في التاسع والعشرين من ديسمبر، 2011، نشر موقع إخوان أونلاين، رسالة للمرشد الثامن لجماعة الإخوان المسلمين، الدكتور محمد بديع، بعنوان: «وضوح الهدف والإصرار عليه.. طريق النهضة»، تحدث مضمون الرسالة عن الغاية العظمى لجماعة الإخوان، وكان من بين ما قال بديع: ولقد حدد الإمام البنا لتلك الغاية العظمى أهدافًا مرحلية ووسائل تفصيلية.. تبدأ بإصلاح الفرد ثم بناء الأسرة ثم إقامة المجتمع ثم الحكومة فالخلافة الراشدة فأستاذية العالم.. أستاذية الهداية والرشاد والحق والعدل. انتهى كلامه.

قضية الخلافة، هي قضية تدندن حولها جماعة الإخوان قيادات وأتباعًا. وإنني سوف أتقفى أثر جماعة الإخوان ومن حالفها من فصائل، حتى نتعرف على مدى فهم الجماعة وغيرها لتلك القضية.

بداية، يقول الدكتور عبد العزيز الشناوي في كتابه (الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترَى عليها): أفاقت الحكومات والشعوب الأوروبية التي خضعت للدولة العثمانية لتجد نفسها تخضع ولأول مرة في تاريخها لحاكم مسلم، ومن ثم عملت جاهدة على تصفية هذا الوجود الإسلامي العثماني من أراضيها، وأسهمت معها دولٌ أوروبية لم يمتد إليها الوجود العثماني، ولكن جمعت بينها وحدة الهدف.

في عام 1896، أصدر الصحفي النمساوي تيودور هرتزل، كتابه، (الدولة اليهودية)، ولقد ذكر فيه أن قيام دولة يهودية من شأنه أن يقلل من حدة اللاسامية المعادية لليهود. ثم انطلق هرتزل ليقدم إغراءات مادية لا تقاوم إلى السلطان عبد الحميد، ولكن السلطان قاومها ورفضها، رغم عِظَمها وتكرار عرضها.

في عام 1904 مات هرتزل، وكاد حلم قيام الدولة اليهودية أن يموت معه، لولا أن التقى الاستعمار البريطاني بخططه ومشاريعه للمنطقة مع أحلام الصهيونية في فلسطين.

في تلك الفترة كانت بريطانيا تمثل أقوى وأكبر الإمبراطوريات الاستعمارية في العالم، ولم يكن ينافسها في التطلع إلى الدولة العثمانية، إلا فرنسا التي رأت أن القارة الأفريقية هي مجالها المناسب للتوسع، وكانت ألمانيا رغم حداثة عهدها بالاستعمار قد بدأت هي الأخرى تتطلع إلى أفريقيا، وإلى مواطن نفوذ الإنجليز والفرنسيين.

درست بريطانيا هذه الظروف ورأت أنه من الضروري إيجاد جبهة استعمارية واحدة للتنسيق بين مصالح الاستعمار المتضاربة، وبالفعل تم تشكيل لجنة عقدت أولى جلساتها في عام 1907، وقد ضمَّت ممثلين عن دول أوروبية عدة، منها بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا، وقد أرسل رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت هنري كامبل بانرمان توجيهاته إلى أعضاء تلك اللجنة، جاء فيها: (إن الإمبراطوريات تتكون وتتسع وتقوى، ثم تستقر إلى حد ما، ثم تنحل رويدًا، ثم تزول، والتاريخ مليء بمثل هذه التطورات، وهو لا يتغير بالنسبة لكل نهضة، ولكل أمة.

فهل لديكم أسباب أو وسائل يمكن أن تحول دون الانهيار أو تؤخر مصير الاستعمار الأوروبي، وقد بلغ الآن الذروة وأصبحت أوروبا قارة قديمة استنفدت مواردها، وشاخت معالمها، بينما العالم الآخر لا يزال في شبابه يتطلع إلى مزيد من العلم والرفاهية؟ هذه مهمتكم أيها السادة، وعلى نجاحها يتوقف رخاؤنا وسيطرتنا).

أعدت اللجنة تقريرًا اتسق تمامًا مع ما يتوق إليه اليهود الذين استطاعوا إحكام السيطرة على ممثلي دول أوروبا، فأثروا في مباحثاتهم.

ولقد تضمن التقرير النقاط التالية:

1- أهمية السيطرة على البحر المتوسط شريان المواصلات بين الشرق والغرب.

2- استبعاد أي خطر على الاستعمار في أي من المستعمرات، عدا منطقة البحر المتوسط التي يكمن فيها الخطر على الاستعمار؛ لأنها مهد الحضارات ويسكنها شعب له مقومات الوحدة، وإذا تجمعت هذه المقومات مع نزعة هذا الشعب للتحرر، فسيكون في ذلك الضربة القاضية على الاستعمار.

ولذلك فإن على الدول الاستعمارية ذات المصالح المشتركة أن تُبْقِي وضع هذه المنطقة على ما هي عليه مجزأة متأخرة، وأن تُبقي شعبها على ما هو عليه من تفكك وجهل.

3- لمواجهة هذا الخطر يجب فصل الجزء الأفريقي عن الجزء الأسيوي من هذه المنطقة، وذلك بإقامة حاجز بشري قوي وغريب في منطقة الجسر البري الذي يربط آسيا وأفريقيا على مقربة من قناة السويس لتكون قوة صديقة للاستعمار وعدوة للمنطقة.

وقد تلاقت الغايتان: غاية اليهود في بناء دولتهم على أرض فلسطين. وغاية العالم الغربي الاستعماري في الحفاظ على مستعمراته والهيمنة على مقدراتها وشعوبها.

ومن هنا عقد المتآمرون العزم على ضرورة توجيه الضربة القاتلة للمسلمين، وذلك بالقضاء على دولة الخلافة.

ولكي يتحقق هذا الهدف لا بد من طريقة بعيدة عن الحرب الصريحة مباشرة. تمثلت تلك الطريقة في محورين: أما الأول فكان يخص الجانب التركي، وقد قامت جمعية الاتحاد والترقي بالقيام بمهمة الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني، وقد كان في مارس (آذار) 1909. وأما الثاني فكان يخص الجانب العربي، وقد وقع الاختيار على الشريف حسين حاكم مكة، وقد قام هنري ماكماهون نائب ملك بريطانيا بالتواصل معه في الفترة من يوليو (تموز) 1915 حتى مارس 1916، واتفقا على أن يشن الشريف حسين الحرب على الدولة العثمانية في مقابل أن يصبح خليفة عربيًا على دولة عربية مستقلة عن الأتراك.

في يونيو (حزيران) 1916 اندلعت الثورة العربية الكبرى، على أرض الجزيرة، بقيادة الشريف حسين وولده فيصل، ومعهما بقية الثوار العرب، وكان ذلك بتخطيط ودعم عسكري ومادي بريطاني.

وقد أثمرت جهود الأطراف الثلاثة «البريطاني والعربي والتركي» حيث سقطت الخلافة العثمانية عام 1924.

ومن ثم علينا أن نتذكر أن الذين حاربوا دولة الخلافة حتى إسقاطها، هم، الثوار العرب على أرض الجزيرة، والاستعمار البريطاني، والاتحاديون الأتراك.

يقول الشيخ حسن الباقوري، في كتابه، بقايا ذكريات، أنه في عام 1926، عقد الأزهر الشريف مؤتمرًا إسلاميًا، يدعو فيه لإحياء الخلافة.

في عام 1928، تأسست جماعة الإخوان المسلمين، على يد حسن البنا. وكان إحياء الخلافة، من أهم أهداف الجماعة. والسؤال، ما هي الطرق التي سار فيها الإخوان المسلمون لتحقيق ذلك الهدف؟

أجيب عن هذا السؤال في كتابات قادمة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مقالات ذات صلة

بدر كانت أمة ج(2)
منذ 7 ساعات
تاريخ وفلسفة