمقراطية وتخلق بيئة مواتية لبناء علاقات ذات طابع مبني على المصالح والرؤية بعيدة المدى، دون التقيد بالقروض الضخمة ذات الفعالية غير ملموسة، وبناء الرخاء في أفريقيا من خلال أولويات مثل خلق فرض العمل، والتكامل الإقليمي، والمشاركة الاقتصادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد