يهوى المصري تعذيب نفسه بنفسه، خاصةً إذا ضاقت ذات اليد وزاد التضخم. يتساوى في هذا الكبير والصغير، الرجل والمرأة، الريفي والحضري، الفلاح والصعيدي، المسلم والمسيحي، سواسية كأسنان المشط غالبًا في حب أشياء تافهة تضر أكثر مما تنفع. وهذه قائمة غير شاملة ودائمة التوسع لما يهوى المصريون أن يعذبوا به أنفسهم بأنفسهم.

❖ عند الزواج، يقتني المصري نيشًا يعلم أنه لن يستخدمه إلا مع كبار الضيوف أو الغرباء الذين سيحاول التملص من زيارتهم لأنه لا يقوى غالبًا على وضع طعام ذي قيمة يليق بالأطباق والأطقم الفاخرة التي يخرجها من النيش. أم تراه سيضع «جوافة» في طقم يتعدى سعره ألف جنيه؟! ومع هذا، تستمر رحلة البحث عما يليق بالنيش من أطقم وأكواب وملاعق وأطباق من أحجام وبراندات مختلفة شهورًا طويلة وربما سنوات، ليكتشف من يطول بهم العمر وهم ينظرون لنيشهم الثمين وقد أدركوا وهم على باب الخمسين أو الستين أنهم ما استخدموا هذا النيش إلا مرات معدودة، نادمين على تعبهم وعلى المكان الذي احتله النيش على مدى كل هذه السنوات. ولكن، مع ظهور عريس لبنتهم، إن ظهر في هذا الزمن، تراهم يسألون بشغف وعيونهم بها بريق أقرب للطمع منه للسؤال «طب والنيش، هتجيبه منين؟» لتبدأ بعد شرائه رحلة عبثية جديدة في محاولة لتعبئته وكأن شيئًا لم يحدث.

❖ يوفر المصري ما يستطيع توفيره ويعمل في وظيفتين أو ثلاث ليشتري سيارة بمائة ألف جنيه (مثلًا) ليذهب لعمله الذي يعطيه راتبًا لا يتجاوز ألفي جنيه!

❖ يبيع المصري الغالي والرخيص ويقترض من «طوب الأرض» أو من البنوك ليسكن في شقة كبيرة، مع أن مساحة شقته التي لا تعجبه تسكن فيها أسرة أكبر في مدن أغنى بكثير في دول متقدمة أكثر بكثير من مصر. ألم يسمع هذا المصري الأصيل عن شقق لا تزيد عن ستين مترًا في طوكيو ولندن وتعيش بها أسر في حجم أو أكبر من أسرته؟ ولكن كيف؟ لا يوجد لدى هذه الأسر نيش، ولا يحبون الاحتفاظ بدليل على كل مرحلة في حياتهم ولا شواحن أو علب هواتفهم القديمة، وليس لديهم سوى أربعة كراسي تُستخدم في كل شيء وليس كما هو الحال في المحروسة التي يحرص أهلها على اقتناء سفرة وصالون وأنتريه وركنة، كما أن تلفازًا واحدًا يكفي الأسرة كلها دون حاجة لآخر في غرفة النوم، ولا داع لـ٣٠ فوطة و٢٠ طقم سرير، إلخ….

❖ زادت أسعار الكهرباء خمسة أو ستة أضعاف.. لا يهم. المهم هو أن يحافظ المصري الأصيل على معدل استهلاكه فالـ ٢٠ سبوت في الصالة شيء لا يمكن الاستغناء عنه، ونور الحمام والمطبخ وغرف النوم والصالة والبلكونة لابد أن يُترك مضاءً طيلة الوقت حتى يعلم الناس أن البيت مسكون بالبشر لا بالجن. أما الديب فريزر فقد صار ضرورةً حياتية، وترك التلفاز مفتوحًا أثناء الأكل والمذاكرة واستقبال الضيوف لا يقل أهمية عن كي الملايات. وبالنسبة للتكييف، فيجب أن يظل على ٢٠ طيلة وقت النوم مهما طال، وليس مهمًا أن ينتج عنه آلام الظهر ومغص البطن.

❖ من يتابع الأفراح في الأفلام المصرية القديمة ويقارنها بالأفراح التي نشاهدها هذه الأيام يلاحظ أن زيادة التضخم في مصر تتناسب طرديًا مع زيادة البذخ. فصالة الشقة التي كانت تُقام فيها حفلة الزفاف لم تعد كافية لتنتقل لنادٍ ثم إلى فندق كبير. وكوب الشربات لم يعد كافيًا كذلك، واستبدل أولًا بزجاجة (حاجة ساقعة) ثم (كان) ثم (كان مع قطعة جاتوه) ثم (أوبن بوفيه) يقدم وجبات كاملة. يحدث كل هذا ولا يتوقف عن التطور والتوسع مع زيادة كبيرة في عدد المعزومين الذين تزداد سخريتهم من فستان العروس، ورداءة الطعام، وسوء المطرب أو الفرقة التي أحيت الفرح.. إلخ، وكأن العريس يدفع كل ما بجيبه ويستدين ليدعو أناسًا ليسخروا مما فعل!

❖ غالبًا ما تبدأ الدراسة في نهاية سبتمبر من كل عام، فإن المصري يهوى اشتراء الكتب الخارجية قبل الدراسة بأشهر طويلة ثم يشتري كتب المدرسة مرغمًا، أما مذكرات الدروس الخصوصية فهي قص ولصق من الكتب الخارجية لكنها ضرورة بقاء في مجموعة (المستر) ولابد أن تُشتَرى. وقبل نهاية الفصل الدراسي، تظهر كراسات المراجعة الخارجية وشيتات المراجعة النهائية للمستر، وهذه ضرورية لطمأنة (الواد والبت) بأن الأسرة لا تبخل بشيء، وكأن تكديس هذه الكتب والمذكرات والشيتات ضمانة للفهم والتفوق، مع أنها عامل مشتت في أغلب الأحيان؛ بل قد تحول الطالب لكائن «يحمل أسفارًا» دون أن يدرك الفروق بينها. رفقًا بأولادكم.

القائمة السابقة غيض من فيض لا تتسع له هذه المساحة القصيرة. وحقيقةّ، لا أدري متى يدرك المصريون أنهم يضيعون أعمارهم ويحرمون أنفسهم من الاستمتاع بالحياة، بل ينقلون للأجيال الصغيرة ثقافة تقوم على إضافة قيمة لتوافه الأمور فتتحول التوافه لديهم لأساسيات تتضخم عددًا وحجمًا بما يفوق قدرات البشر العاديين الشرائية فيشيع الإحباط بين الشباب بسبب شيء غير ضروري. فمتى نفرق بين الضروريات والكماليات لتعود للحياة طبيعتها ولتعود لنا البركة في المال والوقت والجهد؟ عسى أن يكون قريبًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد