رسم من موقع موسوعة المحيط يصور مدينة مكة في العصر الجاهلي

العام 412 ميلاديًّا بداية تقويم العرب

قبل البعثة النبوية بمئة وخمسين عامًا، أي مستهل القرن الخامس الميلادي، احتضنت مكة المكرمة اجتماع سادة قبائل العرب من الرؤساء وعلية القوم ووفود الحج، حيث كانت قبائل شبه الجزيرة العربية تسمي الأشهر الاثني عشر بأسماء مختلفة عن القبيلة الأخرى، تُرتب أسماء الشهور حسب ظروف كل قبيلة؛ مما كان يُسبب تضاربًا في بعض الأحيان بموسم الحج. جاء الاجتماع للاستقرار على أسماء جديدة للأشهر العربية يتفق عليها جميع العرب وأهل الجزيرة العربية، ويقال: إن أول من سماها هو كِلاَبُ بْنُ مُرَّةَ الجد الخامس للنبيِّ محمد، صلى الله عليه وسلم، عرف بالتقويم العربي. وبعد اعتماد العرب لهذا التقويم لم يغيروا تقويمهم إلى التقويم الشمسي، بل استمر الحال كما هو عليه واعتمدوا التقويم القمري، وتكون من اثني عشر شهرًا وما تزال كذلك، وتأخذ من الأهلَّة مواقيت للناس والحج. حيث إن الهلال هو المحدد لأوائل الشهر، فبعد أن يختفي القمر في آخر الشهر، يخرجون لمراقبة الهلال فتكون بذلك بداية الشهر، فكل اثني عشر هلالًا تمت السنة وبذلك تكون عدد أيَّامها مجملة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يومًا. وقد اختلف التقويم لدى العرب في شبه الجزيرة العربية قديمًا الشمال عن الجنوب ونذكر بإيجاز أسماء ومعاني شهور التقويم العربي.

المحرَّم: وهو أول شهور السنة الهجرية، ومن الأشهر الحرم، ويقال له شهر الله سمي محرَّمًا لأنهم كانوا يُحرِّمون القتال والغزو والأخذ بالثأر فيه، صفر: معناه أن ديار العرب كانت تصفر أي تخلو من أهلها بسبب الحرب، وقيل كانوا يغزون الصَّفريَّة، وهي أسواق كانت باليمن كانوا يمتارون الطَّعام منها، وقيل لأن أوطانهم تخلو من الألبان، ربيع الأوَّل وربيع الآخر: سميا ربيعين لارتباع القوم؛ أي إقامتهم وقيل أيضًا أن التسمية نسبة إلى فصل الربيع، فهما يصادفان موسم تفتح الزهور، جمادى الأولى وجمادى الآخرة أو جمادى خمسة وجمادى ستة: أخذت التسمية من الجَمدَ وهو الثلج وما جمد من الماء، رجب: وهو من الأشهر الحرم وينعت بالفرد، وذلك لكونه شهرًا مقدسًا يتفرد بالتعظيم والتَّرجيب من التعظيم والتقديس، أما المعنى الآخر الذي ذكره أغلب المؤرخين العرب هو التوقف عن القتال حيث إن العرب ترجب رماحها فيه أي تنزع النصل من الرمح، شعبان: ومعناه التفرق والانشعاب؛ وذلك لتشعُّب القبائل فيه واعتزال بعضهم بعضًا، أو لأن الناس تتفرق فيه ويتشعبون طلبًا للماء أو الغارات بعد قعودهم عنها في شهر رجب، رمضان: ويذكر بالمبارك لأنه قُدس في الجاهلية وسمي رمضان لشدة وتناهي الحرِّ فيه، شوال: وينعت بالمكرَّم بذلك لشولان الإبل بأذنابها عند اللِّقاح، ولذلك كرهت العرب التزويج فيه، وجاء النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبطل تطيرهم به، ويُقال: سُمِّي بذلك لأنَّ الأبل تهزل ويجف لبنها، ذو القعدة: أول الأشهر الحرم وأغلب المفسرين العرب اتفقوا على أن التسمية تقوم على فكرة القعود عن الحرب فلا غزو ولا يطلبون كلأً ولا ميرة، ذو الحجَّة: آخر شهور السنة ومن الأشهر الحرم يحج العرب فيه إلى مكة للنسك والتعبد، ولفظ الحج مأخوذ من السامية.

النسيء والكبيسة

منذ عهد إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، حرّم الله، عز وجل، القتال في أربعة أشهر من السنة القمرية ويطلق عليها الأشهر الحرم وهي: رجب (فرد) وذو القعدة وذو الحجّة ومحرّم (سرد)، ومن المعلوم أن حياة العرب كان أغلبها قائمًًا على القتال والغارات والغزو؛ وذلك لأن معاشهم كان قائمًا بها، فكرهت العرب أن تتابع ثلاثة أشهر من سنتهم لا يغيرون فيها، لذا لجأوا إلى حيلة لا ينتهكون بها الأشهر الحرم من وجهة نظرهم، فقد كانوا يرون أن تكون هناك أربعة أشهر حرم في السنة، لا يضر تغير شهر عن الآخر شيئًا، وبذلك أحلُّوا الغارة والقتال في شهر محرَّم وحرَّموا بدلًا عنه شهر صفر، ويحدث ذلك في شهر ذي الحج، ة وأطلق عليه اسم النسيء أي بمعنى التأخير.

يحدث النسيء في شهر ذي الحجة بعد فراغهم من أداء فريضة الحج يقوم رجل من قبيلة كنانة قائلًا: إنّي لا أُحابُ، ولا أُعابُ، ولا يردُّ لي قضاء، فيرد عليه المجتمعون: صدقت، أنسئنا شهرًا، فيحل المحرَّم ويصبح بذلك آخر شهور السنة، ويحرِّم بدلًا عنه شهر صفر، ويكون هو أول شهر في السنة الجديدة. وتقوم قبيلة كنانة بأمر النسيء وينادى بقَلَمَّس، وورثته في هذا الأمر من بعده ينادون بالقَلَامَّس أو النسأة، وآخر من نسأ كان أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أميَّة.

في بادئ الأمر لم يدرك النسأة ولا العرب أن تلاعبهم في أشهر السنة القمرية قد يحدث تغييرًا لم يرجوه في موسم الحج؛ إذ بدأ موسم الحج مع مرور السنين يبتعد عن موعده المعتاد في فصل الربيع، وقد جرى على باقي شهور السنة من تغير مواسمها ما جرى على موسم الحج، ترى يكون الربيعين صيفًا وتارة يكون رمضان في فصل الشتاء، فأدرك العرب الخطأ الذي وقعوا فيه وأقدموا على كبس السنة حتى تتوافق سنتهم القمرية مع فصول السنة الشمسية، وتظل مواسم التجارة والزراعة والحج على حالها ولا تختلف عن فصول الشمسية، فتعلموا طريقة كبس السنة من يهود يثرب ويذكر البيرونى في كتاباته أن العرب بدأوا باستعمال الكبس والنسيء قبل الإسلام تحديدًا في العام 412ميلاديًّا، أي في السنة التي اعتمدوا فيها التقويم العربي، فأضافوا في كل نهاية سنة 11 يومًا لتصبح بعد ثلاث سنين شهرًا يضاف لسنة وتكون بذلك سنة كبيسة، وبذلك يكون النسيء والكبس على صورتين الأولى: زيادة شهر في مقدار أشهر السنة، الثانية: أو تأخير الأشهر الحرم من أجل القتال.

يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد