أثارت الهجمات الأخيرة في باريس موجة من التساؤلات حول تورط العالم الغربي في ظهور التنظيمات الجهادية وتقوية شوكتها وتآكل معارضيها المحليين، وهي ذاتها التساؤلات التي طرحت عقب أحداث 11 سبتمبر وتهربت الأنظمة الغربية طوال هذه الفترة من التعرض لها والإجابة عليه. قبل أكثر من عشر سنوات وتحديدًا في ختام عام 2001م تساءل الشعب الأمريكي عن الأسباب المباشرة وراء هذه الهجمات وتزينت واجهات الصحف بهذا التساؤل “لماذا يكرهوننا؟” وها هو السؤال يُطرح مرة أخرى للنقاش بعد هجمات باريس وتفجير الطائرة الروسية والتهديدات اليومية التي تتناقلها أجهزة الأمن في أغلب بلدان أوروبا.

 “لماذا يكرهوننا؟”

لسنوات طويلة كانت دائما السياسة الغربية ما تضع في مقدمة أطروحاتها حول هذا التساؤل مزيجا الانحراف الديني والتراجع الاقتصادي كاحتمالية وراء – ما يسمونه- التطرف الإسلامي والحقيقة أنهم يغفلون أو يتغافلون أن التطرف والإرهاب ما هو إلا انعكاس على غياب الديموقراطية.

بعد أسابيع قليلة من غزوه العراق في 2003م صرح الرئيس الأمريكي جورج بوش أن عراق ما بعد صدام ستكون منارة الديموقراطية في الشرق الأوسط. والآن بعد ما يزيد عن عشر سنوات على هذه التصريحات وهذا الغزو هل باتت العراق منارةً للديموقراطية أو حتى حافظت على بنيتها الاجتماعية أم صارت جزءًا من أكبر تنظيم متطرف يشهده العالم في الوقت الحالي!

 

فهل حقـًا دعمت الأنظمة الغربية الديموقراطية في الشرق الأوسط؟

 

ما قبل الربيع العربي

دعمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيون زعماء العرب المستبدين وقدمت لهم كثيرًا من المساعدات المالية والعسكرية في حين غُيبت في بلادهم المبادئ الأمريكية وهو ما جعل الجهاديين أو الإسلاميين الراديكاليين وليبراليي أوروبا يدعون بأن الخطاب الغربي الذي لا ينتهي عن الديموقراطية وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة وتنوع الحياة السياسية هو خطاب أجوف بدرجة كبيرة.

فالرئيس المصري المخلوع من الحكم بثورة شعبية في فبراير 2011م كانت تقدم له الولايات المتحدة كثيرًا من الدعم العسكري، بالحديث عن الخطاب الغربي الأجوف عن الديموقراطية لابد أن نشير للحالة الجزائرية فهي الأكثر وضوحًا والأبعد عن التأويل والتبرير. فبمجرد نجاح جبهة الإنقاذ الإسلامية في الانتخابات البرلمانية عام 1992م وتدخل الجيش لإزاحتها كانت الهمهمات تًسمع في العواصم الغربية بعدم التدخل لإيقاف هذا الانقلاب عن الديموقراطية في إحدى بلاد الشرق الأوسط الحلفاء.

الخوف الدائم من الإسلاميين الراديكاليين يرجع بدرجة كبيرة للخوف على الابن المدلل للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ولكن ماذا إذا اتخذ أعداء الكيان الصهيوني طرقـًا ديموقراطية للتعبير عن معاداته؟!

هذا بالفعل ما قامت به حركة المقاومة الإسلامية حماس عندما جاءت على رأس السلطة الفلسطينية في انتخابات 2006م وكان اختيارًا حقيقيًا معبرًا عن الرغبة الشعبية للفلسطينيين لكنه ومع ذلك لم يلق ترحيبًا دوليًا من قبل سلطات الاحتلال وحلفائها الغربيين ولم توافق حكومات الغرب الداعمة للديموقراطية – كما تدعي – على نتائج الانتخابات ولم تقبل أي منها بمقابلة الحكومة الشرعية الفلسطينية المعبرة عن رغبة الفلسطينيين. وفي غضون أسابيع قليلة باتت العديد من قيادات الحكومة المنتخبة في السجون الإسرائيلية!

أي منطق إذن ستجادل به حماس غيرها من قوى التطرف عن الديموقراطية واحترام إرادة الشعوب ونبذ العنف والتطرف والحياد عن مسارات التداول السلمي للسلطة!

 

ما بعد الربيع العربي

نبدأ بالمظاهرات التي اندلعت في البحرين 2011م للمطالبة بتحقيق مبادئ الديموقراطية والحد من التمييز العنصري ضد الجماعات الشيعية من قيادة البلاد السنية ومع تصاعد الاحتجاجات باتت الحكومة غير قادرة على تهدئة الأوضاع فاضطرت لطلب مساعدة مجلس التعاون الخليجي الذي أرسل قواته لقمع المحتجين.

صحيح أن الملك حمد بن عيسى آل خليفة استجاب نوعًا ما لتوصيات لجان التحقيق التي شُكلت إلا أن المتابعين والنقاد يرون أنه لم يتغير شيء على أرض الواقع واستمرت الانتهاكات.

الوضع في مصر كان أكثر درامة؛ فمبارك الذي تنحى عن السلطة بعد ثلاثة عقود بعد احتجاجات شعبية اندلعت في يناير 2011م أعقب رحيله مجيء الإخوان المسلمين بأغلبية البرلمان ثم إلى قصر الرئاسة، لكن سرعان ما تفاقم الغضب الشعبي على الرئيس محمد مرسي وخرج المحتجون في يونيه 2013 معبرين عن استيائهم من الأوضاع المتردية للبلاد حتى استغل الجيش هذه الاحتجاجات وانقلبوا على الإخوان المسلمين بدعم دولي وإقليمي -متمثلاً في الولايات المتحدة ودول الخليج التي تعتبر الجماعات الإسلامية المعتدلة خطرًا على أنظمتها المستبدة –  واعتبروهم جماعة إرهابية ومن ثم أودعوا الآلاف من أبناء الجماعة السجن وقتلوا المئات منهم في الميادين.

شكل سقوط الإخوان المسلمين من الحكم فرصة ذهبية للراديكاليين ونشطت ما تعرف بجماعة أنصار بيت المقدس وهم إسلاميون راديكاليون بايعوا فيما بعد تنظيم الدولة وأعلنوا تأسيس ما قيل إنها “ولاية سيناء” وتبنوا العديد من أعمال العنف الكبيرة نسبيًا كتفجير مديرية أمن المنصورة ومديرية أمن القاهرة وبعض الأعمال النوعية والكبيرة ضد قوات الجيش في سيناء وأخيرًا تبنوا إسقاط الطائرة الروسية بعبوة ناسفة زرعت على متنها مستغلين ثغرة أمنية في مطار شرم الشيخ سهلت لهم ذلك.

في تونس كان الوضع أفضل حالاً عما هو عليه في باقي البلدان العربية، فتونس التي خرج منها إلى النور ما عرف بالربيع العربي حافظ على التداول الحقيقي للسلطة وابتعد جيشها تدريجيًا عن السياسة.

اندلعت الثورة التونسية في ديسمبر 2010م واشتعل الفتيل الأول للثورة بإحراق الشاب محمد بوعزيزي نفسه بعدما أوقفته الشرطة عن بيع الخضروات في أحد شوارع المدينة. أثبتت التجربة التونسية أن الإسلاميين المعتدلين يمكنهم أن يُزاحوا عن السلطة بغير الانقلابات فحزب النهضة التونسي المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين جاء إلى البرلمان ومن بعدها للرئاسة عبر صناديق الاقتراع التي سرعان ما أتت بغيرهم وأزاحتهم بطريقة ديموقراطية.

الوضع في مصر بالتأكيد على عكس الوضع في تونس لكن مصر دائمًا ما تبقي في الصدارة وتجربتها هي الأكثر إلهامًا من غيرها وهو ما انعكس سلبًا على أوضاع الإسلاميين في العالم العربي.

وخلاصة القول، إن الأنظمة الغربية تتخذ من المستبدين في منطقة الشرق الأوسط درعًا واقيًا في مواجهة الإسلاميين الذين يختلفون مع أهدافها وطموحاتها في المنطقة وهو ما يجعل الباب مغلقـًا أمام الشباب الإسلامي الطامح للتغيير عبر الطرق السلمية فلا يجد غير العنف وسيلة للتغيير أو للانتقام على أسوأ تقدير!

حتى إن الإسلاميين الذين ما يزالون متمسكين بالإصلاح السلمي والتغيير الديموقراطي لم يعد لديهم ما يجادلون لأجله فالسبل الديموقراطية التي أتت بهم إلى السلطة لم تحفظ بقاءهم فيها بتواطؤ غربي وتآمر إقليمي. فعلى الغرب إن كان جادًا في مجابهة تنظيم الدولة الإسلامية أن يوفر المناخ الديموقراطي الحقيقي لجذب العربي الطامح في التغيير وإلا فعليه أن يدفع الثمن ولا يتوجع أو حتى يدعي مثالية زائفة ونقاء يد تلطخت بالدماء والعبث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد