إنها تلك النكتة القديمة التي أعتقد أن أغلبنا قد سمعها من قبل، يبدأ راوي النكتة بإخبارك عن فتاة تعيش بمفردها في شقتها، ثم يرن تليفون المنزل وترفع السماعة لتسمع هذه الجملة «أنا الرجل ذو اليد الملطخة بالدماء، أنا هجيلك بعد سنة».

ويستمر الراوي في إعادة هذه الجملة ليقول «أنا هجيلك بعد 11 شهر» ثم 10 شهور وهكذا حتى في الشهر الأخير يقول بعد 30 يومًا ثم 29 يومًا وهكذا.

والهدف من هذا الأسلوب السخيف في السرد هو في ظاهره تشويق أو رعب، ولكنه في الحقيقة وكما يعلم الراوي والمتلقي، هو أسلوب «للرخامة» فقط.

قد يكون تكرار هذه النكتة على مسامع الكثير من الناس أحد الأسباب التي جعلت منا جميعًا غير عابئين بحقيقة أن تكون اليد ملطخة بالدماء «أنا مقتنع بنظرية تأثير الفراشة التي سأتركك تبحث عنها إذا لم تكن تعرفها».

إن التكرار العبثي لأي شيء يفقده رونقه وقوة تأثيره، حتى وإن كان الحديث عن شيء عظيم مثل الحب أو الوطن أو حتى الموت.

إنها اللامبالاة التي تتسلل إلى أعماقنا لتحول كل شيء يتكرر إلى «عادي، مش جديد، اتعودنا على كده»، وأصبح أغلبنا ينظر لهذا الرجل «ذي اليد الملطخة بالدماء» على أنه شيء عادي وطبيعي وانتقلنا من الغضب ومحاولة العقاب للرفض والاستنكار ثم التعود والصمت لأنه أصبح شيئًا مكررًا.

لكن أعتقد أن أغلبنا قد نسي حقيقة قد يكون من المفزع عدم إدراكها، وذلك بسبب تكرارها المستمر، وهي أن جميعنا هو ذلك الشخص «ذو اليد الملطخة بالدماء».

اعتمادًا على نظرية تأثير الفراشة

«أنا الرجل ذو اليد الملطخة بالدماء» الذي تعودت الكذب أمام ابني واستخدمته أيضًا في كذبي على الآخرين طالبًا منه أن يكذب لكي يخرجني من موقف محرج، فعودته الكذب الذي أدى به أن يكذب لأتفه الأسباب على أصدقائه وزوجته ومديره في العمل ويقول «كله تمام» ليخفي تقصيره في العمل الذي قد يكون صيانة لجهاز طبي أو محطة مياه يتسبب بالضرورة في الكثير من الدماء.

«أنا الرجل ذو اليد الملطخة بالدماء» الذي صف سيارته في وسط الطريق ليؤخر سيارة الإسعاف، وأنا الذي زاحم في مترو الأنفاق ليدفع الناس من حوله ليدهسوا في طريقهم شيخًا كبيرًا كان يحاول أن يركب، وأنا الذي سار في الطريق العكسي لأهرب من الزحام، وأنا الضابط الذي تركه يمر بعد التفاهم على مبلغ مناسب لغض البصر.

«أنا الرجل ذو اليد الملطخة بالدماء» الذي لم يحرك ساكنًا للدفاع عن فتاة يتم التحرش بها ولو لفظيًا حتى أصبح سيرها في الشارع عبئًا نفسيًا عليها سيجعلها تنفجر في أي لحظة لتنتقم وتسيل المزيد من الدماء.

«أنا الرجل ذو اليد الملطخة بالدماء» الذي خاف أن يشتكي ضابطًا فاسدًا أو موظفًا مرتشيًا وآثر أن يكمل طريقه غير عابئ بما سيحدث بعد مغادرته طالما لن يؤثر ذلك عليه، حتى لو كان آخذًا لحق مواطن آخر أو قتلاً في محاولة لانتزاع اعتراف.

«أنا الرجل ذو اليد الملطخة بالدماء» لأني علمت أبنائي أن يسمعوا الكلام فقط بدون نقاش، وأن السؤال «هو ربنا إزاي مش بيموت «حرام» هو إزاي الراجل والست لما بيتجوزوا بيجيبوا ولاد «عيب»، السؤال عن كل حاجة هي بتحصل ليه وإزاي «قلة أدب ورغي ع الفاضي والولد المؤدب ميسألش كتير ويسمع الكلام من غير ميقول ليه وإزاي» ثم نقنعهم بأن الكلام على الأكل حرام ومن لم يطع الأوامر سيظهر له أمنا الغولة وأبو رجل مسلوخة، وأن التلميذ المتفوق هو من يحفظ كل ما يتلى عليه في الفصل بدون نقاش ثم يعيده في الامتحان بدون فهم.

فأصبح من الطبيعي الحصول على أشخاص سهل جدًا إقناعهم بأي شيء، سيصدقون أن جسد الكلب كله نجس قولاً واحدًا لا خلاف فيه، وأن اتباع المرأة للجنازة يحرمها من أن تشم ريح الجنة.

ثم يصدقون أن «النصارى/ الإخوان «جميعًا أعداء» للمسلمين/ الوطن «وأنه يجب عليك أن تكره أي «مخالف لك في العقيدة/ الرأي السياسي» لأنه تهديد مباشر على «دينك/ سلطتك».

ثم يصدقون أن الدفاع عن» الإسلام/ أمن الوطن «يبيح لك قتل أي «مخالف للدين/ معارض للسلطة». وأن الجهاد في سبيل «الدين/ الوطن» يبيح لك ترك قنبلة في مكان تجمع للناس وقتل بعض الأبرياء من أجل الإعلان عن قوتك أو رفضك للسلطة/ اختلاق عذر يعطيك الحق في القبض على أي مخالف لك بتهمة الإرهاب».

«أنا الرجل ذو اليد الملطخة بالدماء» الذي ارتكب كل مخالفة وجريمة وسكت عن حق ولم يلتزم بنظام ولم يكن قدوة لجيل قادم، ولم يتقن عمله، ولم يتعلم ويفهم ويفكر ويناقش ليتجنب أن تتلطخ يده بالدماء.

لعلنا في حاجة الآن أن نبحث عما يمكن أن يطهر أيدينا من كل هذه الدماء ونحاول أن نصلح ما أفسدناه بأنفسنا.

نحتاج أن نفهم، أن نقرأ، أن نتعلم، أن نقول الصدق، أن نواجه الظلم، أن نكون القدوة.

لعلنا نفعل كما فعل الرجل في النكتة عندما دق جرس الشقة بعد عام كامل من الاتصال ليسأل الفتاة سؤالاً واحدًا «ممكن أغسل إيدي؟».

فبراير 2015

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد