إن للمؤسسات الإعلامية فلسفتها الخاصة التي بنيت عليها في بدايتها، وكذلك في مناهج استخدامها متأثرة بتلك الفلسفات والمناهج في التطبيق بطبيعة المجتمع وثقافته وتركيبته الخاصة ومدى أهميتها على الرأي العام؛ مما أدى إلى استخدامها من قبل الحكام والمحكومين للتأثير في اتخاذ القرار السياسي، فكانت للمؤسسات الإعلامية أهميتها خاصة في مجال السياسة الخارجية، فكان له دور بارز في التأثير على النظام الدولي.

تساند وسائل السياسة الخارجية بعضها البعض في سعيها لتحقيق الأهداف الموضوعة، وفيما يتعلق بالإعلام الدولي فإنه يعكس أساسًا الأوضاع القائمة أي أنه إذا كانت الأوضاع العسكرية والسياسية والاقتصادية في الدولة المعنية، بالإضافة إلى وسائلها المختلفة للسياسة الخارجية قوية وفعالة بوجه عام، فإن الإعلام يعكس هذه الأوضاع، ولكن هذا لا يقلل من قوة الإعلام الدولي في حد ذاته من حيث تخطيته وتكتيكاته وأساليبه ومتابعته مع خصائص مستقبل الرسالة الإعلامية. وكلما كانت السياسة الخارجية مبنية على أسس دقيقة وعلمية وتتبع طرقًا ملائمة في صناعة القرارات من خلال مؤسسات متطورة ووسائل فعالة، كلما ساعد ذلك الإعلام الدولي بصفته يعبر عن هذه الأوضاع، ويقوي جوانب القوة فيها، ويقلل من مواطن  الضعف.

وتزداد أهمية الإعلام الدولي كوسيلة من وسائل السياسة الخارجية بالنسبة للدول الكبرى حيث تتزايد مصالح هذه الدول على المستوى الدولي ويتزايد دورها في السياسة الدولية، ولذلك فإنها تعمل على تقوية الوسائل المختلفة لسياستها الخارجية في سعيها لتحقيق مصالحها.

وتوجه الدول التي تعاني من قضايا حساسة – كالاستعمار الاستطاني الصهيوني في فلسطين والنظام العنصري في أفريقيا الجنوبية – اهتمامًا بالإعلام الدولي في سعيها لتوضيح موقفها وحركتها لمعالجة هذه القضايا رغم المشاكل التي تواجهها كالتخلف، وهذا يقتضى جهودًا مكثفة لاتخاذ الوسائل الكفيلة بتحقيق التنمية، ولكن الأمر هنا يخضع للأولويات وطريقة ترتيبها والتطورات التي تحدث في هذا المجال، وإذا كان هناك ارتباط بين السياسة الخارجية التي تعد بشكل أو بآخر امتدادًا للسياسة الداخلية.

كما يمكننا القول إن هناك ارتباطًا بين الإعلام الداخلي والإعلام الدولي، فقد تقدمت الدولة بالإعلام الداخلي، وتركز على مسائل معينة للاستهلاك المحلي، ولكن قد يضر ذلك بالإعلام الدولي، وذلك بقيام وسائل الإعلام كوكالات الأنباء بنقل هذه المسائل إلى مختلف أنحاء العالم الأمر الذي قد يضر بسياسة الدولة المعنية، ويرجع ذلك إلى التطور في وسائل الاتصال وإلغاء الحواجز بين الدول.

وكلما كان الإعلام الدولي متماسكًا بزمام المبادرة وسريعًا في حركته ومتطورًا مع الظروف، ومستمرًا على مر السنين كلما كان أكثر فعالية من غيره، إلا أن المحصلة النهائية تتوقف على دور الوسائل الأخرى، ومدى قدرة الدعاية ومدى تأثير الاعتبارات المتعددة على المستقبل الأجنبي للرسالة الإعلامية، وهذا يثير رد فعله تجاه هذه الحملات الإعلامية؛ لأن الحملات الإعلامية قد تهدف إلى تحقيق أغراض معينة، ولكنها قد لا تتحقق كلها، أو جزء منها حسب الأحوال، ووفقًا لرد الفعل المستقبل الأجنبي للرسالة الإعلامية، وذلك لأن الإنسان ليس آلة استقبال تتجه الوجهة التي يريدها القائم بالإرسال، بل إنه كائن مفكر يخضع لعدة مؤثرات تحدد استجابته من عدمها.

وقد يكون الإعلام الدولي فعالًا في مجمله، ولكنه يبدأ بعد فوات الأوان الأمر الذي يقلل من فعاليته، وقد يكون الإعلام الدولي مشتملًا على عناصر متماسكة، ولكنه يواجه دعاية دولية قوية تساعدها عوامل تاريخية وبشرية ولغوية، ولها إمكانات متعددة؛ الأمر الذي يقلل من قوة الإعلام الدولي.

إن المؤسسات الإعلامية في حاجة إلى إمكانات اقتصادية كبيرة، وهذا يوضح الفرق بين الدول الغنية والدول الفقيرة من حيث قدرتها على استعمال الوسائل الإعلامية المتطورة، وهذا يساهم في تفسير قوة دعايات الدول الكبرى، ويصرف النظر عن مدى موضوعية الحجج التي يلجأ إليها.

لقد أثرت وسائل الإعلام على أعلى سلطات الدولة، ألا وهي السلطة القضائية، وليس هذا إلا إرضاءً للرأي العام. إن متخذي القرار يضعون نصب أعينهم على الرأي العام وأهميته وأهمية وسائل الإعلام في التأثير عليه، ويدلنا التاريخ على محاولات القادة، إما للسيطرة على أصحاب الرأي، أو لاستمالتهم في محاولة منهم لعدم إثارة هذا الرأي عليهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد