نعود ونستكمل ما بدأناه سابقًا من سلسلة كيف آمن بالقران ولنناقش هذه المرة الجانب الفلسفي الذي يقدمه لنا القرآن، فمن المعروف أن السؤال الفلسفي هو الذي يسئله المرء ويغرق باله وتفكيره في أي زمان ومكان جيل بعد آخر؟ كأسئلة القدر وما بعد الموت وعلة التفاوت بين الخلق… إلخ.

وقد ورد في القرآن ما يشير الى وجود أجوبه لهذه الأسئلة بجلاء كما في آية: (وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ) وقليل من المفسرين الذين انتبهوا لمعناها الذي يؤكد ورود أجوبة تشفي غليل من يتلوها وتطمئن قلبه مماقد يشغل باله ومما يدعم هذا المعنى أيضًا ورودآية أخرى وهي: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ومعظمنا يقرأها ولا يعلم معناها حتى ولنستعرض بعض من هذه الأجوبة المسكنة والمهدئة لمن يتلوها وإن وجدت إشكالية في لفظة فلسفة، فلنستبدل بها إذًا بلفظة حكمة، والتي تقابلها في المعنى باللغة العربية.

أعظم سؤال مركوز في أصلابنا قد يواجهه أي أنسان على وجه الأرض ويضج مضجعه هو: ماذا بعد الموت؟ حتى أن عالم النفس النمساوي الملحد سيغموند فرويد يرى أن الانسان خلق من أجل الموت! والإنسان كما هو معروف هو الكائن الوحيد دون غيره من سائر المخلوقات الذي يفكر في الغد؟ لذلك ظل هذا السؤال الذي يراود الأجيال على مدى العصور والأزمان والكل يدلو بدلوه في الإجابة عنه سواء كانوا فلاسفة أو علماء دين أو حتى علميين وملاحدة وتتنوع إجاباتهم بحسب تنوع مشاربهم ولنستعرض إجابات القرآن عن هذا السؤال الملح الذي لا يستطيع أحد الانفلات منه ولا يستطيع حتى إثبات صحة إجابته التي يؤمن بها لعدم موته بعد وقد جسد القرآن هذا الإلحاح في السؤال بآية بليغة: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) ولو تدبرنا آي القرآن كثيرًا لوجدنا آيات القسم أخذت مساحة لا يستهان بها من مساحته وجلها تؤكد بما لا يدع مجالا للشك عن حقيقة يوم القيامة فنجده مثلًا: يقسم بالشمس والقمر والكواكب والنجوم وكل ما يحيط بنا من كائنات ويؤكد وجود حياة أخروية، بل يبرهن بدقة خلقة السموات والأرض الذين لم يخلقوا عبثًا، وإنما خلقوا لهذا الغرض بالتحديد وهو يوم القيامة: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ولنستعرض بعض من هذا الآيات التي هي بالمئات: (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ۖ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ)، (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى)، (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)، (الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ)، (كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ.. وكل هذه الآيات كما أسلفنا تؤكد حقيقة الحياة فيما بعد الموت وتجيب عن السؤال الذي لطالما أرهق عقول البشرية بمختلف ألوانهم وألسنتهم وتطمئنهم إذا ما التزموا الخطة الإلهية التي خلق الكون لأجلها حتى يتسنى لهم الحياة بطمأنينة وآمن وأمان في الحياة الدنيا وكذلك الأخرة.

من أبرز الأسئلة التي تراود الإنسان هو مدى التفاوت في الرزق بين الخلق والبحث عن سبب منع الرزق عن البعض وإعطائه للآخرين؟! فطبيعة الناس تتساءل هذا التساؤلات بالحاح على مدى العصور و الازمان حتى يظن من رزقهم الله أنه قد رضي عنهم! ويظن من أمسك عليهم أنه غير راض عنهم! كما جسدت آية (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ  وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) وهذا السؤال القدري يعد من أبرز البوابات التي تقود إلى الإلحاد وقد تطرقنا له بشكل مفصل في (كيف آمنت بالقرآن (ج 2) في قصة موسى وفتاه والتي تناقش معضلة الشر بشكل عام، وقد أجاب القرآن عن الحكمة وراء العطاء والمنع في الرزق بعدة آيات ومنها آية بليغة تسكن القلوب وتهدئها وهي: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) وقد يقول قائل إنها تثبطه نحو البحث عن مصدر رزق نقول على العكس تمامًا فالقرآن أيضًا حث في عدة مواضع على كسب الرزق، لكنه ينبهنا أنه مهما بلغ جهدنا في طلبه هناك من يسر الله لهم أبواب الزرق وهناك من أوصدت الأبواب في وجههم وسنة الله في خلقه العطاء والمنع لكوننا في دار ابتلاء لا دار جزاء وقد وردت آيات كثيرة تبشر الصابرين: (فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا. إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا)، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ..)، (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..) فهو يدفعك للكسب والعمل لكنه يقنعك ويطمئنك أن العطاء من عنده وحده وقد ذكر ابن عطاء الله السكندري حكمة بليغة في هذا الجانب وهي: (رُبَّما أَعْطاكَ فَمَنَعَكَ وَرُبَّما مَنَعَكَ فأَعْطاكَ. إن فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء). وذكر أيضًا (مَنْ لَمْ يُقْبِلْ عَلى اللهِ بِمُلاطَفاتِ الإحْسانِ قِيْدَ إلَيْهِ بِسَلاسِلِ الامْتِحانِ)، وأيضًا في شأن الولد وهو ضرب من ضروب الرزق ذكر القرآن: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) وقس على ذلك من الآيات التي تهدي القلوب وتطمئنها وتخبرنا بسبق علم الله بنا واختياره لما يعود في مصلحة عباده وتعفي أدمغتهم من الولوج في شيء لا يعلم حكمته إلا الله وحده.

كذلك أمر الحكمة في مسئلة التفاوت بين العباد في الخلق كوجود المؤمن والكافر والأسود الأبيض والقوي والضعيف والغني والفقير والعالم والجاهل والصحيح والعليل والجميل والقبيح وغيرها من المتناقضات التي تؤرق العقول في محاولة الإجابة عن سبب هذه الاختلافات التي قد تبدو عبثية من الوهلة الأولى ويتخذها البعض مطية لعبثية الخلق والإلحاد ويرد القرآن عن هذه التساؤلات التي تثير الحيرة بآياتمتفرقة منها: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)، (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ..) أو (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)، (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، (وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)، (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ..)، (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًوَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)، (لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا) وطبيعة القرآن يرحل كثير من المظالم التي تعاني منها البشرية الى يوم القيامة الذي يقاس فيه ميزان العدل بين الناس وهذا بالضرورة يعينهم على تحمل بلائهم ويكون عزاءً لهم ليصبروا عليها حتى حين.

لو تأملنا في مختلف الثقافات التي يقل فيها ذكر الإله لو جدنا نسبة قراءاتهم للفلسفة الماورائية كبيرة جدًا مقابل الثقافات المتمسكة بالكتب المقدسة لكونها تحوي اجوبة مقتضبة عن التساؤلات التي تؤرق تفكيرهم وتكون لهم عزاء مواساة ومصدر سعادة تهدئ من روعهم وتبعثهم نحو الاطمئنان بمستقبلهم وقسمة الله عليهم وهذه الطمأنينة والسعادة يفتقدها اللادينيين كثيرًا ولذلك ينصح الله بقراءة كتابه آناء الليل وأطراف النهار حتى تترسخ تلك الأجوبة في أدمغتنا وتجعلنا نحيا حياه آمنة وكلما ازددنا في قراءته وحفظهم كلما زاد اطمئناننا وخفت تساؤلاتنا أكثر  وهذه سمة حفاظ القرآن على الدوام وكلما ابتعدنا عن تلاوته كلما زاد شقاؤنا وهذا التكرار في التلاوة يصنع العقيدة ويدفع النفس نحو الأيمان بما جاء به القرآن أكثر كما في آية: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) وآية (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا)ويدفعنا لسعادة الدارين ولو دققنا جيدًا في معظم الآيات لوجدناها تقرن الإيمان بالله واليوم الآخر في عدة مواضع لما فيهما من أثر بليغ على حياتنا وسعادتنا فالقرآن يرسم لنا خطة الحياة وما بعدها بكل ثقة كما هو نص القرآن عادة  ويدعو للتمسك بتعاليمه حتى آخر رمق في الحياة كما في آيات (ووَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، (فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون)، (فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون فارتقب إنهم مرتقبون).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد