قراءة تأريخية لسياق النهضة التي بدأت في إيطاليا.
أصل البحث باللغة الإنجليزية من ترجمة الكاتب نفسه.

ملاحظة مهمة. يعتمد كتّاب العرب في تعريف فترة الرينيسانس الأوروبي، على ترجمات غير دقيقة وغير أمينة، في وصف هذه الفترة بالنهضة. مصطلح الرينيسانس الذي استعمله أول مرة جيورجيو فاساري باللغة الإيطالية، وهو (رينيشيتا)، لا يعني النهضة على الإطلاق. ومن ثم فإن ترجمة الهيومانيزم بالإنساني، والقول إن الإنساني جاء للتعبير عن الدنيوي مقابل الديني، ليس قولًا خاطئًا فحسب، بل وخيانة مقصودة لمبادئ العلم، يراد من خلف ذلك تمرير مفاهيم معينة لا أساس لها ضد دين معظم الناس في بلاد المشرق وتحديدًا الإسلام. الهيومانيستيون كانوا متدينين، ويدينون بالولاء للمسيحية. والإصلاح البروتستانتي ليس سوى حركة أصولية سلفية، كان هدفها العودة إلى الأصول. لذلك فإنني أستعمل مصطلح الهيومانيزم كما في اللغة الإنجليزية، ومصطلح الرينيسانس الذي يعني (الولادة من جديد) كما هو أيضًا في الإنجليزية، لأن المعنى العربي يوحي بالمبهم وبما يُظن في غير محله. أضفت على النص العربي إضافات تلائم السياق المراد إيصاله للقارئ العربي. يونيو (حزيران) 2012.

تمهيد

تشكل فترة عصر الرينيسانس أهم مرحلة في التاريخ الأوروبي. وتعتبر هذه الفترة من الزمن، نقطة انطلاق تغيير كبير في الخارطة السياسية والثقافية لأوروبا. بدأ عصر الرينيسانس في إيطاليا وخاصة في فلورنسا في القرن الرابع عشر. ليس هناك شك في أن القرن الخامس عشر هو بداية تتويج عصر الرينيسانس بتشابكاته وتقاطعاته عبر ظروفه وعوامله. وتزامن صعود عصر الرينيسانس مع ظهور جانبين مهمين. الجانب الأول، هو السلطة الجديدة التي ظهرت في جمهوريات المدن في شمال ووسط إيطاليا، والتي كانت تحكمها أسر متنافسة من التجار المصرفيين والتجار البحّارة. والجانب الثاني هو الثقافة الجديدة التي سميت بالهيومانيزم التي تشكلت تدريجيًا عبر مراحل. ثقافة الهيومانيزم متداخلة مع تطور مجتمع الرينيسانس، عبر علائق بالنظام السياسي الذي مر بمخاض عسير. وتزامنت هذه الجوانب مع مشاركة وتورط المؤسسة الدينية المسيحية الكاثوليكية، وشؤونها الدينية والمدنية السلطوية، مع قضايا البابوية وهيمنتها على السياسة.

الرينيسانس باختصار، تعني ولادة جديدة أو الولادة من جديد. ويعني هذا أساسًا، إحياء الآثار الكلاسيكية للإمبراطورية الرومانية وإعادتها إلى المسيحيين الأوروبيين، باعتبارهم ورثة هذا التراث. تأثر الهيومانيزم الديني بطريقة إحياء تراث العصور الكلاسيكية القديمة، وبدأ بمراجعة العلاقة مع المؤسسة الدينية ولا سيما نصوصها، العهدين القديم والجديد. وقد تجلى هذا في الحركة الهيومانيزمية في جميع أنحاء المدن الإيطالية في القرن السادس عشر، راسخًا بعمق في المجتمع الإيطالي. وعلاوة على ذلك، ظهر الفن بتأثير العوامل السياسية والدينية المتشابكة. يمكن أن تعزى فكرة الرينيسانس إلى فرانتشيسكو بيترارك (1304 – 1374)، الشاعر الإيطالي الذي يمثل نقطة تحول هامة من خلال زيارته لروما في 1337م .

شعر بيترارك بحزن بالغ، بسبب انهيار الحضارة الرومانية. وكانت بقايا هذه الحضارة لا تزال هناك؛ حيث كان الناس يرونها بأعينهم. وهكذا، كانت إمكانية إعادة ربط الناس بها ممكنة في ذهن بيترارك وآخرين.

كان حلم إعادة هذا التراث، أو عودة الحكم الروماني موجودًا لدى الناس الأوروبيين، منذ اختفاء الإمبراطورية الرومانية، لأن الشعوب الأوروبية حلمت بعودة الإمبراطورية الرومانية لإعادة توحيد أوروبا. لذلك، تبلورت هذه الفكرة من قبل الناس الأوروبيين، وترسخت في معتقداتهم. كان من المهم للشعب الأوروبي أن تعود الحضارة الرومانية من جديد. وقد خلقَ هذا الحلم والمصالح الخاصة أيضًا (كالتقرب من أصحاب السلطة والمال)، جوًّا، أغرى العديد من المثقفين مثل بيترارك وفلافيو بيوندو (1388 – 1463)، للحديث عن إمكانية إحياء هذا التراث من خلال ربط الناس بالماضي: بالحضارة الرومانية. وكانت هذه نقطة تحول رئيسية في هذا الحلم، لمناقشته ودراسة إمكانيات جعله حقيقة في الواقع.
إذن الحلم تحول إلى مفردة يتداولها نفر من الناس في إيطاليا سرعان ما تحول الحلم من مفردة إلى أدوات تستمد جذورها من التراث. ومن المفيد هنا أن نعلم، أن الكلاسيكيات الرومانية تشكل أحد بعدي الهوية الغربية التي تتكون في وجودها القانوني على أسس الكلاسيكيات الرومانية. البعد الآخر هو بعد ثقافي تبلور وتكوّن من التراث المسيحي اليهودي. أي أن للغرب جناحين، جناحًا قانونيًا رومانيًا، وجناحًا ثقافيًا مسيحيًا يهوديًا مع التزاوج الحاصل بين الجناحين عبر قرون.

مصطلح الرينيسانس وبداية ظهوره مع خلفيات تأريخية

أول من استعمل مصطلح الرينيسانس هو جورجيو فاساري (1511-1574)، باللغة الإيطالية. كان فاساري

واحدًا من الهيومانيستيين البارزين في إيطاليا، حيث استعمل كلمة (رينيشيتا أو ريناشيتا: أي الولادة أو البعث من جديد) كتعريف لجهود ونتاج ما سبقه من المثقفين المهتمين بدراسة الكلاسيكيات. ومع ذلك، فإن ولادة جديدة لم تكن متاحة بشكل متكافئ وبمنهجية واضحة وموحدة، بين جميع المدن وكذلك بين المفكرين والمثقفين. ولكن الأهم أنه تم العثور على قضية رئيسية في عصر الرينيسانس، وهي تطوير شروط الحرية والحداثة والعقلانية، عبر مراحل زمنية طويلة أخذت جهودًا كبيرة، لم تكن منضوية تحت تخطيط واتفاق مسبقين نحو هدف أو أهداف معينة.

كما أن هذه المفاهيم (كالحرية والحداثة والعقلانية) لم تكن مشاعة، كما نحن نظن اليوم بالنسبة لتلك المراحل. لكنها نمت في أوقات متأخرة في عصر النهضة بأشكالها البدائية، ومن ثم تطورت في القرون اللاحقة في عصر التنوير وما بعد. وعلاوة على ذلك، أصبح في عصر الرينيسانس جوانب أكثر ابتداعًا، بدلًا من العلاقة المجردة مع الماضي الروماني. لكن هذا الأمر حدث بعفوية عبر العمل والخبرة التي تطورت بمرور الأيام، كمنطق طبيعي لجوهر الأشياء في حركتها. ويمكن ملاحظة هذا التطور في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. واستغرق الأمر وقتًا طويلًا، أي أنه لم يأت بيوم وليلة، بل وإن تلك الشروط تجسدت في مراحل ما بعد الرينيسانس، في عصري التنوير والحداثة.

حدث الرينيسانس في إيطاليا لأسباب. وترتبط هذه الأسباب، بطريقة أو كيفية تطور القوة السياسية في إيطاليا في العصور الوسطى.

كما ذكرنا سابقًا، ترتبط فكرة الرينيسانس بمفهوم إعادة توحيد أوروبا تحت حكم واحد وقانون واحد (مثل إمبراطورية روما). وضعت هذه الفكرة على أرض الواقع من قبل شارلمان الإمبراطور الروماني المقدس (حكم بين 768-814)، الذي كان الإمبراطور الأول منذ انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية. على الرغم من أن إمبراطورية شارلمان

لم تدم فترة طويلة، ولكن إيطاليا أصبحت منذ ذلك الوقت خاضعة للـ«إمبراطورية» الكارولنجية التي بدأت بتتويج شارلمان (كان نابليون بونابارت، يشبه نفسه بشارلمان، في ما يخص فكرة توحيد أوروبا التي كانت مركز اهتمام أدولف هتلر أيضًا) .وفكرة الوحدة الأوروبية اليوم قائمة على قدم وساق، رغم التحديات الكثيرة، لكن الحلم الطويل للأوروبيين لم يتحول يومًا إلى سخرية في أحاديثهم بشأن ذلك (كسخرية أوساط مثقفة من الحديث عن توحيد بلاد المشرق أو الإسلام)، بل وانعكس في الأعمال الأدبية والفنية مثل فيلم (Lord of the Ring)، الذي يتحدث عن عودة الملك الذي يوحد أوروبا (مضمون الفيلم). والأهم من ذلك أن فكرة أوروبا موحدة، ظلت نقطة رئيسية في جميع مراحل التاريخ الأوروبي، على الرغم من اختلاف طبيعة الحكم والسياسات والأنظمة، منذ شارلمان وإلى يومنا الحاضر، مرورًا بالقرون الوسطى وعصر الرينيسانس ونابليون بونابارت  والثورة الفرنسية، وإلى العصر الحديث وظهور النازية والفاشية، وإلى الوقت الحاضر حيث تسود الديمقراطية بلاد أوروبا.

البداية في إيطاليا وحرب وصراع أدّى إلى تكوين نواة النهضة

بدأ القتال من أجل استقلال المدن في وقت لاحق، وللحصول على شرعية الحكم كنقطة تحول مهمة وخطيرة في آن. بدأت الحرب مع الإمبراطورية الكارولنجية، تلك السلالة التي تعتبر مؤسِسة لمملكة فرنسا وألمانيا.

في إيطاليا، كانت سلطة الحكومة المدنية في أيدي الأساقفة الكنسيين، تحت إمرة الإمبراطور أو الملك الألماني. نسبيًا كانت إيطاليا أكثر تمدنًا وعمرانًا من باقي أوروبا، وكان هناك تحرك كبير من الريف نحو المدن، من قبل اللوردات الإقطاعية، من الخلفية الزراعية. في غمرة اكتظاظ المدن بالوافدين بدأت الصراعات بين الأساقفة واللوردات على السلطة من أجل: من الذي يحكم المدينة. هذا السياق أدى إلى التطور الكبير في السياسة والحكومات، والحكومات البلدية (أعضاء طبقة النبلاء اتحدت بسبب وجود مصالح مشتركة، ولم تكن رتبة النبل التي اكتسبوها مستمدة عن طريق الوراثة والدم، وإنما عن طريق التجارة). بدأت الشرعية في الظهور في شمال ووسط إيطاليا، بمعزل عن سلطة الملك الألماني (استمرار الإمبراطورية الرومانية المقدسة).

اتحاد لومباردي ومعركة لينانو كمفصل تأريخي

لذلك، حدثت الحرب بين المملكة الألمانية وحكومات البلدية الإيطالية (اتحاد لومباردي) في معركة لينانو (Legnano) في 1176.  أسفرت هذه المعركة في اعتراف الإمبراطورية الرومانية المقدسة بالحكومات الكوميونية (أي حكومات جماعات معينة، لها اهتمامات ومصالح مشتركة: تجار، تجار بحريين والإقطاع). وهناك تطور آخر حدث بعد فترة، بين Popolo (الناس)، وطبقة النبلاء، على أساس السلطة والكيفية التي ينبغي أن تخضع لها السياسة، وكذلك في ما يخص سن القوانين أيضًا. حكومة بوبولو في نهاية المطاف (التجار البحريين والمصرفيين والتجار الذين لم تكن لديهم شرعية عن طريق الدم والنسب، كما الحال في أوروبا كلها)، سادت المدن الإيطالية بشكل غير قانوني (لأن السلطات لم تكن بيد من لهم الحق في الحكم، عن طريق الوراثة الشرعية أي النبلاء).

حركة الهيومانيزم (المسمى بالإنساني) وهي تعني أومانيستا

كان الهيومانيزم الثقافة السائدة في عصر الرينيسانس. كان التعبير الأول له. من خلال الهيومانيزم (المترجم إلى الإنسانية في اللغة العربية بشكل خاطئ ومقصود من الترجمة الإنجليزية المصوغة لأومانيستا باللفظ الإنجليزي هيومانيزم)، سعت الحكومات البلدية إلى تحريك الثقة السميكة (Thick Trust) (العلاقة الشخصية بين نفس الأعضاء من المجموعة الواحدة، وتسمى بالثقة السميكة أو المتينة لأنها تربط الأعضاء ارتباطًا عضويًا كارتباط عائلي أو قبلي أو ما إلى ذلك)، إلى الثقة الرقيقة (Thin Trust) (الناس يثقون ببعضهم البعض/ لأنه يحكمهم نفس الحكومة والقانون دون المعرفة الشخصية، وهذا ما سمي بالثقة الرقيقة أو المرنة). هذا السعي كان كفاحًا نفيسًا من أجل شرعنة السلطة.

أعطى هذا التركيب الاجتماعي الولادة للهيومانيزم، في درب تحقيق ذاك الحلم التليد، وإحياء تراث العصور القديمة الكلاسيكية لا سيما الرومانية. الهيومانيزم، مصطلح أطلق من قبل المؤرخين المتأخرين على الأشخاص الذين سمّوا بـالـ(Umanista). الأومانيستا، تعني المعلم أو الدارس الذي يدرس الكلاسيكيات الإغريقية واللاتينية. وتم في ما بعد تحوير الأومانيستا إلى هيومانيست الإنجليزية، ليقوم مترجمون عرب بتعريب الهيومانيست جهلًا أو زورًا بـ«الإنسانية». أو ربما جاءت كترجمة حرفية للمعنى الإنجليزي، الذي لا يمت بصلة إلى جوهر الأومانيستا بشيء. كانت دراسة أو طرق تدريس الهيومانيزم تقتصر على خمس مواد وهي: النحو والبلاغة والشعر والتاريخ والأخلاق (أو الآداب العامة).

هذه الجوانب أنشأت اتصالًا بين الهيومانيستيين والثقافة الرومانية الكلاسيكية وبالذات شيشرون (Cicero)، خاصة قانونه والتخصصات السياسية التي مارسها في العهد الروماني. في الوقت الذي كانت فيه حكومات المدن تسير، كانت الجامعات الإيطالية مختلفة في دراسة وممارسة المنهج الدراسي. على سبيل المثال، في جامعة بولونيا، كانت التقنيات البلاغية تُدرّس لتعليم أسلوب الجدل والحجج.

النقطة الرئيسية هنا هي أن الهيومانيستيين استخدموا هذه التقنية لتقليد شيشرون (شخص روماني، كان قانونيًا وسياسيًا بارعًا، كتب في أسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية). هناك اثنان من مثقفي إيطاليا المشهورين، من القرن الثالث عشر، استخدما هذه التقنيات. المثقفان هما لوفاتو لوفاتي (1241 – 1309)، وألبيرتو موساتي (1261-1329). إذن ظهرت ثقافة جديدة للتأثير في القرون القادمة من الهيومانيزمية.

تراث الحركة الهيومانيزمية وتأثيرها

في عصر الرينيسانس وفي وقت مبكر كان لهذه الثقافة تأثير كبير على الهيومانيستيين. وقد تأثر بيترارك بهذا التراث وكان مصدر إلهام للحركة الفكرية في إيطاليا عبر الخطابة وفقه اللغة. وهذه الحركة نمت بسرعة في المدن/ الجمهوريات الإيطالية (ليس بمعنى الجمهوريات المعاصرة اليوم).

من أهم نتائج حركة الهيومانيزم على مستوى الثقافة هو رفض الهزيمة في النقاش، وكذلك رفض الاعتراف بنقطة النهاية للجدل والنقاش، ما خلق دوافع جديدة للاكتشافات في الأفكار والحجج. أصبح هذا الأسلوب من التعليم ثقافة، ليس كدراسة في الجامعات فحسب، ولكن أيضًا بالنسبة لأطفال النبلاء (من فئة النخبة التي كانت تسيطر على الحكومات البلدية)، لتكوين حلقة الوصل في ما يخص إحياء ثقافة العصور القديمة الكلاسيكية. ومن هنا، كان لهذه الحركة تأثير كبير في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر، في ما يتعلق بقوة الحكومات.

وكانت لها مزية استكشاف أفكار جديدة وأساليب ومفاهيم أكثر تطورًا، مثل فلسفة ديكارت التي تطورت في المراحل المتأخرة من الهيومانيزم.

تأثير ثقافة الهيومانيزم، يشكل الوجه الأبرز في عصر الرينيسانس. أنتجت هذه الثقافة العديد من فروع الهيومانيزم مثل الهيومانيزم المدني والهيومانيزم المسيحي، وغيرهما كثير. في نهاية القرن الثالث عشر، كانت الحكومات البلدية في أيدي بوبولو، وهو ما يعني اختفاء السلالات والنبلاء التقليديين في حكم المدن الإيطالية. ويعني هذا أنها أصبحت جمهوريات (الجمهورية ليست بمفهومها المعاصر، ويجب أن ننتبه لهذه النقطة جيدًا). مع العلم أن طبقة التجار من العوائل القوية، أصبحت بمرور الزمن من العوائل النبيلة (أي بمثابة الأرستقراطيات الوراثية)، وعلى سبيل المثال عوائل: ستروزي، ميديتشي باتسي وأخرى غيرها كثير. وكانت أكثر الأزمات الحرجة التي ضربت هذه المدن الجمهورية هي الحرب الأهلية، كانعكاس للصراع الطبقي (ليس بالمفهوم الماركسي) على السلطة، بين الأسر الأقوى من التجار والتجار البحريين والبنكيين (أصحاب البنوك). في هذا التقاطع التأريخي، ظهر الهيومانيستيون ضمن سياق المصالح الخاصة بهم من جانب، ولإعطاء المشورة للحكومة، حول الكيفية التي ينبغي أن تعمل بها من جانب آخر. كان لديهم تراكم في دراسة طرق الدنو من هذا النوع من الممارسات، حيث وجدوا أنفسهم مهيئين، لذلك عرضوا إمكانياتهم على أهل السلطة والمال. وفي الوقت نفسه، كان الصراع قد اتخذ مكانه بين حكومات البوبولو والأنظمة النبلائية، والتي انتهت بانتصار البوبولو مع نهاية القرن الثالث عشر. وفي هذا السياق، بدأت فكرة الحرية والاستبداد، لتكون نقطة النقاش بين الهيومانيستيين. وكان هذا الاتصال الرئيسي مع العصور القديمة الكلاسيكية الماضية، بسبب تأثر الحركة الهيومانيستية من قبل، على سبيل المثال، بشيشرون الذي كتب عن سقوط الإمبراطورية الرومانية. لكن الهيومانيزمية ولّدت، وتطورت ثقافتها داخل أحشائها أيضًا. وهكذا، فإن نصوص آلامانو روتشيني مثل «الحرية»، تعكس المفاهيم الكلاسيكية للتعامل مع الوضع الحالي (لمواجهة الحكم الطاغي لعائلة ميديتشي في فلورنسا على سبيل المثال)، سواء كان للانتقاد أو لإصلاحه.

تغيّر الثروة من مفهوم مسيحي إلى مفهوم هيومانيزمي، وتطور الفن

أحد الجوانب الرئيسية لعصر الرينيسانس هو الثروة. كانت للثروة مركزية جد مهمة، في الحركة الاجتماعية والسياسية. وكان لها تأثير على المؤسسة الدينية أيضًا. وكانت وجهات نظر المسيحية في العصور الوسطى حول الثروة ليست إيجابية، لأنه دينيًا، حسب تعاليم الكنيسة، ينبغي للإنسان أن يعيش الفقر كما عاش المسيح وأصحابه. كانت الكنيسة تحتفل بالفقر (كفكرة مطروحة للناس). لكن هذا المفهوم تغير بسرعة نحو اعتبار الثروة فضيلة (Virtue)، أي أن الغنى أمرٌ محمود وحسن. مدح فرانتشيسكو بربارو، وهو من الهيومانيستيين البارزين، الثروة، حيث نظر إليها على أنها فضيلة. ناقش ليوناردو بروني ضد الفقر، وهو يعتقد أن الثروة هي الفضيلة. كانت للثروة علاقة بالوضع السياسي والاجتماعي للأفراد والناس والسلطة. واستندت مساهمة الفرد في الحكومة على مقدار الثروة التي يملكها (هذا الأمر يعتبر طبيعة من طبائع المجتمعات الغربية منذ الإغريق والرومان، وهذا بحث شيق في معرفة الديمقراطية بوصفها نظامًا طبقيًا وفاسدًا). من ناحية أخرى، كان مصدر الثروة بشكل رئيسي يتشكل من: التجارة، والتجارة البحرية، والمصانع التي كانت تسيطر عليها تقريبًا الأسر الغنية، والتي كانت تتقاتل في نفس الوقت على السلطة. الثروة والسلطة أدتا إلى خلق الفن، أولًا، لتجسيد المفاهيم الدينية والشخصيات في قالب فني، على سبيل المثال أعمال لورينزو جبرتي في «ذبيحة إسحاق» . وثانيًا، للمنافسة بين أعضاء البلدية في فلورنسا، لتزيين أبواب مكاتبهم، للرياء والأبهة والفخر. هذان العاملان كانا الدافع الأهم والأكبر لتشجيع صناعة الفن. تم تطوير الفن، بالتشابك مع الدين والسياسة والتجارة. كما أن العوائل الحاكمة الطاغية، وظفت الفن لصالح سلطتها. ساهم فيليبو برونليسكي ومايكل أنجيلو في تطوير الفن، في عصر الرينيسانس في إيطاليا، في القرن السادس عشر. كما جسّد فنانو عصر الرينيسانس في الأعمال الكلاسيكية، المفاهيم الدينية والاجتماعية، مثل «هيكل داود» ومفهوم «الفضيلة» المشاع في تلك الفترة، في أعمالهم. وشرع ليوناردو دافينشي نحو التغيير أو التحول نحو الواقعية وبالتالي فإن الفن ترسخ في صميم المجتمع الرينيسانسي الإيطالي. ولذلك، فإن تغيير الحكومات البلدية، من الحكومات الكوميونية (الطبقية)، إلى بوبولو (الناس) في ظل حكم العوائل الثرية، وموقف المجتمع نحو مفهوم الثروة وتطوير الفن أيضًا، كان له أثر كبير على جوانب الرينيسانس وتوسعها. وعلينا أن لا ننسى علاقة الفن بتجسيد فكرة مهمة وهي «الفكرة الذكورية» (Masculinity) التي تجسدت في رؤية كل جمهورية نفسها على أساس ذكوري، كمصدر للقوة والفحولة. والأهم من ذلك فإن طبقة الهيومانيستيين والفنانين كانت في خدمة العوائل الحاكمة، نظرًا لأنها كانت تقبض أثمانًا باهظة في خدمة تلك العوائل، ومن أهم هذه العوائل تأتي عائلة ميديتشي.

على أي حال تطور الفن عبر هذا المخاض، وخلق أبعادًا جديدة، أضيفت إلى مسار تطور الرينيسانس.

الصراع بين العوائل الحاكمة وموقف الكنيسة

كان الصراع بين العائلات المتنافسة على السلطة، يعد أبرز معلم من معالم الاجتماع والسياسة في عصر الرينيسانس. في فلورنسا أدى الصراع على السلطة إلى عدم الاستقرار، ومؤامرات كثيرة ضد الحكام، وضد العوائل التي حكمت فلورنسا مثل عائلة ميديتشي. حدثت مؤامرات اغتيال كثيرة، مثل مؤامرة باتسي (Pazzi Conspiracy)، في عام 1478، ضد رؤوس عائلة الميديتشي الاستبدادية (الأخوين جوليانو دي ميديتشي ولورينزو دي ميديتشي)، من قبل متآمرين من عائلة باتسي التي انتهت بمقتل جوليانو وجرح لورينزو، مقابل إعدام المتآمرين لاحقًا. وكان هذا الصراع ليس بمعزلٍ عن تدخل الكنيسة. كانت المؤسسة الدينية، لا سيما البابوية، جزءًا أساسيًا ودائمًا من الصراع على السلطة، لأنها لعبت كل الأدوار الإلهية والمدنية بشكل خطير ومتزايد. أثر الصراع في الكنيسة نفسها، وتوسّع ليشمل تقسيم أعضاء المؤسسة الدينية الموحدة كما هو الحال مثلًا في قضية جيرولامو سافونارولا (1452-1498)، الذي أصبح حاكم فلورنسا ولكن في وقت لاحق تم طرده من قبل البابا ألكسندر السادس وحكم عليه بالإعدام في عام 1498، وتم حرق جثته داخل الساحة الرئيسية في فلورنسا، في عملية استعادة حكم عائلة ميديتشي بمساعدة البابا. وهكذا، كان الدين عاملًا وجزءًا من الصراع السياسي من أجل السلطة، فضلًا عن الصراع بين العوائل القوية، لإيجاد النفوذ في السلطة البابوية.

ظهور الإصلاحات الدينية

هذه الحال، وكذلك تطور حركة الهيومانيزم، خلقا الأجواء للإصلاح الديني، الذي سمي في ما بعد بالإصلاح البروتستانتي بقيادة ديزيداريوس أرازموس، مارتن لوثر، هولدريخ زفينجلي وجون كالفن… إلخ. لوثر لم يكن هيومانيستيًا، لكنه وكالفن، تأثرا بالهيومانيزم وتتلمذا بثقافته التي تكونت من التقنيات الخمس التي ذكرناها سابقًا. آرازموس  عارض لوثر  لأن لوثر كان يشق الكنيسة بحسب أرازموس، بينما كانت مفاهيم الإصلاح عند آرازموس تقتصر على تغيير الأفراد، وليس الإصلاح الهرمي من الأعلى. طبعًا لم يكن لوثر يوافق على هذا النقد، ولم يكن يريد شق الكنيسة، ولكن أرازموس كان يستشف من نشاطات لوثر هذا الأفق، وهو ما حدث لاحقًا بالفعل.

تأثر الإصلاح الديني بالحركة الهيومانيزمية إلى حد كبير. والإصلاحيون الدينيون استخدموا التقنيات الخمس المذكورة في التعامل مع النصوص الدينية (الإنجيل والتوراة)، من أجل إصلاح الكنيسة. وفي الوقت الذي تطور فيه الحكم «الجمهوري» في المدن الإيطالية، وخاصة في فلورنسا، كان للهيومانيستيين تأثير كبير على فصائل المجتمع، بما في ذلك أعضاء من النخبة والكنيسة. ربما كان الإصلاح الديني من دون هذه الحركة مستحيلًا، أو ربما كان يأخذ مسارًا مختلفًا عما صارت إليه عواقبه. ولكن لا جزم بشأن ذلك. بقي الإصلاحيون الدينيون موالين للكنيسة اللاتينية، ولكن كانوا مقتنعين أنه يجب إصلاح الكنيسة وفق النسخة الأولى للمسيحية (أي العودة إلى المسيحية في عصر المسيح وأتباعه، والتخلي عن البدع والمحدثات لا سيما صكوك الغفران). وكان هذا انعكاسًا لتأثير حركة الهيومانيزم (تراكمها الثقافي)، منذ القرن الرابع عشر، وكذلك بنوع ما، استجابة لاتفاق واسع النطاق في شمال أوروبا مع بداية القرن السادس عشر، حول ضرورة إصلاح الكنيسة.

الفلسفة ودورها في الرينيسانس

لقد تمت ترجمة الفلسفة الكلاسيكية القديمة تمامًا إلى اللغة اللاتينية واللغات الأوروبية، وبدأ الاستغناء عن الترجمات العربية التي كانت قد هيأت الأرضية للإصلاح الديني المسيحي (على الأخص في ما يتعلق بفلسفة أرسطو وتأثيرها على رجال دين من أمثال توما الإكويني، على سبيل المثال)، كما عمل الهيومانيستيون المسيحيون على فلسفة أرسطو، مع التقنيات المذكورة لإصلاح المسيحية. كان لديزيداريوس أرازموس تأثير كبير على الإصلاح الديني، وقد أثر في الكثيرين مثل زفينجلي .

كانت الفلسفة والأدب الكلاسيكي متاحين في المدن الأوروبية، بشكل واسع، في القرن السادس عشر. وصل عصر الرينيسانس نقطة المضي قدمًا في تطوير الفلسفة والأفكار السياسية والمفاهيم الاجتماعية. أنتج الرينيسانس في أواخر عهده رينيه ديكارت (1596- 1650)، الذي جاء في ذروة نضوج هذه التجربة، والذي طرح فلسفته مذهب الشك، لفتح الأفق أمام العصر الحديث. قام ديكارت بتغيير طريق الفلسفة من الكلاسيكية القديمة إلى طريقة حديثة. ولذلك، قاد حركة الرينيسانس في نهايتها نحو فترة عصر التنوير (سنناقش تأثير الغزالي في ديكارت واقتباسات هذا الأخير منه، مستقبلًا).

خاتمة

كان عصر الرينيسانس حلمًا لإحياء الكلاسيكيات الرومانية. تشابكَ إحياء التراث الروماني مع الفن، والسلطة، والسياسة التي ولدت حركة الهيومانيزم. كانت هذه الحركة حركة عشوائية وليست منظمة. لقد غيرت جوهر المجتمعات الأوروبية، وخاصة الإيطالية، حيث بدأت هناك. أدى الهيومانيزم إلى الإصلاح الديني، والفلسفة الحديثة، من خلال التقدم في الفلسفة وآفاقها. وشارك الهيومانيستيون في السياسة والسلطة. وجاء هذا التشابك كاستجابة لضرورات عصر الرينيسانس في إيطاليا. حركة الهيومانيزم لم تكن ضد الدين على الإطلاق، والهيومانيستيون لم يكونوا ملحدين، أو على خصومة مع الدين. إن حركة الإصلاح الهيومانيزمي، هي العودة إلى أصول الحضارة الغربية بشقيها الروماني/ اليوناني والمسيحي في فترات لاحقة من الإصلاحات البروتستانتية. أما الإصلاحات البروتستانتية فكانت حركة سلفية تبغي العودة إلى النسخة الأولى من المسيحية (تحدثت عن هذا في مقال آخر بعنوان: الحركة البروتستانتية في القرن السادس عشر.. السياق والأسباب).

ولكن ما دور الحضارة الإسلامية في خلق الرينيسانس الأوروبي؟ كيف تطور كل جانب من جوانب الرينيسانس وما هي تفاصيل ذلك؟ نترك هذه الموضوعات وأخرى غيرها مهمة للمستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Bautista Preston, Manifesting masculinities in central Italian Renaissance art: artistic theory and representations of the male body, UMI, 2008.
Black Robert, Renaissance thought: a reader. London: Routledge, 2001.
Burke Peter, Culture and society in Renaissance Italy, 1420-1540. London: Batsford, 1972.
Burckhardt Jacob, The Civilization of the Renaissance in Italy. London: Swan Sonnenschein, 1891.
Butterfield Herbert, Napoleon. New York: Collier Books, 1962.
Campbell Heather, The ascent of the West from prehistory through the Renaissance. New York: Britannica Educational Pub. in association with Rosen Educational Services, 2011.
Condra Jill, The Greenwood encyclopedia of clothing through world history. Westport: Greenwood, 2007.
Finer Samuel, The history of government from the earliest times. Oxford: Oxford University Press, 1997.
Greenfield Carestia, Humanist and scholastic poetics, 1250-1500. Lewisburg [Pa.: Bucknell University Press, 1981.
Hankins James, Renaissance civic humanism: reappraisals and reflections. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2000.
John Law, The lords of Renaissance Italy: the signori, 1250-1500. London: Historical Association, 1981.
Krejčí Oskar and Martin Styan, Geopolitics of the Central European region: the view from Prague and Bratislava. Bratislava: VEDA, Pub. House of the Slovak Academy of Sciences, 2005.
Lowe K. J. P, Church and politics in Renaissance Italy: the life and career of Cardinal Francesco Soderini (1453-1524). Cambridge, England: Cambridge University Press, 1993.
Machiavelli Niccolò and Wayne Rebhorn, The prince and other writings. New York: Barnes & Noble Classics, 2003.
McGowan Margaret, The vision of Rome in late Renaissance France. New Haven: Yale University Press, 2000.
Najemy John, Italy in the age of the Renaissance: 1300-1550. Oxford: Oxford University Press, 2004.
Nauert Charles, Humanism and the culture of Renaissance Europe. Cambridge: Cambridge University Press, 1995.
Paparella Emanuel, A new Europe in search of its soul: essays on the European Union's cultural identity and the transatlantic dialogue. Bloomington, Ind.: AuthorHouse, 2005.
Parker Geoffrey, Sovereign city: the city-state through history. London: Reaktion, 2004.
Parkinson George, Routledge history of philosophy. Vol. 4: the renaissance and seventeenth-century rationalism. London: Routledge, 1993.
Perry Marvin, Western civilization: ideas, politics and society. 9th ed. Boston: Houghton Mifflin, 2009.
Teschke Benno, The myth of 1648: class, geopolitics, and the making of modern international relations. London: Verso, 2003.
Too Yun Lee and Niall Livingstone, Pedagogy and power: rhetorics of classical learning. Cambridge: Cambridge University Press, 1998.
عرض التعليقات
تحميل المزيد