يعد الوزن شرطًا أساسيًّا، ليس فقط في الشعر العربي، بل في شعر أغلب اللغات الحية والبائدة، والأمم وإن اختلفت في تعريفها للشعر، بل في الفنّ عمومًا، فإنّنا لا نكاد نُطالع كتابًا أو دراسةً أكاديميةً بأي لغة حية إلّا ونجدها مقسومة إلى وزنٍ وقافية، فشعر اللغات الأخرى موزون، ولكن بطرق تختلف من لغة لأخرى، ونستعرض في هذا المقال المأخوذ – بتصرف – عن كتابنا «صنعة الشعر العربي: تأثير الحضارة والثقافة» طرق وزن الشعر الأكثر انتشارًا في لغات الغالم المختلفة.

الشعر العربي

يقوم وزن الشِّعر العربي على علاقة معقدة تربط السواكن والمتحركات من الأحرف داخل الجملة الشِّعرية الواحدة، ممّا يُنتج للجملة لحنًا غنائيًّا ما، هذه العلاقة نظّمها الخليل الفراهيدي لاحقًا، وأسس بناءً عليها «علم العَروض»، الذي عني بدراسة أوزان الشّعر العربي، وتمييز التغييرات الجائزة فيها عن غير الجائزة.

الوزن الشعري في اللغات الأخرى

يجري تقطيع الشِّعر في اللغات الأخرى بأساليب مختلفة عمّا ألفته العربية، ومن الممكن حصر هذه الأساليب بنوعين أساسيين يندرج تحتهما بعض الأنواع الفرعية مع بعض الاختلافات الثانوية، التي تحفظ خصوصية كل لغة وتتواءم مع خصائصها الصوتية، والنوعان الأساسيان من التقطيع العروضي يُدعيان بـ«العروض النوعي» و«العروض الكمّي».

يعتمد العروض النوعي على عدد «المقاطع الصوتية»، والمقطع الصوتي هو مجموعة من الأصوات المتتابعة التي تُنطَق معًا، فتشكل وحدة واحدة نستطيع الوقوف بعد نطقها، ويجب أن تحتوي على حرف متحرك، ويقوم عروض بعض اللغات بإحصاء هذه المقاطع في الجمل الشعرية، مثل اللغتين الفرنسية والبولندية، اللتين تتكوّن الجملة الشعرية فيهما من عدد ثابت من المقاطع الصوتية على طول القصيدة أو المقطع الشعري، ويسمى المقياس بعدد المقاطع الصوتية، مثل المقياس ثماني المقاطع، أي الذي تحتوي كل جملة شعرية فيه على ثمانية مقاطع.

ومن الممكن تقسيم المقاطع الصوتية إلى «منبورة» و«غير منبورة»، والمقطع المنبور هو المقطع المُشدَّد أو المُفَخَّم الذي يجري التركيز عليه عند النطق، وبعض اللغات تحصي المقاطع المنبورة في الجمل الشعرية، وتبني على ذلك عروضها، مثل اللغة الإسبانية والبرتغالية، والتي تتكون الجملة الشعرية فيها من عدد ثابت من المقاطع الصوتية المنبورة على طول القصيدة أو المقطع الشعري، بغض النظر عن العدد الكلي للمقاطع، فتكون القصيدة مثلًا رباعية المقاطع المنبورة، في حين تحتوي الجمل الشعرية على عدد متفاوت من المقاطع الصوتية.

فينتج اعتمادًا على هذا التقسيم نوعان من العروض النوعي، أحدهما يُعنى بإحصاء المقاطع الصوتية، والنوع الآخر يُحصي المقاطع الصوتية المنبورة، وهناك نوع ثالث يحصي كليهما، مثل العروض الإنجليزي.

أمّا العروض الكمّي فيعتمد على طول المقاطع الصوتية، وليس عددها مثل العروض النوعي، والمقاطع الصوتية من حيث الطول نوعان؛ طويل وقصير، ومعيار تصنيفها هو الوقت اللازم لنطقها، فالمقطع الطويل يحتاج وقتًا أطول لنطقه، ثمّ تصطف هذه المقاطع بترتيب معين يحكمه المقياس لتكوّن «الخطوة»، فالخطوة هي سلسلة من المقاطع المرتبة بشكل معين من حيث طولها، وتقابل «التفعيلة» في العروض العربي، والجملة الشعرية هي ترتيب معين لهذه الخطوات، وهذا الترتيب يتْبع «مقياسًا» معيّنًا، فالمقياس هو الوعاء الذي يحوي الخطوات بشروط معينة يفرضها، وغالبًا ما تكون هذه الشروط مرتبطة بالعدد، كأن يحتوي المقياس على عدد ثابت من الخطوات، فالمقياس يقابل «البحر» في علم العروض العربي، والقصيدة تتْبع مقياسًا واحدًا غالبًا، ومن اللغات التي تستخدم العروض الكمي اللغةُ اليونانية، واللاتينية، والسنسكريتية، والصينية.

أمثلة من لغات مختلفة

اللغة الفرنسية

تنتمي اللغة الفرنسية لعائلة اللغات الهندوأوروبية، وتحديدًا فرع اللغات «اللاتينية» – أو «الرومانسية» – ويقوم نظام الوزن الشعري فيها على عدّ المقاطع الصوتية دون الالتفات إلى كون المقطع منبورًا أو لا، وهذا ما يختلف مع العديد من اللغات الهندوأوروبية، والتي تراعي هذا الشرط، ولعل سبب الاختلاف أنّ الأصوات الفرنسية لا تحتوي على مقاطع منبورة بشكل كبير ومؤثر.

ظهرت اللغة الفرنسية القديمة بهوية مستقلة عن اللاتينية في القرن التاسع الميلادي، وشهد القرن الثاني عشر للميلاد نهضة أدبية أثرت في القصيدة الفرنسية، ومنذ ذلك الحين – القرن الثاني عشر – وهي محافظة على الشكل الكلاسيكي لها، وهو أن تتكون القصيدة من عدد من المقاطع الشعرية، وكل مقطع فيه عدّة جُمَل شعرية، والجمل الشعرية في كل مقطع شعري يتساوى فيها عدد المقاطع الصوتية، ومن الدارج أن تتساوي كل جمل القصيدة أيضًا في عدد المقاطع الصوتية، وتُعَدّ القصائد ذات المقاطع الثمانية أو العشرة أو الاثني عشر – القصيدة التي تحتوي جملها الشعرية على اثني عشر مقطعًا صوتيًّا تُسمى أليكساندرين – هي الأكثر رواجًا.

اللغة اليونانية

اللغة اليونانية لغة هندوأوروبية، من مجموعة اللغات «الهيلينية»، وهي أقدم لغة هندوأوروبية حية، إذ يزيد عمرها عن 3 آلاف عام، وهي لغة الحضارة اليونانية – الإغريقية – صاحبة التأثير المهم في أوروبا والعالم، والشعر اليوناني هو نتاج هذه الحضارة التي قادت العالم علميًّا وفنيًّا في القرون الأولى للميلاد.

والشعر اليوناني يعتمد على نظام الوزن الكمي – وهو النظام الذي يُبنى على ترتيب المقاطع الصوتية من حيث طولها ثم تنظيمها مشكلةً الخطوات – والخطوة في الشعر اليوناني إمّا (مقطع صوتي طويل، مقطع صوتي طويل)، وإما (مقطع صوتي طويل، مقطع صوتي قصير، مقطع صوتي قصير)، وتتبع تسمية المقياس عددَ الخطوات، فالشعر سداسي الخطوات – مثلًا – يمكن أن تكون الجملة الشعرية الواحدة فيه كالتالي:

طويل، طويلǀ طويل، طويلǀ طويل، قصير، قصير

طويل، طويلǀ طويل، قصير، قصيرǀ طويل، طويل

ومن الممكن استبدال مقطعين قصيرين بالمقطع الطويل في معظم الحالات، فتصبح الجملة الشعرية السداسية مثلًا:

طويل، قصير، قصير ǀطويل، قصير، قصير | طويل، قصير، قصير

طويل قصير، قصير | طويل، قصير، قصير ǀ طويل، طويل

وقد اشتهر أيضًا المقياس الخماسي، وفيه تترتب المقاطع في كل جملة شعرية كالتالي:

طويل، قصير، قصير | طويل، طويلǀ طويل

طويل، طويلǀ طويل، قصير، قصير | طويل

وبعض الشروط مرنة، إذ يُعد تحديد طول المقطع الصوتي مثلًا أمرًا إشكاليًّا؛ فقد يكون المقطع نفسه طويلًا في مواضع، وقصيرًا في أخرى، والمقطع الأخير يجب أن يكون طويلًا، فحتى لو كان قصيرًا بطبيعته، فإنّه يُحسب مقطعًا طويلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد