صورة من موقع ويكيميديا للهلال التقطت من مدينة ساريجام بمحافظة أضنة جنوب تركيا

منذ بداية الخلق، اهتم الإنسان الأول بتأريخ الأحداث الهامة التي ساهمت في تكون الدول والممالك، وذلك قبل أن تضع حضارات العالم القديم أي تقويم رسمي خاص بها. فكانت الشعوب تحرص على المراقبة والرصد المستمر لتحركات الأجرام السماوية كالنجوم والكواكب والشمس وبالأخص القمر باعتبارها الوسيلة الوحيدة لقياس الزمن آنذاك. وكانت نتيجة هذه المراقبة معرفة الإنسان لعدد السنين والحساب والتي ترتب عليها أن ابتكر الإنسان نظامًا اجتماعيًا من أجل ترتيب الأيام والشهور والسنين في أجندة عُرفت باسم التقويم. والذي لم يعد بالإمكان تصور حياة الأفراد أو المجتمعات بدونه. نتعرف في هذا المقال المكون من ثلاثة أجزاء عن قصة التقويم القمري عند العرب واعتماده لاحقًا تقويمًا إسلاميا تنطلق بدايته من هجرة النبي محمد صل الله عليه وسلم إلى المدينة «التقويم الهجري».

قبل التقويم، التأريخ بأنبياء بني إسرائيل وملوك الفرس وحروب العرب

بداية، نستعرض سريعًا حال العرب والأمم السابقة قبل اعتماد التقاويم، حيث كانت السنين قديمًا تؤرَّخ اعتمادًا على فترة زمنية للأحداث من شأنها أن تغير من الكون. وفي العادة؛ تكون المدة بينها وبين سابقتها سنين أو قرون من الزمان، فأرَّخوا بأحداث الأرض أو الظواهر الكونّية أو بهلاك الأمم أو حتى بالملوك، مثال على ذلك: التأريخ بمبعث نبيّ بآيات أو بُرهان يأتي به فكان هبوط آدم عليه السلام حدث أرَّخ بنو آدم به حتى بعث الله نوح عليه السلام. فصار التأريخ منذ مبعثه حتى كان الطوفان. ثم أرَّخ بنو إسحاق بنار إبراهيم عليه السلام حتى مبعث يُوسُف. ثم أصبح بنو إسرائيل وسائر اليهود والعبرانيون ينتقون أكثر نقطة زمنية تميزًا بالنسبة لهم ليؤرَّخوا بها، فلَّما أرسل الله النبي موسى عليه السلام أصبحوا يؤرّخون من مبعثه حتى مُلك سليمان ثم مبعث عيسى عليه السلام.

أما التأريخ بالملوك فقد كان إما بظهور ملك جبّار متسلط على البلاد والعباد فكان من هؤلاء الملوك النمرود ونبوخذ نصّر أو ملك عادل مثل ذو القرّنين والنبي سليمان عليه السلام والأسكندر المقدوني. أيضًا أرَّخ بهلاَك أمم مثل الأقوام الأولين عاد وثمود. وكانت الفرس تؤرّخ بملوكها فكلمَّا اعتلى ملك عرشا أرَّخوا به وتركوا ما كان كان قبله، وكان أول من أرَّخت به بلاد فارس الملك جميشد. أما العرب لا يعرف لهم قبل الإسلام نظام ثابت محكم للتأريخ أو حتى التقويم بعد ذلك، بل أرّخوا بأحداث حدث أغلبها على أراضي شبه الجزيرة العربية. وبعد اعتمادهم للتقويم القمري، لم يتعامل العرب تعاملًا يلزمهم بتقويمهم ولم يعملوا أيضًا بتقاويم الأمم المتحضّرة من حولهم آنذاك. فأرَّخوا ببناء الكعبة في زمن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وانهيار سد مأرب، وبعام الفيل وعام الغدر، وأرَّخوا بالحروب الطويلة كداحس والغبراء وغيرها وسوف نتطرق إلى هذا بالتفصيل.

ومع مرور الزمن، اقتضت الحاجة إلى ايجاد نظام اجتماعي – سجل زمني – محكم لكل أمة تستطيع من خلاله أن تؤرّخ للأحداث التي تقع في مجتمعاتهم من أجل تنظيم الحياة. حيث إنه في فترة التأريخ كانت الأيام والسنوات تمر على المجتمعات ولا يعرف الأحداث متى تحدث، ولا يستطعون تنظيم طقوسهم الدينية، ومن هنا جاءت فكرة التقويم. والتقويم هو نظام للعد الزمني من أجل حساب التواريخ لأيام السنة. وقامت الحضارات بوضع التقاويم ومن ثم بدأت تتناقل التقاويم كنوذج تستوحي من خلاله الحضارات الأخرى الفكرة وتنشئ هي الأخرى تقويمها الخاص الذي يناسب حضارتها. وقد يتغير التقويم إذا طرأت أحداث تاريخية تختص بأصحاب هذه الحضارات أو من حولها من الأمم والحضارات.

التأريخ من بناء الكعبة إلى شهور الجاهلية الأولى

لم يعرف العرب قبل الإسلام نظاما ثابتا محكما للتأريخ أو حتى التقويم من بعد، بل أرّخوا بأحداث قد حدث أغلبها على أراضي الجزيرة العربية واتخذوا بعضها بداية لتاريخهم. ولم يغنهم بعد ذلك التقويم القمري الذي اتخذوه ولا تقاويم الأمم المجاورة لهم آنذاك. من ذلك التأريخ ببناء الكعبة زمن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في العام 1871ق.م، وأرّخوا بأسياد العرب وعظمائهم كان أهمهم عمرو بن لُحَيّ من خزاعة وهو أول من استبدل دين إبراهيم عليه السلام ودعا العرب إلى عبادة الأصنام، كذلك كانت وفاة كعب بن لؤي مما أرخ به العرب وهو أول من سمَّى يوم العروبة بيوم الجمعة. وانهيار سد مأرب – سيل العرم – في العام 120ق.م، وأرَّخوا بالأعوام بعام الفيل نحو سنة 571م، وبعام الغدر وهو العام الذى نهب فيه بنو يربوع ما أنفذه بعض ملوك بنى حمير إلى الكعبة، وبحرب الفِجَار التي وقعت في الأشهر الحرم نحو 585م، وبتاريخ تجديد الكعبة عام 605م، كما أرّخوا بالحروب التي كانت تستمر لسنوات مثل حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس، وحرب الأوس والخزرج. واتخذ العرب السنة القمرية وكانوا يمارسون النسيء والكبس والازدلاف. ولم تكن أسماء الشهور العربية متّفق عليها عند جمهور العلم وسوف نتطرق إلى أغلب ما ذكره المؤرخون والمفسرون العرب عن أسماء الشهور القديمة ومعانيها.

الشهور العربية قديمًا

كانت الشهور العربية القديمة كالآتي: المؤتمر: وهو أن يؤتمر فيه للتشاور أو للحرب، أو أن يأتمر بكل شيء مما تأتي به السنة، ناجر: أى شدة الحر، خَوَّان أو خُوَّان: خائن من الخيانة أو الخَون وهو النَّقص فكانت الحرب تكثر فيه فيتخوَّنهم أي يتنقَّصهم، وُبْصَان أو وَبْصَان: وعاء يصان فيه الشيء أو الوبيص أي البريق، الحَنين أو حنتم: من حنين الناس إلى أوطانهم، رُنَّى أو يقال «رُبَّى» بالباء وقيل زباء: أي الداهية العظيمة المتكاثفة سمي بذلك لكثرة القتال فيه وتكاثفه، وقيل: رُبَّى مأخوذٌ من الشَّاة حديثة النِّتاج، الأَصَمُّ: لأنهم كانوا يكفون فيه عن القتال فلا يسمع فيه صوت سلاح أصم حركة قتال أو قعقعة سلاح من الأشهر الحرم، عاذِل أو عادل: اعتذل الحرّ أي اشتد أو كأنَّه كان يعذلهم على الإقامة وقد حلَّت الحرب والغارات، ناتق: من النتق أي كثيرة الأولاد ونتقت المرأة: إذا كثرت الولد، واغل أو وَعِل: الداخل على شراب ولم يدعوه أو لأنَّ الغارة كانت تكثر فيه يلتجئ كل قوم إلى ما يُتَحَصَّنُ به، وَرْنَة وقيل أيضًا هُوَاع: التَّوَرٌّن من كثرة التَّدهُّن والنَّعيم، أمَّا هُوَاع فقد قيل له ذلك لأنَّه كان يهوع الناس، أي: يُخْرِجَهم من أماكنهم إلى الحج، وأخيرًا بُرَك: من بروك الإبل إذا أحضرت المناحر وقد يكون مشتقًّا من البَرَكة هو شهر الحج. وكان من بلاغة العرب وحسن نظمهم لشعر أن نظم الصاحب إسماعيل بن عباد لهذه الشهور في ثلاثة أبيات مجتمعة نذكرها:

 

أَرَدْتَ شُهُورَ العُرْبِ في الجَاهِلِيَّةِ  …  فَخُذْهَا عَلَى سَرْدِ المـُحَرَّم تشتَرِكْ
فمؤتمرٌ يأتي ومِن بَعْدُ نــــاجـرٌ     …  وخَوَّانُ مع صُوَان يُجْمَعُ في شَرَكْ
حَنينٌ وزَبَّا والأصَــــمُّ وعــــادل      …  ونافِق مَعْ وَغْلٍ وَرَنَّةُ مَعْ بُرَكْ

يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد