منذ ٥٠٠ عامٍ أو أقل، كان أقصي ما يتمنى الإنسان أن يملك على الأرض هو لباسٍ جديد. وما أن امتلك الثوب الجديد حتى بات يطمح في امتلاك سكن يأويه، ثم بات السكن متاحًا فأصبح تملك قطعة الأرض هي الأمنية التالية، ثم رأسًا من الماشية أو الأغنام التي تدر علية الطعام والشراب فيصبح سيد نفسه. وقد كانت هذه هي الحال وحتى ١٥ عامٍ مضت على الأقل عند القلة من أهل الريف في مصر، والتي سنحت لي الفرصة أن أراها بأم عيني. فكان من يملك بيتًا وقطعة أرضٍ ورأسًا من الماشية هو الغني والثري بكل ما تحمله الكلمة من معنى. يُضرب به المثل ويتباهى به الأهل والعائلة والقبيلة في كل مكان.

لكن ذلك الثري نفسه لم يكن مقدرًا لثرائه ولم يكن راضيًا بما أوتي، فحتى لما صُنف من أصحاب الجاه أصبح يأمل في إمتلاك عربة حصان لتريحه من المشي في الطرقات بين العامة على حد تفكيره. لكنه لما تملك عربة الحصان تلك بعد عناءٍ وبعد تقشف لعدة شهور وربما أعوام أصبح يطمح في سيارةٍ تسير بالوقود، لأن عربة الحصان أصبحت للعربجية. وتحول الإسطبل إلى جراج سيارات ثم حول جلبابه إلى بدلة ليصبح من أصحاب الشياكة، ثم جري بنا الزمن قليلًا فأصبحت قطعة الأرض من الماضي واستبدلناها بالعقارات ثم تحولت إلى شركات ومنها إلى حسابات بنكية ثم أسهم تصب في جيب صاحبها بلا حسيب ثم تلخصت كلها في صورة دفتر شيكات بحجم أربعة أصابع. وترك الأغنياء الأرض والماشية والإسطبل للناس الأقل قيمة في اعتقادهم، ليقال عنهم أنهم الصفوة. واستبدلوا كل هذا بطائرات خاصة ويخوت فارهة. وهذا من مبدأ ملل المتداول ورفض الشائع. فأفنوا أعمارهم سعيًا وراء المتجدد والذي هو للأسف متاعٌ زائل… معتقدين أن السعادة تكمن في تحصيل تلك الأشياء.

– تبدل الزمن

تبدل الزمن وتغير المقام ودارت الأيام وانقلبت الأحوال بين هذا وذاك بسرعة البرق، حتى صارت كل أحلام من سبقونا وكل أمنياتهم في تلك الأيام واقعًا يعيشه كلٌ منا، لكن لا أحد يقدره والقليل جدًا من يرضي بما أوتي أو رُزق، فأخذناها على أنها حقوقًا مشروعة وسعينا وراء مادياتٍ أخرى بحثًا عن السعادة. لكن هذا لا ينطبق على البشر فقط بطبيعة الحال فهناك سلعٌ قد تغير قدرها وبخس سعرها بتغير الزمن.

– السلع النفيسة

الأمر لم يقتصر على تقييم البشر للسعادة أو تفاضلهم من خلال ممتلكاتهم فتعدى الأمر لتجاراتهم ومطعمهم. فعلى سبيل المثال كان القطن والقمح والدقيق والحبهان والفلفل والحرير من أغلى وأنفس ما يمكن أن يتملك أي إنسان أو حتى أية دولة. ذالك القطن الذي كان يقلب أسواق العالم في كل شيء رأسًا على عقب خلال لحظات. والقمح الذي كان يقيم أو ينهي مجاعات في الأرض كلها خلال أيام، لم يعد لها قيمة وتم استبدالها بما هو أعلى قيمة في نظر أصحاب الأموال كالكافيار ولحوم النعام وغيرها. أما الحبهان والفلفل اللذان فكانا ينقلان تحت حراسات أكثر شدة من تلك الحراسات على الرؤساء والملوك، كما كان يتم وضعهما في خزانات الذهب والمجوهرات نظرًا لكونهما أطعمةً للملوك والسلاطين فقط. لم يعد لهما قيمة وأصبحا يتداولان على الطرقات وعند كل عطار كتوابل للفقراء.

أما الحرير يا سادة وكلنا نفهم معني أن تملك قطعة حرير في ذلك الزمن كانت كافية أن تدخلك عالم الكبار. كان الحرير هدايا وحكرا على الملوك وذويهم فقط. ثم ما لبث الآن إلا أن أصبح منديل الحرير بـ٥ جنيهات. ببساطة أصبحت كل وسائل الترف التي حلم بها أجدادنا فيما مضي حقوقًا مشروعة وسلعًا متداولة بين أيدينا، كل ما تمنوه وسال لعابهم عليه ورأو فيه مصدرًا للسعادة أصبح في متناول أطفالنا، والمشكلة العظمى أن لا أحد يقدر ذلك.

أصبح السفر متاحًا ومريحًا بعد عناء الشهور التي عاناها من سبقونا، وباتت الأطعمة باختلاف أشكالها وألوانها وأذواقها بين أيدينا نتداولها كيفما شئنا وبأسعارٍ زهيدة لكن مازال هناك طمع لما هو أكثر. فتحت لنا كل وسائل التواصل فأصبح الجميع يحملون هواتف متصلين دائمًا لكن لا أحد يتواصل وتناسينا كم العناء الذي كان يعانيه أجدادنا لسماع صوت حبيب أو للاطمئنان على عزيز. تراصت أمامنا كل بنوك المعرفة وكل دور العلم لكن لا أحد ينهل منها في كسل نسأل الله السلامة منه.

أصبحنا منكبين أمام شاشات لا تعرف معنى التقدير أو الاهتمام ولا يعنيها إلا تشتيت شمل الأسر والأصدقاء. صارت الأسواق في كل مكان وتنوعت الملابس وتبدلت الموضة فلم نلبث أن قلدنا الفقراء في لباسهم، فبات أصحاب المال يرتدون الممزق. ولا يذكرني هذا إلا بقول القائل: لما بخلوا بأموالهم على الفقراء ألبسهم الله لباس الجوع بأغلى ثمن. فالثياب الممزقة الآن هي الأغلى سعرًا ويمكنك أن تشهد بنفسك على ذلك في الأسواق. وصل الكل لكل ما كان يتمنى وكل ما حلم به يومًا، وباتت كل ملذاتنا أمام أعيننا فحصلنا على كل شيء اعتقدنا أنه سيكون سببًا في إسعادنا، لكننا لم نحصل على السعادة.

– لماذا لم نحصل على السعادة المرجوة؟

تلك النفوس التي لم تحصل على السعادة: لم تحصل عليها لأنها نفوسٌ بائسة في نفسها. تعيسة في كل مواقف حياتها. تشكوا بلا سبب وتتأوه لأقل الأضرار. نفوس وبكل أسف لا تعرف معنى التقدير أو الرضا. إن أردت أن تعرف كم البؤس الذي يعيشة مجتمع أو جيل ما، فانظر إلى إعلامه واقرأ صحفه واستمع لأغانيه و ستلاحظ وبكل شفقة أن الغالبية العظمى تبكى على تعليق، ويمرض بعضهم برسالة، ويقدم أحدهم على الانتحار بسبب لعبة. انظر إلى كم التجهم الواضح على وجوههم في الشوارع والأسواق، وصدورهم التي قد ضاقت داخل ملابسهم من كثرة القلق، لا يقبل أحد منهم رأيًا للآخر ولا مجال للنقاش. ولأنه لا مكان للقناعة فبات الكل ينظر لما في أيدي الآخرين غافلًا عما في يده. زهدوا فيما ملكوا حتى تخلوا عنه. تولدت لدى الأكثرية حالة من الطمع المتجدد والرغبات الامتناهية واللذة في كل ما هو ممنوع. شهيات تأكل بنهم كل ما هو مجهول دون ذكر أي معنى للرضى أو القناعة. ومما ذكر في آثار بني إسرائيل والتوراة في الحديث القدسي: يا اِبنَ آدمَ خَلَقتُكَ لِلعِبَادةَ فَلا تَلعَب، وَقسَمتُ لَكَ رِزقُكَ فَلا تَتعَب، فَإِن رَضِيتَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ أَرَحتَ قَلبَكَ وَبَدنَكَ ، وكُنتَ عِندِي مَحمُودًا، وإِن لَم تَرضَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُسَلِّطَنَّ عَلَيكَ الدُنيَا تَركُضُ فِيهَا رَكضَ الوُحوش فِي البَريَّةَ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ لَكَ فِيهَا إِلا مَا قَسَمتُهُ لَكَ، وَكُنتَ عِندِي مَذمُومَا. وللعلم فهذا الحديث منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه في الأصل من آثار بني إسرائيل.

– لا سعادة إلا في الرضى

لا راحة إلا في القناعة بما ملكت. ولا سعادة إلا في الرضى بما أوتيت. لا تتبع التيار ولا تنسي تقدير القيمة سعيًا وراء الكم. فتصيح كل أمنياتك عادة تألفها فتنساها. لا تكن ممن يجرى وراء المال فتحصله وتفتح عليه الدنيا أمام مطالب أكثر وإحتياجات أكبر فلا تهنأ أبدًا. وتذكر أنه لا سعادة مطلقة في الدنيا لأن الدنيا إلى زوال. وكما قال الله تعالى: وما الحياة الدُنيا إلا مَتاع الغرور. متاع سريع وزائل ينقضي قبل أن تشعر به. أما الآخرة فهي دار المستقر حيث لا حدود للسعادة ولا مكان للتفكير أو الحزن، مكان لا يعرف معني الوحشة أو الفراق. لا مكان لما يؤلم حيث تموت الخيانة والكبر والطمع ويموت الخوف والقلق حتى أن الموت يموت هناك. ولكننا لن نُحصل على ذلك هناك إلا بالرضا والقناعة والشكر على ما أوتينا الآن. رزقني الله وإياكم رضًا ينأى بنا إلى الفردوس الأعلى. دُمتم في نعيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد