عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ       بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ

أبو الطيّب المتنبي (303هـ – 354هـ) (915م – 965م)

كلمات المتنبي التي باتت هي الترجمة الحقيقية لما يدور بقلب كل فرد من أبناء هذه الأمة المكلومة التي أصبحت بين شهيد أو معتقل أو مطارد، تلك الكلمات التي قيلت منذ أكثر من ألف عام أصبحت تترجم حال الثكالى والأرامل واليتامى والمشردين في شتى بقاع الأرض.

العيد تلو العيد يأتي والغائب لم يعد والشهيد لم يعد والمعتقل لم يعد والمشردون لم يرجعوا، حال الأمة التي تربو على المليار ونصف المليار لا تستطيع أن ترى شبرًا من أرضها إلا وأصوات القذائف والمدافع تغطي كل صوت، وبتنا في هذه الحياة لا نملك إلا أن نسترضي الغرب تارة ويقتلنا الغرب تارة أخرى ويبقى الجرح ينزف، كانت فلسطين ثم العراق ثم ليبيا ثم اليمن ثم لبنان ثم سوريا ثم مصر ثم …

كل يوم نزداد في خندق الحروب والنزاعات التي أهلكت بلادًا بأكملها وبات الناس يكرهون اليوم الذي قامت فيه تلك الثورات.

حكام لا يسمعون ولا يرون بل ويبيعون بلادهم لمن يدفع الثمن الأكبر والحقيقة أن هؤلاء ليسوا حكامًا بل متحكمين فينا يأكلون خيرات بلادنا ثم يقتلوننا.

يأتي العيد وفي هذه الأمة من يبيتون ليلتهم ليس بلا طعام بل بلا طعام أو لباس أو منزل يأويهم ومنهم من أصبحت وجباته مصدرها صناديق القمامة.

في الوقت نفسه تجد من يجلسون على مائدة الطعام وأمامهم ما لذ من الطعام ولا تقل طاولتهم عن عشرات الأصناف من الطعام فكما قيل «إذا رأيت فقيرًا فاعلم أن هناك غنيًا سرق حقه».

أريد أن أكتب عن أم الدنيا التي نهبها العسكر على مر التاريخ فلم يترك لأهلها إلا الفتات والطلقات التي باتت تحصد الأرواح بلا جريرة.

أرى في عيون الأمهات الثكالى ومن اعتقلت أزواجهم أو أولادهم الحزن على ما فقدوا وحسبهم الله في ذلك وصبرهم على ما أخذه الله منهم ليكونوا نورًا يهتدي به أهل الحق ممن ضاقت بهم السبل ومحصتهم تلك المحنة، فرأينا مثلًا لأصحاب محمد يمشون بيننا يحبون لله ويبغضون لله.

بأي حال عدت يا عيد؟ على هؤلاء الذين غيبهم ظلم الحاكم خلف جدران السجون في ريعان الشباب وصمودهم ووقوفهم في وجه الظالم أكبر دليل على صدقهم أنهم باعوا لله هذه الدنيا ليربحوا جنة عرضها السماوات والأرض أعدت لهم، ونحسبهم والله حسيبهم من المتقين.

أم بأمر فيك تجديد؟ لمن ينتظرون اليوم للعودة لهذا الوطن الغالي الذي نعرف قدره ونأمل أن نكون بُناتَه على نهج الحبيب محمد الذي علمنا أن حب الأوطان من الإيمان؟

دمعات الأهالي التي لا تغادر العيون كأنها ألفتها واستوطنت فيها يوم انقلب العسكر على أول رئيس أحبه القاصي والداني.

في هذا الوقت الذي يوافق سعي السيدة هاجر بين الصفا والمروة بحثًا عن الحياة في الأرض المقفرة يسعى هؤلاء الأهالي للبحث عن الحق الضائع وكلماتهم لو لم يبق من أهل مصر من ينادي بحق الشرعية غيرنا لفعلنا، يبحثون في يقين عن اليوم الذي يستردون فيه حقوق هؤلاء الشهداء والمعتقلين يقينهم يقين هاجر يوم قالت إذن فلن يضيعنا.

بأي حال عدت يا عيد؟

ما زالت للقبور ظلمة وللسجون ظلمة والناس فوق الأرض في سجن وتحت الأرض أحرار، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا، وهذا هو الحال تحت الحكم العسكري رددها كثيرون من قبل إن لم نستطع العيش فوق هذه الأرض بكرامة فلندفن تحتها بعزة.

هذا هو الحال يا عيد فليت العيد لم يأتِ ليهيج الصدور بذكرى الأحبة وليجري الدمع من جديد في قلوب وعيون الثكالى.

وندائي لكل من يقرأ كلماتي أن توجهوا لهؤلاء الأمهات وهؤلاء الآباء وأولئك الثكالى لا تتركوهم يفقدوا أولادهم وذويهم مرتين، أظهروا لهم أبناءهم في أخلاقكم، ذكروهم بالأيام الجميلة التي قضاها ذووهم في صداقتكم ومرحكم وسهركم وسفركم، شاركوهم هذه الأيام لا تتركوهم حتى لا تكون الفاجعة فاجعتين مرة في أولادهم ومرة في من تركوا الأمل فيهم ليبحثوا عن حق هؤلاء.

في العيد ابحثوا عنهم واطرقوا أبوابهم فربما كان شهيدهم الولد الوحيد أو الأخ العائل أو الزوج الحبيب.

أو الأب الحاني الذي ترك الصغار يقاسون مر الزمان وفرقة الأحباب، شاركوهم ولو بكلمات قلائل فلا تعلمون ما تفعله كلماتكم في قلوبهم.

أخيرًا وقد جاء العيد ولا نرى فيه إلا صور الدم الذي رأيناه ولن ننساه ما حيينا فلنعاهد الله أولًا ولنعاهد هؤلاء الأسر على الصمود في وجه الظلم ولو بالقليل من العمل، ولنسارع لمن قدموا فلذات أكبادهم حسبة لله دون انتظار الثمن إن الله اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة.

اسألوا عن أحوالهم المادية وابذلوا المال فهم أحق الناس بأموالكم وليس غيرهم ممن يؤيدون الدم والقتل ويتمنون لكم الزوال.

ادخلوا بيوتهم واملؤوها فرحة ولا تجعلوا أولادهم يظنوا أن الفرحة قد ماتت بموت أبيهم، فأبناء الشهداء أنتم أملهم بعد أبيهم.

ولا يبقى إلا أن ننتظر وعد الله ليخلصنا من تلك العصابة المجرمة التي لا ترقب في مؤمن إلًّا ولا ذمة.

ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبًا وكل عام أنتم بخير وعيدنا القادم بإذن الله في الأقصى وقد حرر وبلادنا قد عادت وحررت وانتصر الحق وزهق الباطل، وعاد رئيسنا الشرعي المنتخب إلى قصره مكرمًا عزيزًا ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا.

وكل عام والأحرار في كل مكان بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد