نعود ونستكمل ما بدأناه من سلسلة مقالات كيف آمنت بالقرآن؟ وسنتطرق هذه المرة للقصص القرآنية والتي أخذت حوالي ثلث مساحته وسأبدأها بقصة من أعجب القصص، وقد قيل عنها ما قيل من قبل أهل التفسير، لكن جل تركيزهم كان منصبًا حول قضية القدر الذي تناولت موضوعه والذي يعد أهم بوابة تقود إلى الإلحاد وتسمى بمعضلة الشر عند جمهور الفلاسفة وفحوى القصة يتطرق لما قد نراه شرًا في ظاهر الأمر، بينما في باطنه الرحمة والخير.

عمومًا هذا ليس محور حديثنا، إنما سنتطرق لمسألة غابت عن كثير من المفسرين وهي ارتباط رحلة موسى مع العبد الصالح بحياة موسى المذكورة في القرآن وعن التماسك المعجز بين هذه القصة وقصص موسى الواردة في عدة مواضع متفرقة مع العلم من أنها مفرقة ما بين مكية ومدنية وهي منزلة في مدة تتجاوز العقدين من الزمان ولم يتح لمحمد فرصة التعديل أو الحذف عليها بل إن محمدًا نفسه كان بشهادة القرآن رجل أمي لا يعرف طريق القلم، ولا الكتب، ناهيكم عن أن الآيات منزلة حسب الوقائع والأحداث ومع هذا، فهي تفسر نفسها بنفسها ويعد من أوثق التفاسير التي اعتمدها المتخصصون بهذا الشأن هو تفسير القرآن بالقرآن، وهذا أكبر برهان يؤكد بأن القرآن نزل جملة واحدة كما في آية (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أو (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) كما يستحيل لأي إنسان ادعاء نزول كتاب جملة واحدة مؤلف من 604 صفحة، وهو يواكب مجريات أحداث أكثر من عقدين ويصنف في ذلك علم مستقل تحت مسمى (أسباب النزول) إلا ومؤلفه فعلًا يعلم المستقبل بلا شك، ولا ريب، والدليل على ذلك كما أسلفنا تعاضد الآيات مع بعضها البعض، وأنها تفسر نفسها بنفسها مع انسجامها التام للوقائع والأحداث، إضافة لعدم تناقضها ناهيكم لعدم وجود تطور فكري ظاهر كما في عادة الكتب البشرية وقد جاء في القرآن (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا).

نعود لنروي قصة موسى مع العبد الصالح بالتفصيل، ثم نسرد القصة بما يقابلها من الآيات التي وردت في مواضع متفرقة في القرآن لنؤكد صحة ما دعينا اليه من تماسك عجيب، فقد جاء في الحديث أن رجلًا من بني إسرائيل سئل موسى يومًا:

من أعلم الناس في الأرض يا موسى؟

قال: أنا.. قالها باعتباره كليم الله وأحد أولي العزم من الأنبياء، فأوحي اليه أن يذهب لملاقاة عبد أتاه الله من لدنه علمًا، وعندما وجده طلب التتلمذ على يديه (قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) والعبد الصالح هذا اختلف أهل التفسير في شخصه كثيرًا، فقيل إنه الخضر عليه السلام، ولا يعنينا ذلك لكون القرآن قدمه إلينا مجهولا، مثلما قدم فتى موسى أيضًا، وعندما طلب موسى مرافقته والتعلم منه صدمه بقوله: (إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)! لكن إصراره على التعلم جعله يقول (..سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا).. اشترط العبد الصالح شرطًا قاسيًا حتى ينهل من علمه فقال لموسى (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا…) فقبله موسى ذلك الشرط على الفور.

كلما مرت أحداث القصة كلما ازداد غموضها وغموض بطلها العبد الصالح وقلت كلماته المقتضبة حتى ركبوا سفينة وهم يرتحلون محاذاة البحر، فاكتشف موسى بأنه يجازي أهلها المساكين الذين أقلوه بلا مقابل لكونهم غرباء بخرقها، فقال موسى: (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) يعود الرجل ويذكره بما قاله من قبل: (…أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا).

ثم يمضون سويًا في طريقهم حتى يجدوا غلامًا، وإذ به يقتله بدم بارد دون أدنى وجه، فيحتج موسى على فعله قائلًا: (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) يعود العبد الصالح للمرة الثانية، فيذكره بقوله الأول: (…أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) لكن موسى يكتم غضبه بعدما رأى أنه قد تجاوز الحد، فيطلب فرصة أخيرة لمرافقته حتى يتعلم من علمه بقوله: (… إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَمِن لَّدُنِّي عُذْرًا).

ثم يمضون قدما في ترحالهم حتى يصلوا قرية يسكنها أناس بخلاء، فيطلبون منهم حق الضيافة لكنهم يأبوا ذلك، فيقابلهم العبد الصالح ببناء جدار آيل للسقوط في قريتهم دون مقابل! ويعود موسى للمرة الثالثة والأخيرة، فيحتج على مساعدتهم بعد نفاد صبره، فيقول له العبد الصالح الى هنا انتهى لقاءنا؛ فلم تستطيع الالتزام بشرطي الذي اشترطته عليك من قبل، فيقول: (…هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا).

الآن لنعيد قراءة هذه الأحداث من جديد لكن هذه المرة فيما يقابلها من آي القرآن الكريم مأخوذة من عدة مواضع متفرقة تبدو مشتتة من الوهلة الأولى، لكنها تعاضد وتدعم بعضها البعض وتتحدث عن حياة موسى الذي تكررت قصصه عشرات المرات وقصة موسى وفتاه العجيبة اشبه بالزاوية المحورية التي تتيح للعنكبوت رؤية خيوطه المفرقة عن بعد ولنفرد الأدلة على ذلك بسردها بما يقابلها في مواضع متفرقة من القرآن فهي بلا شك تمثل تلخيص متقن لحياه موسى بإيجاز شديد.

عندما طلب موسى التتلمذ على يدي العبد الصالح أجابه إجابة صادمة بقوله: (إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) وكررها ثلاثًا في رحلتهم المذكورة سلفًا بعد كل حدث تقريبًا، ومن يعرف موسى جيدًا من خلال سيرته المتكررة في سور القرآن يعلم نفاد صبره وسرعه غضبه، فعندما عبد قومه العجل بعد ملاقاته ربه وصفه القرآن بالغضب وقال: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا) وجر أخاه هارون برأسه ولحيته حتى قال: (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي..)، ثم انتهت الآيات بقوله: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ…) وفي موضع آخر وعندما حدث شجار بين أحدهم من شيعته موسى وآخر من شيعة فرعون، فنصر موسى الذي من شيعته فجاء: (…فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ…) وفي موضع آخر نرى كيف موسى يرد على فرعون عندما من عليه بقوله (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيل…) إذًا هذه صفات وردت بشكل مبعثر في القرآن تؤكد سرعة غضب موسى وهذا قول العبد الصالح لموسى المكرر ثلاثًا والذي استفتح به لقاءهما (…إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)! وقد جعل الله فيه هذه الصفات لكونه سيواجه جبار الأرض في ذلك الوقت ويقود قومه الذين استعبدوا في الأرض من قبل فرعون وقومه.

كانت بداية الرحلة بخرق العبد الصالح لسفينة المساكين الذين تطوعوا بنقلهم لكونهم غرباء ولو طفنا في رحب القرآن انطلاقة حياة موسى في القرآن كانت في البحر وهو طفل رضيع حيث جاء في موضع آخر في القرآن أن الله أوحى لأمه فقال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي..) ولاحظوا كيف أن أي القرآن تعاضد بعضها بعضًا، رغم أنها نزلت مفرقة في مدة عقدين من الزمان ولم يطرأ عليها التعديل والشطب، فقد كان ملك يأخذ السفن غصبًا لذلك خرق العبد الصالح السفينة ليعيبها، وكان فرعون ملك أيضًا يأخذ الأطفال غصبًا من أحضان أمهاتهم، فنحن إذًا مقابل ملكين جبارين في الأرض أحدهم يأخذ الأطفال والآخر يأخذ السفن، وقد كان عيب السفينة الخرق، فما هو عيب موسى إذًا؟ لقد حاول فرعون قتل الطفل موسى، لكن ذلك الطفل أسر من قبل زوجته، فدافعت عنه أيما دفاع، وجاء في التفسير أن فرعون اختبر موسى وهو طفل فخيره بين التمرة والجمرة فاختار الجمرة؛ فأعابه الله برداءة التمييز بين التمرة والجمرة، وجعل عقدة في لسانه، وقد جاء في موضع آخر أن موسى سأل ربه عند ملاقاته عندم تكليفه بمواجهة فرعون فقال: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي…) لكونه يعلم أن فرعون سيسخر من ثقل لسانه أمام الملأ ولذلك عيره فرعون عندما تواجها وجهًا لوجه في موضع آخر بقول: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ)، إذًا فهذا عيب موسى الذي جعل فرعون يستصغره وهو الذي نجاه في طفولته من القتل.

ولنكمل القصة مرة أخرى، لكن من حيث ما يقابلها في آيات وردت متفرقة في القرآن واستكمل موسى مع العبد الصالح رحلته حتى وجدوا غلامًا، فقتله بدم بارد وقد احتج موسى على ذلك وقال: (…أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا) فما يقابل قصة موسى بجريمة اغتيال كهذه إذًا؟ لو طفنا قليلًا في رحاب القرآن الكريم لوجدنا أن سبب هروب موسى من مصر كان جريمة اغتيال فقد ورد في موضع آية (فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ..) وهرب بعدها موسى حتى أتاه الله النبوة.

ثم مضوا في ترحالهم، فدخلوا على قرية وطلبوا من أهلها حق الضيافة، لكنهم كانوا في غاية البخل وأبوا ضيافتهما، فقابلهم العبد الصالح بإقامة جدار آيل للسقوط دون مقابل، فما يقابل قصة موسى في أي القرآن من عمل دون مقابل؟ لو طفنا في رحاب القرآن لوجدنا أن موسى بعد هربه الى مدين من قوم فرعون وجد الناس تسقي من البئر ووجد فتاتين لا تزاحمان الرجال، فسقى لهما دون تفكير في المقابل، وقد قال موسى للعبد الصالح في القصة بعد إقامة الجدار مجانًا (قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا..)، بينما سقى موسى للفتاتين في موضع آخر من القرآن وجاءت إحداهما تقول له: (…قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا)!

إذًا هنا أجر وهناك أجر وهنا عمل دون مقابل، وهنا أيضًا عمل دون مقابل، وهنا غلامان يتيمان ينتظران بلوغهما سن الرشد ليستخرجا كنزهما، وهناك فتاتان تنتظران من يسقي لهما، وهنا جريمة اغتيال، وهنا أيضًا جريمة اغتيال أخرى، وهنا ملك جبار يأخذ السفن غصبًا، وهناك ملك جبل ينتزع الأطفال ويقتلهم غصبًا، وهنا أخت موسى تقص أثر أخيها الرضيع في البحر، وهناك أيضًا موسى وفتاه يقصان أثر مكان الحوت الذي اتخذ طريقه في البحر عجبًا، إنها ببساطة قصة موسى نفسه، وقصة كل إنسان ابتلي في ماله، أو في أولاده أو عمل عملًا دون مقابل والآيات مفرقة في القرآن، وقد نزلت في فترات متقطعة في مدة طويلة، وقد أعدنا لملمتها بما يقابلها في القرآن في مواضع أخرى، فهذه القصة إذًا لخصت حياة موسى في قالب واحد مع العلم أن فرعون وبني إسرائيل لم يذكروا فيها أبدًا.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد