في الساعات الأخيرة من يوم الجمعة الموافق 15 يوليو (تموز) 2016 تم تناقل العديد من الأخبار التي تؤكد وقوع انقلاب عسكري في تركيا، الحقيقة أن وقوع هذا الانقلاب بهذا الشكل المفاجئ المباغت قد شكل صدمة للكثير من المتابعين، وما بين الأخبار المتناقضة المتباينة التي تناقلتها وسائل الإعلام والقنوات الإعلامية والإخبارية العالمية والإقليمية المختلفة، بات المصريون أمام شاشات التلفاز وهم يتابعون على الهواء مباشرة تفاصيل ومجريات وقوع الانقلاب وتطوره وكيفية تصدي الحزب الحاكم له، وكيف استطاع رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان أن يعيد السلطة في البلاد إلى يديه مرة أخرى بعد ساعات معدودة من انفلات زمامها وانتقالها بشكل مؤقت إلى يد الانقلابيين.

المصريون الذين تابعوا الموقف التركي بكل شغف، انقسموا بحسب أيديولوجياتهم الأصيلة ما بين معارض ومؤيد لهذا الانقلاب، محبو السيسي والنظام السياسي القائم حاليًا باركوا تحرك عسكر تركيا واعتبروه جزاءً وفاقًا على عنجهية وغطرسة الرئيس التركي وتدخله الدائم في شؤون مصر الداخلية.

أما الإخوان ورافضو انقلاب 30 يونيو، فقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وشعروا وكأنما قد أحيط بهم، بعدما أحسوا بإرهاصات سقوط معقل الإسلام السياسي الأخير القائم في إسطنبول.

كان من الطبيعي أن تستدعي الذاكرة الجمعية لكل من الفريقين مشهد ثورة/انقلاب 30 يونيو (حزيران) 2013، وكان من الطبيعي كذلك أن يقارن كل من الفريقين بين موقف الأمس الماضي والمشهد الحالي الراهن، ومع تسارع الأحداث في إسطنبول وأنقرة كان كل من الفريقين في مصر يحاول بمنتهى القوة أن يؤول المشهد للتدليل على صدق رأيه أو موقفه، حتى لو تطلب ذلك لي عنق الحقيقة أو التجاوز عن الكثير من الحقائق أو اليقينيات التي من المفترض أن نسلم بها.

على سبيل المثال، نجد أن الإخوان قد أشادوا بموقف الشعب التركي الرافض للانقلاب – وهو موقف يستحق التقدير والاحترام علي كل حال – وأرجعوا هذا الموقف إلى أن نسبة المتعلمين في تركيا تتعدى 95% من تعداد الأتراك، كما وجد هؤلاء فرصة في الغمز والتشنيع على المؤسسة العسكرية المصرية، عندما قالوا بأن ميزانية التعليم في تركيا أكبر من ميزانية الجيش والتسليح في إشارة مبطنة معترضة على ميزانيات الجيش الكبيرة في مصر تلك التي قد تزيد عن ميزانية الدولة على اختلاف مؤسساتها وأجهزتها.

فعلى سبيل المثال يقول أحد رواد مواقع التواصل الاجتماعي ويدعى (علاء حكيم): «لما حصل انقلاب في تركيا اللي نفع أردوغان ودعم موقفه ميزانية التعليم مش ميزانية التسليح».

ويؤكد (إبراهيم علي) على تلك الفكرة قائلاً: «فرق بين ميزانية اتصرفت على التعليم وميزانية اتصرفت على الجيش والسلاح».

 

ما فات هؤلاء أن التعليم لم يكن هو النقطة التي حولت اتجاه الانقلاب في تركيا، بل تمثلت تلك النقطة في الوعي، والفارق بين التعليم والوعي كبير ومتسع.

فالمشهد في 30 يونيو ظهر به المدرس والمهندس والطبيب والأستاذ الجامعي، وهؤلاء – من المفترض – أنهم من الطبقات التي تحمل تعليمًا راقيًا مميزًا في مصر، فلو اعتبرنا أن التعليم هو نقطة الفصل الرئيسية فلماذا كان (رد فعل) الأتراك المتعلمين مخالفًا لـ (فعل) المصريين الذين هم على نفس المستوى التعليمي تقريبا؟

الحقيقة، أن إدراك ووعي الأتراك بما يمثله الانقلاب وبما قد ينتج عنه من نتائج هو الذي شكل مفترق طرق حقيقي للمشهد التركي، الأتراك الذين عانى آباؤهم من تبعات عدد من الانقلابات المشابهة – لعل أشهرها وأكثرها صدامية وعنفوانًا هو الانقلاب على رئيس الوزراء نجم الدين أربكان في عام1997 م – عرفوا أن نجاح الانقلاب العسكري الحالي هو في الحقيقة إعادة للماضي وإرجاع لعقارب الساعة إلى الوراء، ولذلك آثروا أن يدافعوا عن شرعية النظام المنتخب، لأن دفاعهم عن ذلك النظام هو في واقع الحال دفاع عن حريتهم واختياراتهم السياسية التي تتسق بشكل كامل مع النظام العلماني الذي ينص عليه الدستور التركي.

معنى ما سبق أن الأتراك قد استفادوا من الأحداث والوقائع التاريخية السابقة التي وقعت في تاريخهم القريب، وأن استجابتهم للحدث الراهن تثبت حجم ما تختزنه العقلية الجمعية التركية من وعي وإدراك بمسارهم التاريخي وباللحظة التاريخية الفارقة التي يعيشون فيها.

أما مشهد 30 يونيو (حزيران) 2013، فلم يكن من فيه من الأساس يحملون هذا القدر من الوعي والإدراك، فبغض النظر عن تعليمهم ومستوياتهم الثقافية والاجتماعية، فإنهم لم يربطوا بين اللحظة التي هم فيها من ناحية وأي أحداث تاريخية من ناحية أخرى.

 

وإذا كان الخلط ما بين التعليم والإدراك هو المغالطة الأكثر فداحة التي وقع فيها مؤيدو اأدوغان من المصريين، فإن كارهيه قد وقعوا في مغالطة (نظرية المؤامرة) واستدعاء الآخر (الأمريكي) إلى المشهد والزج به بأي طريقة ممكنة لتبرير أحداث الانقلاب ومآلاته وكيفية إفشاله والقضاء عليه.

فمؤيدو السيسي الذين انتهزوا الفرصة وأعلنوا الشماتة بشكل واضح على مواقع التواصل الاجتماعي بكل طريقة ممكنة، فوجئوا بعد ساعات قليلة بسيطرة الرئيس التركي المنتخب على البلاد واستعادته للسلطة وإحكام قبضته عليها.

هنا كان لزامًا على أتباع هذا الاتجاه أن يجدوا تبريرًا يفسر كيفية ما حدث، ولأن العقلية العربية الإسلامية عموما ممهدة بطبيعتها لتقبل نظريات المؤامرة، ولأن الخلفية الفكرية لأصحاب الاتجاهات الوطنية والمؤيدة للقومية وللمؤسسات العسكرية تجد دائمًا في القوى الإمبريالية عدوًّا منطقيًّا ومتربصًا على الدوام.

فإن هؤلاء سرعان ما نسجوا بعض القصص المثيرة للسخرية عن كون الانقلاب كله كان لعبة وتمثيلية اخترعها أردوغان لتدمير خصومه السياسيين والفتك بهم.

تقول (أمل أحمد) وهي طبيبة بشرية مؤيدة للسيسي: «عندي إحساس قوي أن موضوع انقلاب تركيا ده كله تمثيلية مدبرة من ديكتاتور متغطرس عشان يقتل ويشيل شوية من معارضيه بكل ثقة وعلى عينك ياتاجر …. أكتر من ألفين قاضي يشيلهم ليه وفي ساعات هل تأكد بهذه السرعة من تورطهم أم هي نية مبيتة لمن عارضوه في أشياء كتير فرضها وفساد اكتشفوه في ابنه».

ويؤكد هؤلاء أن أمريكا هي التي نسقت مع أردوغان ورتبت معه منذ البداية حتى تؤول الأمور إلى ما آلت إليه في نهايتها، ويستدل هؤلاء ببعض الأدلة الواهية التي لا تصمد أمام النقد العقلي ولا التحقيق الجاد.

فمثلا تقول دكتورة جامعية تدعى (هدى محمود): «نزلت طائرة أردوغان في قاعدة إنجرليك الأمريكية في جنوب تركيا، وحدث قبلها اتصال بين أردوغان وأوباما على الهاتف عبر الطائرة كما ذكرت الواشنطن بوست، طلب أردوغان من أوباما السماح بنزول طائرته في القاعدة الأمريكية، بعدها بلحظات تدخلت 12 طائرة F16 مجهولة في سماء أنقرة وإسطنبول وأسقطت مروحيات الجيش التركي».

 

إذن فنحن أمام نظرتين مختلفتين متباينتين لنفس الموقف ونفس الأحداث، ورغم أن كلا من الفريقين يرى الأحداث نفسها إلا أن كلا منهم قد وضع على عينيه نظارة داكنة لا تسمح إلا بمرور ما ينسجم ويتسق مع الرؤية المسبقة لصاحبها، تلك النظارة هي الموقف من مشهد 30 يونيو (حزيران) 2013 في مصر، فبنظارة 30 يونيو (حزيران) شاهد المصريون وحللوا وحكموا على مشهد 15 يوليو في تركيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد