«مصادفة أم اختيار؟ هل الكون الذي نعيشه وندركه حدث عرضي؟ أم أنّنا اخترناه من بين مجموعة هائلة من الأكوان المحتملة؟».

هذا ما كنتُ بصدد الإبحار بتقصِّيه في كتاب «عوالم أخرى» وأنا جالس في مقعد الانتظار في دائرة الأحوال المدنية، قبل أن يُنادي الموظف باسمي للنظر في طلبي لتجديد هوية الأحوال المدنية المنتهية الصلاحية، وحينما وصلتُ إلى مكتبه وبيدي الكتاب سألني:

– «عندك امتحان؟»

– لا

– « طيب ليش بتقرأ؟»

– ليش ما أقرأ؟

– «صراحةً أوّل مرة بشوف حدا بيقرأ كتاب ليتثفف».

أخذ الكتاب مني وتصفحه، أصابته الريبة بعد قراءة عنوان الكتاب لاعتقاده أن الكتاب يتحدث عن عوالم الجن، فاستغرقتُ الوقت المتبقي لإعداد المعاملة وأنا أقنعه بأن الكتاب يتحدث عن الفيزياء الكونية، ولكنه لم يقتنع.

طلب مني الانتظار نصف ساعة لحين اكتمال كافة الإجراءات واستلام الهوية الجديدة، في هذا الوقت طرقت جملته الأخيرة انتباهي، ألهذه الدرجة أصبح القراء قليلين؟! أم أنَّهم منعزلون في قراءتهم عن المجتمع في مكتباتهم وغرفهم العتيقة، أو على المقاعد الريفية صباحًا يتناولون بسكويت القمح، ويحتسون القهوة لا يشربونها!

«يرتبط مفهوم الزمن في خبرتنا بإدراكنا لمفهوم الحقيقة ارتباطًا وثيقًا، وكل محاولة منا لفهم واستيعاب العالم الحقيقي لا بدَّ أن تصطدم مع مفارقات مفهوم الزمن؛ فاللغزُ المحيِّر هنا هو أن الزمن مهما كانت صورته في أذهاننا لا يجري ولا يمرّ، وأنّه ليس هناك ماضٍ، أو حاضر، أو مستقبل».

– أخرجني مكبر الصوت من أزمة التفكير بما قرأته، وهو ينادي باسمي للذهاب إلى مكتب رقم 21، سلّمني الموظف ذاته هويَّتي مع الكثير من الابتسامات التي لا نعهدها في المكاتب الحكومية، والآمال أنّني بيوم ما سأستلم منصبًا رفيعًا يليق بقارئ مثلي، بادلته المحبة وأخبرته أنّي لا أقرأ لأجل منصب، بل أقرأ لأن القراءة هي القراءة!

أين ذهبنا بأنفسنا أيها القراء، لماذا انتبذنا مكانًا شرقيًّا، واعتلينا برجًا عاجيًّا، فاحتكرنا الحديث عن الكتب سوى للقراء كما احتكر أفلاطون الفلسفة للفلاسفة فقط، لماذا هذا الغياب بين العزلة والصمت؟

الناس توّاقون للمعرفة ولكل جديد وغريب عنهم، لكن إذا تحدّثتَ لسائق الباص أثناء جلوسك جانبه عن الفرق بين التحليل النفسي عندَ فرويد وعند يونغي بمفاهيمه العلمية البحتة، بالتأكيد لن يفهمك، وسيدَّعي أنَّ القراءة لا تجلب النفع، وقد يسألك كلَّ دقيقة عن محطتك آملًا التخلص منك بأسرع وقت!

مشكلة القراء أن معظم الناس لا تفهمنا ولا تقدّر إسرافنا المبذر -برأيهم- لشراء الكتب، وأنوفهم لا تستشعر نشوة رائحة الكتب العتيقة كأنوفنا، ومشكلة الناس أنَّنا معقدون منعزلون متفلسفون، ولا يحبّذون الجلوس معنا خشية ممارستنا الطبقية عليهم.

ومشكلتنا جميعًا أننا لن ننهض بمجتمعاتنا ما لم يزد عدد الورقات التي يقرأها المواطن العربي من ست إلى سبع وثمان إلى كتاب، لذلك علينا أن نُعدي الآخرين بـبوبلومانيا مفرطة كما عدينا بعضنا بالجهل.

اخرجوا أيها القراء من كهوفكم وانتشروا داعين لرسالة القراءة بالتي هي أحسن، كفانا اعتزالًا وصمتًا قد لا يستجيب الكثيرون، لكن حتمًا ستترك دافعًا يتجسد يومًا ما.

احمل دائمًا كتابين معك، وكن على استعداد للتخلي عن أحدهما في أية لحظة، وإن هديتَ أحدهم لقراءة كتاب لا تتركه حتى يُكمله، تواصل معه كأن لك عنده دينًا، لا تسأل عن الكتب التي أعرتها؛ فإعارة الكتب بمعنى التمليك ما أُعير لن يرجع، واجعل كل مكان هو مكانك المفضل للقراءة، لربما أعجب الأمر أحدهم وجرب وأول كل شيء الإعجاب، وأيضًا اقرؤوا للأطفال، اقرؤوا للأطفال، اقرؤوا للأطفال.

لفتني صوت من خلفي وأنا خارج من مبنى دائرة الأحوال المدنية:

– لو سمحت!

– تفضّل!

– اعذرني لتطفلي، لكن كيف جددتَ هويتك في نصف ساعة، قالوا لي ارجع بعد يومين واستلمها.

– واسطة!

– ما واسطتك، هل تستطيع مساعدتي على إخراجها اليوم لظرف طارئ؟

– نعم، بكل سرور.

أهديته الكتاب الذي معي أمام نظراته التعجبية، وذهبت!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

book, readers, أفكار

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد