كيف أدى الجهل بالتاريخ الإنساني لحياة شعوب الخليج إلى بناء تصورات خاطئة عنهم؟

كان مؤلمًا جدًّا ذلك الفيديو الذي انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي، يصور مطربًا فلسطينيًّا يشتم فيه مجموعة من دول الخليج، لا لشيء إلا للتسلية والمرح وإضحاك الحاضرين. تحدث المعلقون الخليجيون عن الخيانة الفلسطينية، وتحدث الفلسطينيون عن خيانة الخليج، وعلق آخرون بألم عن كره الجزائريين لشعب الخليج، ونقل آخر كره شعوب عربية أخرى للشعوب الخليجية السعودية، وقطر، والكويت، والإمارات وغيرها، في سلسلة من الألم الممتد بين أبناء اللغة الواحدة، والدين الواحد، والمصير المشترك.

يتكرر المشهد من فترة لأخرى وبصور مختلفة، فهذا يشتم السعوديين، وذاك يشتم القطريين، وآخر يحدثك عن خيانة الإماراتيين، أو نرجسية الكويتيين، ويرد هؤلاء على اتهام الآخرين صاعًا بصاعين، ودائمًا ما يحاول الناس ربط هذه الأخلاقيات المشينة بالأنظمة السياسية في دول الخليج، وموقف الشعوب العربية منها؛ وما ذلك إلا ربط خاطئ يشط بالحقيقة عن مسارها.

في تفتيشنا عن الشعوب العربية في الذهنية العربية المعاصرة، تجد من السهولة بمكان أن تفصل بين الشعب كأمة، وبين النخبة الحاكمة كأنظمة سياسية وإدارية، إلا في الحديث عن دول الخليج، فلا نجد في الثقافة العربية اليوم مقومات كافية تعيينا على الفصل بين الخليج شعوبًا، وبين الخليج حكومات؛ لندرة المادة التي تحدثنا عن الإنسان الخليجي كإنسان فقط، بعيدًا عن البترول والمال والسياسة.

لنتحدث بصراحة، فلا شيء كالصراحة يحل مشاكلنا اليوم، ويخرجنا من تعقيدات المكان والزمان، إلى وضوح الرؤية وسواء الطريق، كسوري عاش في مصر حقبة من الزمن، رأيت عموم الشعوب العربية لا تجد الشعب الخليجي واليمني ندًّا لها في الحياة، هذه النظرة تجدها عند شعوب المغرب العربي بدُولهِ، تمامًا كما تراها في مصر، والشام، والعراق بأقاليمها، فما سر هذه النظرة؟

أين الخلل؟

هل هي السياسة فقط؟ أم الحسد الذي يدفع الشعوب الفقيرة للانتقام لفقرها بالانتقاص من الشعوب الغنية وتحقيرها؟ بالتأكيد لا! فهناك شعوب كثيرة غنية وقوية، وتتمتع بقدر من الاحترام في الأوساط العالمية.

إن سر ذلك يكمن في جهلنا بشعوب الخليج العربي، إن شعوب الخليج العربي بالنسبة للعرب الذين لم يخالطوهم نوع من المجهول؛ الذي لا يختلف كثيرًا عن جهلنا بتضاريس المريخ أو زحل.

إن الشعوب تكتسب مقامها من تاريخها ونضالها وجهودها في الإصرار على الوجود، رغم كل رزايا الدهر ومصائبه، كما فعلت كل الشعوب العربية وما زالت، وليس شعب الخليج في ذلك استثناء من حال شعب الشام، ومصر، والعراق، والمغرب وغيرها، ولكن الفرق أن أهل الشام ومصر مثلًا بذلوا جهودًا كبيرة في تدوين تاريخهم وأيامهم وآثارهم، من خلال الرواية والأدب تارة، ومن خلال الدراما والمسرح والإعلام تارة أخرى، حتى غدت التفاصيل اليومية لحياة الدمشقيين والحلبيين في المأكل والملبس جزءًا من الحديث العربي اليومي، كما غدت صحراء الأقصر، وأهرامات الجيزة، وآثار مصر، وحياة الصعيد معلمًا من معالم الثقافة العربية المعاصرة.

وأما في السياسة والقتال لنيل الحقوق وبناء الدول؛ فنجد التفاصيل الدقيقة لنضال عمر المختار، والأمير عبد الكريم، وعبد القادر الجزائري وشعبه جزءًا لا يتجزأ من التاريخ العربي اليوم، وليس ببعيد عن ذلك حركات المقاومة والتحرر في كامل سوريا والعراق ومصر. ومثل ذلك الأحزاب والحركات الوطنية والعوائل الحاكمة، من لا يعرفها لا يتمكن من الدخول في عالم المطلعين على السياسة العربية.

وعلى الضفة الأخرى عندما نتوجه إلى الخليج لنتحدث عنه، نجد الذاكرة العربية خالية من أي تصور حقيقي عن الواقع سوى ما ينقل من أساطير سياسية وتاريخية عن بطولة الأمير فلان أو خيانة علان. لقد قصر إخوة الدم في الخليج في التعريف بأنفسهم، تاريخهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، مفاخرهم ومآثرهم، آلامهم وآمالهم، أتراحهم وأفراحهم، كما قصروا في التعريف بنشوء دولهم، وتاريخ عوائلهم الكبيرة، فلا الرواية الخليجية قامت بدورها في التعريف بأهلها، ولا الإعلام والدراما استطاعا إيصال الصورة الحقيقة للجهود الخليجية المبذولة في بناء دول متطورة ومتقدمة.

نعرف كيف ساهم المال في صناعة الدول الخليجية، ولكننا نجهل كيف ساهمت العقول في بناء هذه الدول، ونتغافل عن قدرتها العجيبة على التحول من حياة البداوة إلى الحضارة والمدنية في بضعة عقود.

نعم ظهرت شخصيات خليجية عدة ساهمت في صناعة الوعي العربي، وأدلت بدلوها في ميدان الأدب، فعرفتنا على الخليجي مثقفًا ومشاركًا في معارف العصر، ولكنها لم تعرفنا على الخليجي إنسانًا يجاهد ليبقى، فيبكي ويضحك، ويحزن ويفرح، ويسقط تارة ليقوم أخرى.

رواية سيدات القمر:

كان فوز النسخة الإنجليزية المترجمة من رواية «سيدات القمر» للكاتبة العمانية «جوخة الحارثي» بجائزة «مان بوكر» الدولية للرواية مرحلة فاصلة في تاريخ الرواية العربية، فقد ساهمت في نقل الحياة اليومية العربية إلى آفاق عالمية جديدة.

وككثير من الشباب العرب، لم أسمع بهذه الرواية من قبل، ووجدتني مدفوعًا بسيل عارم من الفضول لقراءة هذه الرواية التي حازت هذه الجائزة الرفيعة. بدأت في قراءتها على مضض؛ فقد كانت بدايتها متعبة بالنسبة لحلبي لم يعتد الثقافة العمانية التي يحملها شعب مجهول لا يعرف عنه أكثر مما يعرف عن شعوب البنغال.

شيئًا فشيئًا بدأت أحداث الرواية تجتذب قارئها الغريب، وتكشف له أسرار عالم جديد ومجهول لا يبالغ الإنسان إن أسماه «كوكب الخليج». تحدثت الرواية عن «ميا» الفتاة الصابرة، وعشقها العفيف، وعائلتها وزوجها ولد التاجر سليمان، ابن العائلة النبيلة، الذي تحول بإرث عائلته من البداوة إلى المدنية بثبات عجيب، فلا هو تخلى عن أصوله وعاداته ودينه وعائلته، ولا هو جبن عن مواجهة الحداثة والتعامل مع الواقع الجديد، كما تحدثت عن أختيها: الجميلة خولة، والمثقفة العاقلة أسماء، وأمهم العتيدة، وأبوهم المتعلم، وصديقته البدوية قمر، والسحر الذي أحرق جمالها، وقصص آخرين من أجدادهم أو أقاربهم ومعارفهم.

فتَّشت الرواية كل زوايا التاريخ الخليجي المعاصر ومخادعه، فتحدثت عن طبقة العبيد وأخلاقهم، وعن العادات والتقاليد وما فيها من خرافات أو مكرمات. وحكت ببراعة كل تحولات المجتمع العماني: العبيد الذين غدوا أحرارًا، والعوائل الكبرى التي تحولت من البداوة وتجارة المواشي والزراعة إلى التجارة عبر البحر بالشراكة مع شركات ودول أجنبية، ومن الانكفاء في القرى إلى التوغل في المدن، وشراء العقارات، وتجارة البناء أو السلاح، ومن الجهل إلى العلم والمعرفة.

الدين والعادات، والتاريخ والتحولات، العبيد والأسياد، والخرافة والعلم، الرذيلة والفضيلة، السعادة والشقاء والعائلة – ذلك المقدس العماني الأصيل- كل ذلك في رواية صغيرة الحجم يأتي عليها قارئها في يوم أو يومين.

إن كل ما انطوت عليه الرواية من جمال في رشاقة العبارة، وتنقلها من قصة لأخرى، وخلطها الأحداث بعضها ببعض، ثم الخروج منها بسلام؛ لا يوازي جمال كنز الرواية الثمين المتمثل في كشف خفايا عالم الخليج وتقديمه كمشهد تاريخي حي للقارئ العربي.

الرواية والإعلام الخليجي:

إن الشعب الخليجي شعب هادئ يحب البساطة، اعتاد الإنصات بصمت لصوت الصحراء من حوله وفي قلبه، والجلوس بهدوء لتأمل نجوم السماء تتلألأ، وشهبها تتناثر. تحت هذا الصمت تختبئ الكثير من الأسرار والمشاعر التي نحتاج – كشعوب عربية- إلى سماعها اليوم.

لقد قصر مثقفو الخليج في التعريف بجوانب حياتهم، على غرار ما فعلت باقي الشعوب العربية التي تحدثنا عن كل تفاصيل حياتها في القصص والروايات، ونصوص الدراما التاريخية منها والمعاصرة.

إن الحديث عن بترول الخليج وغازه، وما أدى إليه من أبنية باهرة ومدن زاهرة لن يساهم في تقريب الصورة الخليجية، وكسر العزلة عنها، إننا بحاجة إلى الحديث عن الخليجي نفسه كإنسان، وعن تاريخ نضاله في سبيل البقاء بين طاحونتين؛ عواصف البحار ورمال الصحراء، على غرار ما فعلت «جوخة» في «سيدات القمر»، عند ذلك فقط ستزول التصورات الخاطئة عن شعوب الخليج ومجتمعاته، والتي لا مصدر لها إلا الجهل به.

وينبغي لمن يتصدى للكتابة في التاريخ أو الأدب الخليجي والسناريوهات والبرامج الوثائقية، أن يتجرد من أفكاره السياسية في الميل للسلطة أو عنها، وليكتب الحقيقة كما هي، وليترك للناس الحكم عليها، كما عليه أن يصف الواقع كما هو، ولا يحاول الإضاءة على نموذج شاذ أو نادر في المجتمع، يصوره حالة عامة، كما فعلت إحداهن يومًا.

عندما تصل الصورة الصحيحة عن شعوب الخليج إلى الذهنية العربية؛ ستبدأ شعوبنا بالتفريق بين الخليج كمجتمعات إنسانية وادعة ومسالمة تكره الحديث عن مآثرها، وبين الخليج كعوائل حاكمة نتفق مع سياساتها أو نختلف. وبمرور الأيام لن نرى مثل هذه الألفاظ النابية التي ظهرت في الفيديو الذي اشتهر مؤخرًا، وسيمحى من العقلية العربية خليج البترول والمال، ليحل محله خليج الإنسان والجمال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات