خارطة من مدونة حازم القصوري لِشبه الجزيرة العربيَّة توضح مسار هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب.

التقويم الهجري

في سنة 14 من البعثة النبوية أمر الله عز وجل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالخروج من مكة إلى المدينة المنورة، ووصل إليها في ضُحى يوم الاثنين 12 من ربيع الأول، بذلك قامت الدولة الإسلامية في المدينة، وكانوا أول من اتخذوا السنة القمرية بصورتها الحقيقية عدة شهورها 12 شهرًا تبدأ كما جرى في التقويم العربي بالمحرم، وتنتهي بذي الحجة، لم يغيروا فيها شيئًا من أجل العبادات، فاحترموا بذلك أشهر السنة، وبالأخص حرمة الأشهر الحرم التي جاءت مع رسالة إيراهيم عليه السلام، وأعادها الإسلام بصورتها الصحيحة، فلا يزيد الشهر على 30 يومًا، ولا ينقص عن 29 يومًا، يمكن أن تكون هناك أربعة أشهر تباعًا مُتممة 30 يومًا، أو ثلاثة أشهر تباعًا تسع وعشرين يومًا. وكان المسلمون قبل الهجرة يؤرخون كما اعتادوا بعام الفيل وغيرها من الأحداث، ولم يتخذوا من سنوات البعثة النبوية بداية للتأريخ عندهم، وبعد الهجرة إلى يثرب تركوا التأريخ بأحداث الجاهلية واتفقوا على تسمية كل عام باسم أشهر أحداث الدولة، فلم تُعين الأعوام لديهم على مبدأ ثابت تحسب منه، وسميت السنوات لديهم كالآتي:

السنة الأولى سنة الإذن؛ إذ كان حدث الإذن بالهجرة من مكة إلى المدينة. السنة الثانية سنة الأمر؛ أي الأمر بقتال المشركين، وفيها غزوة بدر. السنة الثالثة سنة التمحيص؛ أي تكفير الذنوب عقب غزوة أُحد لقوله تعالى في سورة آل عمران: «وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَٰفِرِينَ». السنة الرابعة سنة التَّرْفِئَة؛ ومعناها الاتّفاق وجمع الشَّمل من رفأ بين القوم: إذا أصلح بينهم. السنة الخامسة سنة الزلزال؛ إشارة إلى ابتلاء المؤمنين وزلزالهم في غزوة الأحزاب أو الخندق. السنة السادسة سنة الاستئناس؛ إشارة إلى الآية الكريمة في سورة النور: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا». السنة السابعة سنة الاسْتِغلاب، وكان فيها فتح خيبر والغلبة على اليهود. السنة الثامنة سنة الاستواء؛ وهي سنة الفتح: فتح مكة. السنة التاسعة سنة البراءة؛ أي براءة الله ورسوله من المشركين يوم الحج الأكبر، ومنعهم من أن يقربوا المسجد الحرام، أو البراءة من المتخلفين عن الجهاد يوم تبوك، وهي أيضًا سنة الوفود لقدوم العرب وفودًا معلنين دخولهم في الإسلام. السنة العاشرة سنة الوداع؛ أي سنة حجة الوداع.

السنة العاشرة سنة الوداع واستدارة الزمان

يقول الله عز وجل في سورة التوبة: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ». بسبب تلاعب وتغيير العرب في الأشهر عن طريق النسيء، وتغير شهر الحج إلى غير موضعه، ومن المعروف أن المواسم والفصول تعود إلى طبيعتها، وكما كانت بعد مرور فترة من الزمن، فكانت السنة العاشرة التي حج فيها نبي الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع هي السنة التي وصل فيها الحج إلى شهره ذي الحجة، وجاء في الصحيحين – صحيح مسلم وبخاري – وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في عرفة في حجة الوداع قائلًا: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة 12 شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان». بذلك حُرم النسيء في السنة العاشرة من الهجرة، وبخطبته عليه الصلاة والسلام وضح للأمة أن الأشهر قد عادت إلى ما كانت عليه وبطل النسيء.

السنة السابعة عشرة عمر بن الخطاب يعتمد تقويم الهجرة

توسعت الدولة الإسلامية، وولى الولاة في الأمصار والبلاد المختلفة، بالإضافة إلى قادة الجيوش في المناطق التي لم تفتح بعد، لذا كان يتم كتابة الدواوين والمراسلات والمكاتبات فيما بينهم، من بين هؤلاء الولاة الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري الذي كان واليًا على البصرة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين، وكانت الصكوك والمكاتيب التي يرسلها الخلفاء مؤرخة بالشهر فقط، فأرسل أبو موسى إلى عمر أن الصك الذي بُعث إلينا من قِبل أمير المؤمنين محدد في شهر شعبان، فلا ندرى هل هو شعبان الذي مضى أم الآتي، فجمع عمر بن الخطاب الصحابة للشورى بينهم حتى يتمكنوا من ضبط الوقت والتواريخ للسنوات، حضر الاجتماع شخص كان مَلِكًا على منطقة الأهواز في بلاد فارس، أسر وأسلم، اسمه الهرمزان، أشار إلى عمر بأن لديهم تقويمًا لحساب الزمن اسمه «ماه روز» أي حساب الشهور والأعوام، شرحه للحاضرين، ومن هنا قرر عمر بن الخطاب أن يوضع التاريخ للزمان.

لم يعرف عمر والصحابة رضوان الله عليهم نقطة انطلاق يتم تحديدها لبداية التقويم لديهم، فأشار اليهود عليه أن يعتمد تاريخ الروم الإسكندري – الإسكندر المقدوني – ولكنه رفضه بسبب الطول فقد كانوا يؤرخون من عهد الإسكندر، بالإضافة إلى أنه تقويم شمسي، وأشار البعض الآخر إلى تاريخ الفرس، ورده أيضًا بسبب أنهم يؤرخون بملوكهم فلم يكن لديهم مبدأ ثابت لتأريخ، كلما حكم ملك جديد اتخذوه وتركوا ما كان قبله كما أسلفنا، وبعد المشاورات استقروا على أن يكون بداية التأريخ لحدث أو يوم من أيام النبي صلى الله عليه وسلم، فأشاروا تارة إلى مولده، وتارة إلى مبعثه، وتارة أخرى إلى وفاته، ولكن لعدم توفر الوقت المعلوم بدقه لم يقبلوا أي شيء من هذا، فأشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه على عمر أن أنسب حدث يتم اتخاذه هو بداية ظهور الدولة، أي الهجرة من مكة إلى المدينة، وقد كان ذلك بسبب أنهم رأوا أن الهجرة هي بداية التفريق بين الحق والباطل، وترك أرض الشرك، كان ذلك في ربیع الأول من العام السادس عشر للهجرة، أي بعد سنتين ونصف السنة من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واعتمدوا اليوم الأول من شهر المحرم من السنة السابع عشرة للهجرة بداية أول سنة هجرية بصورة رسمية، وقيل إن بداية تطبيقه بصورة رسمية كانت في العشرين من جمادى الآخرة من نفس العام باتخاذ المحرم بداية السنة، بهذا يوافق أول المحرم للسنة الهجرية الأولى 18 يوليو (تموز) من العام 622م.

ثم تلى قصة اعتماد التقويم مسألة رأس السنة، في أي شهر تبدأ السنة، فاقترح بعض الصحابة على عمر رضي الله عنه أن يكون أول شهور السنة شعبان، واقترح البعض الآخر أول السنة رمضان، أما عثمان بن عفان وعلي فكان رأيهما أن يكون مثل أيام العرب قبل الإسلام باعتماد المحرَّم أول السنة، واستقروا على العمل بهذا الرأي فكان المحرم هو أول السنة الهجريَّة انطلاقًا من أنه منصرف الناس من الحج، كما أنه شهر الله كما أسماه الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الاسم بعد الإسلام.

حساب السنة الهجرية والتقاويم المتعددة

354 يومًا و8 ساعات و48 دقيقة هي أيام السنة في التقويم الهجري، والأشهر القمرية كما أسلفنا إما 29 يومًا، وإما 30 يومًا، وهي إما 354 يومًا، سنة بسيطة، أو 355 يومًا، سنة كبيسة، والدورة القمرية حسابها يكون حسب ظهور القمر تساوي بالتقريب 29.530588 يومًا، هذا يعني أن الفارق بين السنة الشمسية أو التقويم الميلادي والسنة القمرية 11.2 يومًا، لهذا أصبح التقويم الهجري فريدًا ومتميزًا عن باقي التقاويم العالمية، فقد يطل علينا شهر رمضان، أو ذو الحجة، تارة في الصيف، وتارة في الربيع، وتارة في الشتاء، هناك أكثر من تقويم هجري، أو طريقة حساب للتقويم الهجري، فيختلف التقويم عند الأتراك بسبب اعتمادهم على الرؤية الفلكية للهلال أكثر من رؤية العين المجردة، بينما يعتمد تقويم أم القرى – السعودية – على دورة القمر لتحديد الأشهر، وتقويم شمسي لتحديد فصول السنة، بالإضافة لخطوط الطول ودوائر العرض للمكة، وهناك أيضًا التقويم الهجري المجدول، وتحسب فيه الشهور بطريقة الأرقام زوجية، ويبدأ به محرم، وشهر فردي صفر، وحتى نهاية السنة، مع الأخذ في الاعتبار أن يكون شهر ذي الحجة في السنوات الكبيسة زوجيًا 30 يومًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد