في شهر مايو من العام الماضي، أصدرَ مركزُ المعلومات ودعم اتخاذ القرار، التابع لمجلس الوزراء المصري تقريرًا يشير إلى احتلال مصر المركز الأول عالميًّا في نسب الطلاق بين المتزوجين. حيث يتردد كل عام ما يقرب من مليون حالة طلاق على محاكم الأسرة بمصر، وهو ما يعني وقوع 240 حالة طلاق يوميًّا، أي بمعدل عشر حالات طلاق كل ساعة، كما بلغ إجماليّ عدد حالات الخلع والطلاق عام 2015 ربع مليون حالة، بزيادة 89 ألف حالة عن عام 2014. ويستمر التقرير في رصده الأرقام الصّادمة، حيث يضيف أن نسبة الطلاق ارتفعت من 7% إلى 40% خلال الخمسين عامًا الأخيرة. (1) (2) (3) (6)

من جانبهم، استعرض علماء الاجتماع والنفس واستشارو العلاقات الزوجية الأسباب المحتملة لارتفاع نسبة الطلاق إلى هذا الحد؛ بعضهم يعزي أسباب الانفصال إلى الأوضاع الاقتصادية للأسرة، والخلافات السياسية التي انتشرت مؤخرًا، بينما أشار آخرون إلى أسبابٍ أخرى من بينها عدم الإنجاب، وفرق السن ما بين الزوجين، وعدم التوافق في العلاقة الحميمة. في هذا المقال، نستعرض سويًا لا أسباب الطلاق، بل كيف نفكر –نحن المصريين– في الزواج، وذلك من خلال تحليلٍ لُغويّ لعدد من النصوص مصدرها مواقع التواصل الاجتماعي، علّنا نجِد حلًّا لمشكلة الطلاق إذا استطعنا أن نفهم طريقة تفكيرنا في الزواج، من خلال نافذة اللغة.

في عام 1980، نَشر كلٌّ من جورج لايكوف، ومارك جونسون كتابَهما الأكثر شهرةً «الاستعارات التي نحيا بها» Metaphors we live by والذي لاقى صدى كبيرًا بين أوساط علماء اللغويات المعرفية، وعلوم الإدراك. يقدّم الكتاب نظريّة معرفية تهتم بدراسة الإدراك عن طريق اللغة، أطلق عليها الكاتبان «الاستعارة المعرفيّة». تنص النظريّة، ببساطة شديدة، على أنّ جزءًا كبيرًا من تصوّرنا للمفاهيم والتجارب والسلوكيات ذو طبيعة مجازية (استعارية)، أي أنّنا لكي نستطيع أن نستوعبَ أي مفهومٍ في مجالٍ ما نقوم باستعارة مجالٍ آخر يعيننا على فهمه. الخطورة في هذه النظرية، تكمن في أنّنا نُفكِّر ونتصرّف فعلًا بناءً على هذه الاستعارات. (4) (5)

فنحنُ، على سبيل المثال، نعامل الوقت (مفهوم في مجال) كالمال (مفهوم في مجال آخر)، فنضيّعه أو نستثمره أو نستغله. كما أنّنا ننظر إلى الجدال على أنّه حربٌ ضروس، فتصيب انتقاداتنا الهدف، ونهدم الحجج، وننتصر في النقاشات، ونُسقِط البراهين، ونهاجم نقاط الضعف، ونخوض المعارك الأدبية والفكرية. إذا ما نظرنا إلى مفهوم «الجدال» في أحاديثنا اليوميّة، سنجد أننا في الواقع نتكلّم عن حرب لا عن محادثة. ولكي يوضّح الكاتبان فكرتهما أكثر، يدعوان القارئ إلى تخيّل ثقافةٍ تنظر إلى الجدال على أنّه رقصة، يهدف طرفاها إلى إنجاز الرقصة على أفضل شكل ممكن. في ثقافة كهذه، سينظر الناس إلى الجدال على أنه شيء مختلف، ويمارسونه بطريقة مختلفة، فلا صراعات أو منازعات تحكمهم. بل يهدفون جميعًا إلى أن تخرج مناقشاتهم بشكل يُسعد الناس.

مثال توضيحيّ آخر، إذا ما نظرنا إلى التعبيرات التي تدُل على السعادة سنجد أنّها دائمًا تشير إلى اتجاه «أعلى»، والتعبيرات التي تدُل على الشقاء تشير إلى اتجاه «أسفل». فمثلًا نقول: «أنا في قمة السعادة، حديثك رفع من معنوياتي» إذا ما كُنا سعداء، بينما في حالة الشقاء نقول: «إنني مُنهار، هو يغوص في الشقاء، لقد سقطت معنوياتي». ورُبّما إذا أخذنا في الاعتبار الفضيلة والرزيلة من المنطلق ذاته، لوجدنا أنّ الفضيلة موجودة بالأعلى، والرزيلة موجودة بالأسفل، حيث نقول: «هو رجلٌ فوق الشبهات، هي امرأة ذات مشاعر راقية (أو) هذا مجرمٌ منحط وساقط، وأنا لن أنزل إلى هذا المستوى الدنيء، هي فتاةٌ سقطت في عيون الناس».

باستخدام هذه النظرية، نُحلّل عددًا من النصوص التي تم الحصول عليها عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وعددًا من المُدوّنات المعنية بأمور الزواج. وصل مجموع كلمات هذه النصوص إلى ما يقارب مائة وعشرة آلاف كلمة، وتم استخدام عددًا من البرامج لتحليل هذه النصوص، واستخراج العبارات الدالة على الزواج فقط، ثم بدأت عملية التحليل. (8)

أولًا: الزواج تجارة

لعلّ أشهر مقولة تتردد على ألسنة المصريين حين ترد سيرة الزواج هي «الزواج قسمة ونصيب». إذا ما نظرنا إلى الكلمتين، «قسمة» و«نصيب»، سنجد أنّهما تم استعارتهما من مجال «التجارة» –حتى وإن كان للكلمتين دلالة دينية– ولكن ما علاقة الزواج بالتجارة حتى نستعير منها كلمات للتعبير عن مفهوم الزواج؟ يتضح من خلال التحليل أنّ معظم أحاديثنا عن الزواج تدور في الإطار ذاته. إذ ينظر الشباب، عيّنة الدراسة، إلى «والد العروسة» بصفته البائع، و«العريس» بصفته المشتري. الأمثلة التالية توضّح كيف يفكّر عددٌ كبيرٌ من الشباب، ذكور وإناث، في الزواج:

• ملحوظة: الأمثلة التالية تم اقتباسها من مواقع التواصل كما هي دون تحريف لذلك قد توجد بعض الأخطاء الإملائية.

  1. «الجواز فى مصر عباره عن صفقه بتتم بين ابو العروسه والعريس». (شاب)
  2. «ليه الجواز في مصر عباره عن تجاره اللي معاه فلوس اكتر يشيل البنت». (فتاة)
  3. «الطلاق وتشريد العيال نتيجة طبيعيه جدا لجواز واحد عنده 32 من بنت عندها 17 سنه .. هو لسه فى حد بيتجوز بالطريقه دى بيعه وشروه والبايع خسران». (فتاة)
  4. «الجواز في مصر عبارة عن اختيار عائل تاني يشيل هم البنت بدل أبوها مش أكتر». (شاب)
  5. «أنا في المرحلة دي مستعدة أتجوز أي كائن متعدد الخلايا مادام هينشلني من فترينة الجواز». (فتاة)
  6. «اصل بصراحه السوق نايم اوي اليومين دول وأديك شايف محدش لاقي عرسان». (فتاة)
  7. «الجواز بالنسبالي بقا مشروع زي اي مشروع تاني في الزمن ده يحتمل الخسارة و الربح فلازمله دراسة جدول». (فتاة)

على الرغم من أنّ كل هذه الأمثلة تتحدّث عن استعارةٍ واحدة «الزواج تجارة»، إلّا أنّها في مضمونها تشمل مُتغيرات كثيرة، فإذا ما نظرنا إلى المثالين (1) و (4) سنجد أن للآباء دورًا كبيرًا في تيسير –أو عرقلة– الزواج. فكما نرى يتم تصوير الآباء على أنّهم تُجار يبيعون بناتهم للمشتري «العريس»، وبالطبع التاجر يبيع لمن يدفع أكثر. بينما تشير استعاراتٍ أخرى مثل (3، 5) إلى دور المجتمع والعادات في معالجة قضية الزواج، حيث تنتقد المُدوِّنة صاحبة المثال رقم (3) تقاليد المجتمع التي تجعل من الزواج تجارة يخسر فيها البائع، وينتج عنها الطلاق وتشرُّد الأطفال. وفي المثال الخامس، أصبحت المرأة سلعة تُعرَض في واجهات المَحال في انتظار من «ينتشلها».

ثانيًا: الزواج رحلة

إذا سألت أحد أصدقائك (أو إحدى صديقاتك) عن سبب عدم زواجهما، ربما يجيبك قائلًا: «ما زلتُ أبحث عن بنت الحلال (أو ابن الحلال)». إحدى أهم الاستعارات التي تكلّم عنها لايكوف وجونسون في كتابهما هي: «الحياة رحلة»، والزواج ركنٌ أساسي من أركان الحياة. طبقًا لتحليل النصوص عيّنة الدراسة، ينظر الشباب إلى الزواج باعتباره رحلةً ذات عدّة مراحل مختلفة، يبحث فيها كل طرف عن الآخر آملين في تحقيق غرض ما. ويشعر الكثيرون أن هذه الرحلة تبدأ «فعليًّا» بعد أن يصبح الزوج «أبًا» والزوجة «أمًا». الأمثلة التالية توضّح المراحل المختلفة للزواج كما يراها الشباب المصري:

  1. «الجواز هو الانتقال من مرحلة بابا مش موافق الي مرحلة معلش جوزي مش موافق يعني مجرد تغيير في زعيم المعارضة». (فتاة)
  1. «الجواز مش انك تلاقى الشخص المناسب الجواز هو انك تكون الشخص المناسب». (شاب)
  2. «الجواز فى مصر عبارة عن واحدة سابت اللى بتحبه و وافقت على عريس جاهز اللى حبيبته سابته برضه و أتجوزت واحد تانى عشان مكانش جاهز ساعتها».
  3. «احب اقول لك ان الرجالة ممتوش ولا حاجة بس الحقيقة انهم عقلوا شوية على الاقل فى موضوع الجواز وبطلوا يدورا على عرايس». (شاب)
  4. «دي اًكتر فتره محتاجه تفكير ودراسه علشان تودينا لأسعد فتره ف حياتنا اللي هي الجواز». (فتاة)
  5. «ان الجواز والبيت والولاد طريق من طرق الحياه». (فتاة)
  6. «صدقوني ناس كتير اتجوزت وابتدت طريق التعاسه مع الجواز». (فتاة)

يتضح من هذه الأمثلة أن الزواج عبارة عن رحلة يسعى المسافرون فيها إلى الوصول إلى هدفٍ ما. يتضح ذلك من خلال الكثير من الكلمات المُستعارة من مجال الرحلات مثل (الانتقال – تلاقي – يدوروا – تودينا – طريق).

ثالثًا: الزواج عقبة

ربما اختلف الشباب والفتيات في نظرتهم إلى الزواج في الاستعارات السابقة، بينما يبدو وأنّهم قد قرّروا التوافق حول كون الزواج «عقبة/ مشكلة/ أزمة». الخوف من المجهول، وعدم القدرة على التنبؤ بما يمكن أن يحدث، لهما أثرٌ كبير على أفكار ومشاعر الشباب، ذلك بخلاف العديد من المُتغيرات الأخرى مثل الحالة الاقتصادية، والوفاء والخيانة. الأمثلة التالية توضّح الصورة بشكل كبير:

  1. «انا بقيت بترعب من فكرة الجواز بسبب اللي انا بعيشه في الخطوبه». (فتاة)
  2. «وعلى فكرة موضوع الجواز مش مشكلة عند البنات بس والرجلة كمان عندهم نفس المشكلة». (شاب)
  3. «والله العظيم انت عقدتني ف الجواز ، ده ايه الارف ده ؟ كل الرجاله خاينه وتافهه وسلبيه ، كل اللي متجوزين عايشين ف نكد كده». (فتاة)
  4. «يا لهوي حتى المرضات عندهم أزمة في الجواز».(فتاة)
  5. «الشباب اليومين دول (الذكور يعنى) بقوا يخافوا من الزواج». (فتاة)
  6. «ولو تعرفى تكلمى دكتور نفسى فى عقدة الجواز يبقى احسن». (فتاة)

بالنظر إلى هذه الأمثلة، نجد أن الزواج أصبح ليس فقط مجرد عقبة؛ بل أمرًا يخشاهُ وينفر منه الشباب. في المثال الأول، تُعلِّل إحدى الفتيات قلقها من الزواج بسبب ما تعانيه أثناء فترة الخطوبة. الأمثلة (2)، (3)، (4) تشترك جميعها في اعتبارها الزواج مشكلة أطرافها هم البشر، وليست الظروف. وفي المثال الخامس، صُوِّر الزواج على أنّه حيوانٌ شرس، أو أمرٌ مخيف ينشر الزعر في قلوب الشباب. وأخيرًا، في المثال السادس، أصبح الزواج عقدةً تتطلب علاجًا نفسيًّا.

رابعًا: الزواج استقرار

على الرغم من أنّ الصورة، حتى الآن، تبدو سوداوية إلى حدٍّ ما، إلّا أنّه هنالك دائمًا ضوءٌ في نهاية كل نفق. قامت إحدى الصفحات على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بعمل استقصاء رأي الغرض منه معرفة ما يمثّله الزواج للشباب في مصر. من بين 227 مستخدمًا أجابوا على الاستقصاء، أكّد 47 مستخدمًا، أي ما يقرب من 21%، أن الزواج، بالنسبةِ لهم، يمثل الاستقرار. ومن الممكن أن نعتبر هذه الاستعارة امتدادًا لاستعارة «الزواج رحلة»، حيث الاستقرار هو المرحلة الأخيرة من هذه الرحلة. وكان من بين ردود من يرون في الزواج استقرارًا:

  1. «الجواز استقرار وتقريبا اهم محطات الحياه علي الاطلاق». (شاب)
  2. «الجواز موده ورحمه واستقرار وحب وهنا وسعادة بزوج محترم حنين». (فتاة)

خامسًا: الزواج في الأمثلة المصرية

لا شكّ أن الزواج شغل حيّزًا كبيرًا في الأمثال المصرية، والتي أصبحت نبراسًا يهتدي به المتزوجون. بالعودة إلى الاستعارة الأولى، والأكثر قسوةً، «الزواج تجارة» نجد أن بعض الأمثال التي تجري على ألسنة الكثيرين تحمل الصورة الذهنية ذاتها. فعلى سبيل المثال «اطبخي يا جارية كلّف يا سيدي». في هذا المثل، الأمر أكثر تعقيدًا، فلم يعد الأمرُ عملية بيع وشراء فقط، بل انحدر إلى اعتبار الزوج (المشتري) «سيّد» والزوجة (السلعة) «جارية». والمثل الشهير «يا واخد القرد على ماله»، أصبح المُشتري (الزوج) حيوانًا لا يُرضى به إلا لماله فإذا نفد ماله لم يعد له أدنى قيمة. وهناك المثل الشهير «بمالك وفلوسك بنت الأكابر عروسك». بينما استعارت بعضُ الأمثال الأخرى من الطعام الكثيرَ من الكلمات لوصف الزواج، منها على سبيل المثال: «الزواج مثل البطّيخة– زيتنا في دقيقنا».

يعتقد الكثيرون أن «زواج البنت سُترة»، وأنّه «ضل راجل ولا ضل حيطة». يكشف المَثَلان الكثير مما يؤمن به عدد كبير من الشباب. فالمثل الأوّل يتناول نظرة المُجتمع إلى الفتاة باعتبارها كائنًا ضعيفًا من السّهل أن يُصبح عُرضة لأحاديث الناس، والزواج هو الحل الأمثل لحمايتها وصون سمعتها! ويؤكِّد المثل الثاني الصورة الذهنية ذاتها؛ لا شيء أهم من وجود رجل في حياة المرأة لحفظها وحمايتها.

في أحد الأمثال التي تم استعراضها في استعارة «الزواج تجارة»، لخّصت إحدى الفتيات موضوع هذا المقال في جُملةٍ واحدة. وهي أنّ الطلاق وتشرُّد الأطفال نتيجةٌ طبيعية لزواجٍ مَبنيّ على أُسُس مَعيبة، وما بُنِي على بَاطِل فهو بالضرورةِ باطِلٌ. وعليه، إذا مَا أرَدْنا مُعالَجة قضيّة الطّلاق، فلا بُد أن نعالج رؤيتنا للزواج أوّلًا. الأمثلة التي تم عرضها في المقال، أمثلة حقيقية، يقولها الشباب والفتيات بصورةٍ يومية، وتتحكم فِعليًّا في طريقة تفكيرهم، وسُلوكيّاتِهم المُتعلِّقة بالزواج. وَفِي النِّهاية، طَالَمَا كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ شَيءٍ يَتَعَلَّقْ بِالإِنْسَانِ، فَكُلُّ شَيءٍ نِسبيّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد