يخيل للبعض أن توجيه بناء المادة المنشورة خلال هذه الأسطر هو الحديث عن العلاقة بين الجنوب والشمال، لكن الواقع أن الحديث يشمل كامل اليمن بدون استثناء، فنحن نتحدث عن صناعة بلد موحد من قبل اتفاقية الطائف الحدودية مع المملكة العربية السعودية حتى الحدود البحرية مع سلطنة عمان قبل ترسيمها. وعليه يتوجب على البرلمان اليمني سرعة الانعقاد والموافقة على ميثاق روما لمحكمة الجنايات الدولية، وكذلك إبطال معاهدة الطائف مع السعودية، إذ وقع اليمن عليها بتاريخ 28 ديسمبر (كانون الأول) 2000 أي اتفاقية روما، وعلق البرلمان التصديق عليها بجلسة 24 مارس (آذار) 2007. الذي يمهد للانضمام الفوري لمثل هذه الاتفاقية، ما يجعل سرعة إنجاز تشريع وطني يجيز التحقيق وملاحقة مرتكبي الجرائم ضمن نطاق اختصاص المحكمة ضرورة وطنية ملحة، وذلك بعد ثلاث سنوات من الحرب الأهلية في اليمن، والتدخل الخليجي العسكري مع نهاية 2017. لكن تظل القضية الجنوبية، وأراضي جيزان ونجران وعسير وظُفار اليمنية جوهر الحديث.

عـدن بموجب خرائط المملكة المتحدة البريطانية تعد مركز المواني الدولي، وفي ذات الوقت مركز الخدمات اللوجستية العالمية وعلى رأسها الطيران، وكرد فعل لعدم قبول اليمنيين ببريطانيا تحولت نحو إمارة دبي في الإمارات العربية المتحدة، والتي تعد مكلفة لعدة اعتبارات: السبب الأول: يقابل سواحل الشريط الساحلي الممتد من عدن حتى ذباب في تعز مناخ بارد، يساعد على خفض كلفة تخزين البضائع في أجواء حارة جدًا، وهذه لا تحققها دبي ولا غيرها. السبب الثاني: أن البواخر العملاقة إذا أفرغت حمولتها في ذات الشريط الساحلي معرض الحديث هنا فإنها ستوفر 30%- 40% من كلفة الشحن والتأمين البحري. كذلك اشتراطات الأمن والسلامة للملاحة البحرية والجوية أكبر ما يمكن في ذات الموقع معرض الحديث هنا، بناء على دراسات إنجليزية قديمة، وكذلك أمريكية حديثة لشركة نور سيتي.

كانت وما زالت أبرز العوائق التي تواجه عـدن منذ مفاوضات ومباحثات إعادة تحقيق الوحدة اليمنية هي ثقافة السلاح والإقصاء المتطرف التي مصدرها الشمال، بما فيها عدم تمكين النخب المتميزة من أبناء يافع الساحل لإدارتها، وغيرها من النخب الإدارية الجيدة من ريف عدن. ليس هذا فحسب؛ بل عدم تسليم ملفها الأمني للنخب المهذبة من أبناء قبائل الصبيحة، والتي تعد نموذجًا رائعًا للانضباط الأمني غير المؤدلج.

عدن تحقق كل مواصفات واشتراطات العاصمة العالمية المثالية بنصف قطر 31 ميلًا (تقريبًا 50 كم) في كذا اتجاه، ومساحات تطوير وتشييد سواحل الشمال والجنوب اليمني في ذات الوقت، بالإضافة إلى الترام والمترو باحتساب مساحات امتداد تخطيط تنموي صناعي وحضري بري ساحلي لمديريات محافظات أبين ولحج وتعز. فهي تمتلك فضاءً رحبًا يوفر الأمن والأمان لسكانها عند الكوارث وفق حماية عالمية ودولية، بما في ذلك حضور قبائل طوق تمتلك ثقافة الانقياد للدولة المدنية، بخلاف ما هو حاصل في أمانة العاصمة صنعاء مع الأسف الشديد.

إلى هنا تم الحديث عن أبرز مداميك الإبقاء على بلد موحد يعتمد على عـدن عاصمة لكل اليمنيين، ووضع حد نهائي لثقافة الاستبداد والإقصاء المتطرف التي يمارسها الشمال كـحلفاء 7/7 سنة 1994 عبر الضم، وثقافة السلاح، وثقافة نشر الأزمات والجماعات الإرهابية والميليشاوية، وإفشال الدولة.

ملحوظة: حلفاء 7/7 مكون يشمل قيادات الرئيس الراحل علي عبد الله صالح «المؤتمر الشعبي العام»، وقيادات الجنرال علي محسن صالح الأحمر، والرئيس التوافقي عبد ربه منصور هادي، وحزب التجمع اليمني للإصلاح «إخوان مسلمين»؛ إذ منذ اجتياح حلفاء 7/7 للجنوب والإرهاب والجماعات الإرهابية حاضرة بقوة.

كدولة يمنية موحدة لا بد وأن يتم معالجة ملف المخزون النفطي في اليمن، وملف الحدود اليمنية السعودية، وكلاهما وجهان لعملة واحدة، نظرًا إلى بطلان اتفاقية الطائف، ومعها بطلان اتفاقية ترسيم الحدود اليمنية السعودية، وكذلك البحرية العُمانية لأن كل القضايا السابقة محل استهجان شعبي عارم. كون هذا قرارًا شعبيًّا سياديًّا عبر عنه في ثورة 11 فبراير (شباط) 2011، وعلى النظام الديكتاتوري الذي أدار اليمن حينها، ليتم إنقاذه بالمبادرة الخليجية التي كانت مرفوضة شعبيًّا. وكل ما سبق وصل بنا إلى مثل هذا الحال، وأمر واقع من حرب أهلية، ونزاعات مسلحة تدار من الخارج اليمني، وما تنظيمات داعش والقاعدة عنا ببعيد.

بقراءة واقعية، فإن حرب الاستنزاف التي يشهدها اليمن ما بين السلطة الشرعية والانقلاب، هي مكسب خليجي بوقف عملية التنمية في اليمن، فكل سنت يخسره اليمنيون يعود بالفائدة لمصلحة دول الخليج وفق هكذا حقائق، والحديث عن النفط والغاز والمواني ورسوم العبور الملاحي وما خفي كان أعظم.

بحسبة بسيطة، نجد أن تدمير حجر في بيت يمني يقابله بناء حجر في بيت خليجي، وهذا الوضع هو الذي يفسح المجال لإيران بوصفها لاعبًا إقليميًّا في سيناريوهات الهدم ضمن البيت اليمني نكاية بدول الخليج، والتي أدارت ظهرها لإيران المتواجدة في سوريا والعراق ولبنان وجزر الإمارات لتقوم بمواجهتها عسكريًّا في اليمن.

تقتضي الدولة الموحدة بأن تنقل دول الخليج صراعها مع إيران خارج اليمن، وهذا ما يجعلنا نعيد طرح ملفات المخزون النفطي المشترك مع السعودية، وكذلك الحدود اليمنية مع عُمان والسعودية كورقة ضغط تجبر دول الخليج على الانسحاب من اليمن بكل فاعليها القدماء والجدد، ووفقًا لشروطنا نحن اليمنيين.

الدولة الموحدة في اليمن مطالبة بأن تعالج موروث اليمن من جرائم انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة، وذلك عبر مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية، والتي تكون أساس أي عقد اجتماعي يمني جديد. ولذلك فلا شرعية اليوم إلا شرعية العدالة الاجتماعية التي تقلل من حدة تعكر المزاج الجنوبي الرافض للوحدة اليمنية.

يمثل تسويق وإعادة تدوير قيادات شمالية وجنوبية منتهكة لحقوق الإنسان، وقد ثبت تورطها بجرائم حرب، جوهر عكورة المزاج الشعبي الجنوبي بشكل خاص، واليمني كله. بما في ذلك محاذير الترويج لجماعة الحوثي بأنها غير يمنية عربية، وذات مشروع غير وطني، وذات الأمر محاذير ترويج أن استعادة دولة الجنوب مشروع غير وطني.

بالفعل هذه محاذير صناعة بلد موحد في اليمن، لأنها تجعل من قضايا يمنية وطنية بروباغاندا جريمة سياسية، وخصوصًا عندما يتطور الأمر لترويج شعار «الوحدة أو الموت»، فالقضية بأن الجميع من اليمن، لكن هناك فئة على مدى عقود تكرس ثقافة التطرف الأعمى لتقصي الهاشمية في اليمن، وكذلك تريد إقصاء مكونات جنوبية، وهي غالبية، وتجريدها من حق استعادة دولة ما قبل 22 مايو (أيار) 1990.

ملحوظة: تحول جماعة الحوثي وما ينسب إليها في الشمال، وكل مكونات القضية الجنوبية إلى مكونات سياسية أبرز مداميك بناء وصناعة يمن موحد.

قانونيًّا، العدالة الاجتماعية لا بد وأن تأخذ مجراها مع الجميع، بما فيها صفحاتهم الجنائية منذ تأسيس الوحدة اليمنية. لا مفر اليوم من وضع الجميع تحت طائلة القوانين النافذة في اليمن، والتي تعتبر كل من حرض على أعمال العنف والقتل في اليمن مجرمًا ويعاقب بذات الجرم التي أرتكبها القتلة أنفسهم. تلك الصورة تكشف أن العدالة الاجتماعية ستقصي عددًا كبيرًا من الفاعلين السياسيين في اليمن الموحد. الأمر لن يتوقف على هكذا إجراءات؛ بل يمتد لمحاسبة المشمولين بالحصانة أثناء التوقيع على المبادرة الخليجية وسلوكهم بعد التوقيع، والقاضي بوقف النشاط السياسي والأمني والعسكري داخل اليمن أو خارجها.

ملحوظة: المشمول بالحصانة أثناء توقيع اتفاقية المبادرة الخليجية، جميع القادة الذين عملوا مع الرئيس الراحل علي عبد الله صالح بعد تحقيق الوحدة اليمنية، وهم ركن أساس في التدخل الخارجي على اليمن وقتل اليمنيين، وتسليم مؤسسات الدولة اليمنية لجماعات ميليشاوية إرهابية.

كذلك جرائم القتل التي ارتكبها طيران دول الخليج في اليمن تعتبر ضمن سياق مفهوم العدلة الاجتماعية، والتي تتماهى مع جرائم الحرب التي ارتكبتها ميليشيا الانقلاب في اليمن. فالأصل أن قوات التحالف العربي تتوقف عند استكمال إعداد جيش وطني، وإعادة تأهيل القواعد العسكرية اليمنية والطيران الحربي. الواقع يؤكد أن لا ذاك ولا ذاك تحقق بخلاف قتل مستمر للأبرياء في اليمن بحجة إعادة السلطة الشرعية. وخير دليل هو أن أخطاء الطيران الحربي الخليجي تجاوزت الحد المسموح به، وفقًا لكل بروتوكولات قواعد الاشتباك المباشر المتعارف عليها دوليًّا.

أخص بالذكر واقعة النصب التذكاري للجندي المصري المجهول في ضاحية عصر بصنعاء، والتي أودت بحياة أسرة كاملة مكونة من تسعة أفراد، ووفقًا لمحاضر جمع الأدلة والاستدلالات، بناء على شهادات عدد كبير من سائقي المركبات المتواجدين في موقف محطة عصر للنقل البري لمدينتي الحديدة والمحويت، فقد تم استهداف منزل حارس القبر المصري بعدد من الغارات لطيران دول الخليج ما بين 7:35- 8:10 بتوقيت صنعاء صباحًا. لتتضح الصورة بأنها جرائم قتل لمجرد القتل بحق أبناء الشعب اليمني، ومعها لا بد وأن تتطور الإجراءات وخطوات ضبط وقائع جرائم الحرب على كل أطراف النزاع المسلح في اليمن، بكل الوسائل القانونية والقضائية.

يجب أولًا: البث في كل الدعاوي الجنائية ضد كل منتهكي حقوق الإنسان في اليمن، وعلى رأسها الأفراد، والكيانات والمؤسسات، والجماعات، والدول المسئولة عن هكذا جرائم. بما فيها جرائم التحريض بموجب قـرار جمهوري يمني بقانون رقم 12 لسنة 1994 بشأن الجرائم والعقوبات والنص الصريح للمـادة 22: يعد محرضًا من يغري الفاعل على ارتكاب جريمة، ويشترط لمعاقبته أن يبدأ الفاعل في التنفيذ، ومع ذلك تجوز المعاقبة على التحريض الذي لا يترتب عليه أثر في جرائم معينة.

ثانيًا: لصناعة يمن موحد يجب وضع حل نهائي لمفهوم الاستبداد والاستعمار، وثقافة السلاح والإقصاء المتطرف والجريمة السياسية؛ بل حملة تطهير تام لموروث وسياسات النظام بشقيه الحاكم والمعارض، والذي أوصل اليمن إلى ما وصل إليه سواء كان منفردًا أو بشركاء من خارج اليمن، أو وفقًا لأجندات استعمارية خارجية وداخلية انتقامية من قرارات الشعب اليمني التاريخية في أي مرحلة.

ثالثًا: تطبيق تشريع أركان الجرائم لمحكمة الجنايات الدولية، والتي اعتمدت من قبل جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في دورتها الأولى المنعقدة في نيويورك خلال الفترة من 3 إلى 10 سبتمبر (أيلول) 2002، علمًا بأن اليمن وقع على هذا التشريع في 28ديسمبر 2000؛ لكن لم يقره البرلمان اليمني حتى الآن.

اختصارًا للوقت والجهد، فالجنوب اليمني يقبل بالحكومة المدنية؛ بينما الشمال والإقليم هو المطالب بحسن نواياه نحو إدارة حكومة مدنية، وليس قبلية بقناع مدني كذوب. كل ما في الأمر نظام حكم مدني ينقاد له الشمال قبل الجنوب. نظام يخلق فرص العمل والوظائف والاستثمارات والتنمية الصناعية الساحلية. دولة تؤسس على الساحل وليس تطوق في الجبال.

ولا حل إلا وفق أجندة نظام وقانون تؤسس لوحدة جديدة تجمع كل اليمنيين. تنهار فيها شرعية القادة السلطويين وذوي صفحات جنائية وإجرامية سياسية، وكل أشكال الصفقات الاستبدادية السياسية القائمة على المحاصصة، وإنهاء ثقافة مكافئة المؤيدين وقمع المعارضين، وإنشاء حملة تأثير مجتمعي تقوم على الوعي، والوعي بأهمية بناء ثقة مشتركة بعقد اجتماعي مدني صدوق ومسئول، يلتف حوله كل اليمنيين في الشمال والجنوب.

يحتاج اليمن إلى وحدة اجتماعية قبل الوحدة السياسية، يحتاج اليمن إلى وحدة قلوب قبل وحدة الحدود.

يحتاج اليمن الواحد إلى وطن بدون وصاية ملوك ومشايخ الخليج، ومعها تصبح حوزات طهران عدمًا.

اليمن الموحد هو قالب مجتمعات منظمة مدنية بدون إقصاء متطرف، يمتثل للنظام والقانون فقط لا غير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الحكومة المدنية لجان جاك روسو
عرض التعليقات
تحميل المزيد