إذا كان الشرقُ الأوسطُ هو مكانَ إقامتك الآن وأنت ابن القرن الحادي والعشرين، فاعلم بأنك تعيش فعليًا في أوروبا، لكن في بدايات قرنها العشرين، بل ربما تعيش طرازًا صارخًا من الحداثة أكثر علوًا من صرخاتِ آلاف الأرامل والمكلومين.

نعم، تحيطُ بك مظاهرُ الحداثة من كلجانب، وتظهرُ من حولك مستحدثاتُ وصورُ الحضارة، كما أنك تنبهرُ بالرموز المثقفةِ والقاماتِ الفكريةِ العملاقة، وعشراتِ المؤلفاتِ والتنظيراتِ التي تندرج من تحتِ أيديها، كل ما سبق كان موجودًا في أوروبا مطلع قرنها العشرين، ولكنه لم يحُل دون اندلاعِ حربين عالميتين في تلك القارة، أدت فيما أدت إليه إلى  حصدِ أرواح أكثر من تسعةِ ملايين إنسانٍ في الأولى وإلى نحو خمسة وسبعين مليونًا آخرَ في الثانية.

كانت أوروبا في تلك المرحلةِ تتنازع بين جمهوريات وزعاماتٍ تعيش وتقتات وتطعم شعوبهاأحلامًا منالتوسع المجنون، فكما تغلغلت الرغبة لاستعادة أمجادِ روما القديمة عند الإيطاليين فقد تغلغلت أكثر لإثبات تفوق العرق الآري عند الألمان وإعادة بناء الجمهورية الجرمانية بضم النمسا لألمانيا، وهكذا دأبَ الكتَّابُ والمثقفون هناك يغزلون كتاباتِهم وأشعارَهم وفنونَهم على المِنوال الذي أملته عليهم أطماعُ ساستِهم وكبرائهم، وأخذوا يعزفون على سيمفونيات الضم والإلحاق، والرغبة الجامحة في قصم الآخر وكسر أنفه، وإثبات الحق بالتفرد والزعامة وقيادة القارة تحت ذراعه.

لا يختلف الشرق الأوسط اليوم عن تلك الحالةِ البائسةِ من التاريخ الأوروبي، وتبدو حالاتُ الاحتقانِ المتبادلةِ بين مُختلفِ التياراتِ الفكريةِ والمذهبية واضحةً وعلى المستوياتِ والأصعدة كافة، حتى باتَ الصوتُ الوحدويُّ المخلصُ نادرًا مجهولا، وإن ظهر فإنه مشكوك فيه مُستتبَعُالخطى للتقصي والنبش عن ماضيه، وبالتالي عن المآربِ التي يحاولُ أن يحققَهَا من خلفِ ما يُظهِرُهُ.

في الحالةِ الفلسطينية على سبيلِ المِثال، لا مجالَ لأن تكون محبًا للتيارين الإسلامي المتمثل بحماس والليبرالي المتمثل بفتح، وأن تتعاملَ وتنظِّرَ وتنتقدَ بعين التعقلِ والمحبةِ معًا، إذ لا بد أن تكون عاشقًا عابدًا متملقًا لجهة، كارهًا حاقدًا متحاملًا على الجهةِ الأخرى، وهي حالةٌ تجعلُ الحليمَحيرانًاأمام أفرادٍلم تعتدْ الاستماعَ إلى لغة الانتقاد إلا إذا جاءت في سياق تحامُلي بغيض، ولم تتعود سياسة مراجعة الذات إلا إن كان سوطُ الجلادِ على ظهرها، بالمثل فإن الواقع المصري والعراقي والتونسي شديد الاستقطاب يعاني من حالة أشد ضراوة وبؤسا.

ولا يبدو الأمر مختلفًا في جوهره عندَ الأفرادِ المثقفين، والنُّخبِ والرموز القيادية الموجِّهة والمؤثرةِ في باقي أرجاءِ الوطن العربي، حيثُ يُشكِّلُ التأطيرُ الفكريُّ والمرجعيةُ الأيدلوجيةُ مِعيارًا أولًا في كتاباتهم وتنظيراتهم، بل إنَّ أيَّ تفوقٍ فنيِّ أو رياضيٍّ باتَ يستلهمُ لغةً من الدعاية المؤدلجة؛ولذا تبدأ رحلة البحث عن جذور صاحبهذا التفوق أهي دينية أم يسارية أم علمانية، وما يتلوه بعدها من الترويج والدعاية.

يتعدَّى الأمر لأكثر من ذلك، حيث تكتنف الرغبة في التنميةِ بناءً على قاعدةٍ قوميةٍ أو وطنيةٍ أو دينيةٍ ركيزة أولى، ومطمعا بارزًا عند قيادات الأحزاب والتيارات الفكرية العربية، إذ يبدو جلياأن السير نحو نهضة حقيقية تخفيه نوازع إما دينية أو قومية أو علمانية عندَ أربابِ تلك التيارات، حيث يتمنى أنصارُ كل فريق أن يُسند الفضل إليهم حيالنهضة الأمة واستقلالها، كي يسجل التاريخ بأن أبناء الأخوان مثلا هم من قادوا الأمة الإسلامية إلى النهضة، أو أن أبناء اليسار العربي هم من قادوا الوطن العربيإلى الحرية وحققوا السيادة القومية للأمة العربية المجيدة.

وهكذا يمر الشرق الأوسط بحالة من الهستيريا القبلية التي تطحن به عبر أيدي نخبه ومثقفيه، وهي تشبه الحالة التي مرت بها أوروبا خلال مخاضها الحضاري إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وحيث إن الجمهورية النازية الألمانية، والدولة الفاشية الإيطالية لم تقلَّ إرهابا في زمانها عن إرهاب دولة داعش في زماننا، فإننا نتوقع إذًا حروبًا عربيةً على النحوِ الذي سارت به أوروبا إن بقينا على هذا الحال، لكنَّ الفارقَ الوحيدَ عن القارة الأوروبية هو أن مطامِعَنَا ورغباتنا السمجة في التوسع الحزبي أو الطائفي والتي تُعمينا عن لغة الحوار والتعاون المشترك تعزِّزُها  الولاءات الخارجية، بل يجد أعداءُ الأمة ملاذهم الحقيقيوتربتهمالخصبة نحو المزيد من التقسيم والتفتيت والقتل والسفك وعلى أجندة طائفية أو عقائدية.

الفارق الآخر هو أننا وحيال الواقع المرير الذي نسير فيه فإنَّ مركبتنا تتوجه إلى الجهة الأخرى المعاكسة لما توجهت إليه أوروبا في تلك الفترة: من تعامل على قاعدة خطوط التلاقي، ودوائر العمل المشترك؛ أدت فيما أدت إليه لحضارة مادية باهرة، بل إننا نتوجه إلى العكس تماما إلى حيث العصور الوسطى المظلمة التي يخيم الاقتتال والتفتيت ولغة الإقصاء والتخوين على أربابها وبين أبنائها، والسبب الفارق في ذلك هو البُعد العدائي الذي يستلهم تربته من أصول عقائدية عند الأطراف المتنازعة.

وسيبقى الشرق الأوسط على حاله بل ربما ينحدر نحو الأسوأ ما دامتلوثات الأنا الحزبية المتضخمة آخذة بالنماء في مفاهيم أعماق القيادات القومية والليبرالية، وما دام التصرف بالوكالة عن الملكوت والشعور بتمثيل إرادة الله الحصرية في كونهعند الأحزاب اليمينية الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد