ترك صديقي غرفته في حالة فوضى عارمة، فالكتب متناثرة في كل مكان، والوسائد والملابس على أرضية الغرفة، والحاسوب مفكك لعدة أجزاء، والمكتب يعلوه الغبار وعليه أكواب جفت فيها القهوة، وأطباق عليها بقايا طعام.

وقبل أن يترك صديقي غرفته وضع على بابها عدة أقفال يملك مفاتيحها كلها ولا يشاركه فيها أحد، إنه لا يريد أن يرى أحد من عائلته الغرفة بهذه الحال، وعندما عاد وقام بفتح الأقفال الواحد تلو الآخر فوجئ أن الغرفة في نظام دقيق.
كل شيء في مكانه المناسب!

الكتب في مكانها بتنسيق وترتيب، والكمبيوتر أعيد تجميعه، والملابس بعضها معلق والمتسخ منها تم غسله وكيه وطيه في خزانة الثياب والوسائد موضوعة بشكل مرتب على السرير، وتم مسح الغبار عن المكتب، وتم إعادة الأكواب والأطباق نظيفة ولامعة في خزانة الأطباق.

أمام هذه المفاجأة كانت أمام صديقي فرضيتان:

الأول: أن يقتنع أن الغرفة قامت بتنظيم نفسها أو المصادفة قامت بذلك نتيجة لزلزال، أو رياح، بدون أي تدخل من شخص غريب لأنه لا يعرف كيف يمكن أن يأتي شخص ويدخل الغرفة وعليها كل هذه الأقفال.
الثاني: أن يعترف بأن شخصًا منظمًا قام بعمل هذا عن إرادة وقصد، مع عدم علم صديقي بكيفية دخول هذا الشخص إلى الغرفة مع وجود الأقفال!

ماذا نستفيد من هذه القصة؟

إن عدم معرفتك بكيفية مجيء الفاعل، وعدم معرفتك بدوافع فعله، لا يمنع من وجوده الذي تستدل عليه من دقة فعله.
إن وصلت للاستنتاج أن هناك فاعل فعل هذا الأمر، لكنك لم تجد جوابًا لسؤال: كيف جاء؟ فإن غياب جواب السؤال الثاني لا يلغي الاستنتاج الأول الذي وصلت له.
لأنه لا يوجد تعارض بين استدلالك على وجود فاعل وبين عدم معرفتك بكيفية حضوره أو قيامه بعمله، بطريقة أخرى؛ إن عدم قدرتك على تصور الأمر لا يلغي عقلانية الأمر وإمكانية وقوعه، وكمثال على ذلك، هل تتصور كيف يتذبذب التيار الكهربي 60 مرة في الثانية الواحدة، بعقلك المجرد لا يمكن أن تتصور وقوع فعل 60 مرة في الثانية التي تنقضي بمجرد أن تعد للواحد.

النتيجة يجب أن نتذكر دائمًا أنه يجب الفصل بين أمرين:
(1) أنت متأكد من وجود فاعل فعل ما. (متأكد من وجود المخلوقات التي يجب أن يكون خلقها خالق قادر وعليم وحكيم).
(2) أنت لا تستطيع أن تعرف من أين جاء الفاعل أو كيف فعل أفعاله، فعدم معرفتك لا تلغي استدلالك على الفاعل لأن أفعاله وعظمتها ودقتها شواهد قاطعة على وجوده.

لذلك علينا التفكر في أدلة وجود الخالق المدبر:

يقول بعض العلماء بنظرية أن الكون قد نشأ نتيجة انفجار قوي، يسمى الانفجار العظيم، فهل الانفجار سيولد أي شيء دقيق؟
هل انفجار في مخزن للخردة سيولد دراجة هوائية؟ هل العشوائية تصنع نظامًا؟ أم أن هناك إلهًا قديرًا حكيمًا له التحكم الكامل الذي أدى لجعل الانفجار لا ينتج فوضى بل ينتج نظامًا دقيقًا؟
نستدل على الخالق أيضًا من دقة الخلق ونظام الأرض ومجموعاتها، بتواجد دورات منتظمة في الطبيعة للأكسجين ولثاني أكسيد الكربون وللمياه وللنتروجين وللغذاء، كذلك وجود الجاذبية الأرضية والغلاف الجوي ونسبة الغازات في الهواء التي لو اختلفت لاحترقت الأرض أو مات كل كائن حي، والمسافة بين الشمس والأرض، وبين القمر والأرض وسرعة دوران الأرض، كل هذه الأمور الدقيقة التي تبين عدم وجود عشوائية في الكون، بل نظام، يتطلب عليم خبير.
إن نشأة الحياة على الأرض التي ليس لها أي تفسير مقبول بالرغم من المحاولات الكثيرة من العلماء، ولكن ظهر لهم استحالة نشوء حياة بدون خلق مقصود، واستبعاد فرضية المصادفة حتى في تكوين جزيئات المادة الحية، مثل البروتين، لذلك هناك خالق حكيم هو الوحيد الذي يستطيع خلق الحياة من الموت.
إن الدقة المتناهية في وظائف كل عضو من أعضاء الإنسان والحيوان، التي تبين أن هناك تخطيطًا مسبقًا، أو تصميمًا ذكيًا، وراء تكوين هذا العضو؛ مما يستبعد افتراضية المصادفة أو التطور العشوائي، انظر إلى العين، أو إلى الكبد، البنكرياس، المرارة، الكلية، المخ، الأذن… هل كل هذا بدقته يمكن أن يأتي من تطور عشوائي لخلية غير عاقلة؟

تأتي الهداية للمخلوقات كدليل آخر على الخالق فنجد أن القطة تتبرز ثم لا تنصرف حتى تغطي برازها بالتراب. فكيف عرفت معنى القبح والجمال؟ وخلية النحل التي تحارب لآخر نحلة وتموت لآخر فرد في حربها مع الزنابير، من علمها الفداء؟ وأفراد النحل الشغالة حينما تختار من بين يرقات الشغالة يرقة تحولها إلى ملكة بالغذاء الملكي وتنصبها حاكمة، في حالة موت الملكة بدون وراثة. من أين عرفت دستور الحكم؟

والبعوضة التي تجعل لبيضها الذي تضعه في المستنقعات أكياسًا للطفو يطفو بها على سطح الماء… من علمها قوانين أرشميدس في الطفو؟ ومن أين تعلمت البعوضة أن غذائها يكون من دم الإنسان، ومن أين أتت بالمادة التي تفرزها فيتوقف تجلط الدم ويستمر سائلًا حيث غرست ماصاتها؟ والأشجار الصحراوية التي تجعل لبذورها أجنحة تطير بها أميالًا بعيدة

بحثًا عن فرص مواتية للإنبات من علمها صناعة الأجنحة والمظلات؟ الحشرات التي تضيء في الليل لتجذب البعوض لتأكله. من علمها هذه الحيلة؟
والزنبور الذي يغرس إبرته في المركز العصبي للحشرة الضحية فيخدرها ويشل حركتها، ثم يحملها إلى عشه ويضع عليها بيضة واحدة.. حتى إذا فقست خرج الصغير فوجد أكلة طازجة جاهزة! من أين تعلم هذا الزنبور الجراحة وتشريح الجهاز العصبي؟ فمن أين جاءت تلك المخلوقات بعلمها ودستورها إن لم يكن ممن خلقها؟ قال تعالى: أو وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد