يختلف الناس في طرائق النظر والقدرة على الفهم والاستيعاب بالخلق (الفطرة)، وهذا يعني أن طرفي الخلاف قاصران إجمالًا وبنسب متفاوتة عن إدراك حقيقة الأشياء محل الخلاف، وأن قدرتهما على الإحاطة الكلية بالحيثيات والمعطيات ذات الصلة تظل ناقصة، وفي المحصلة يرى كل منهما من زاوية ما، إلى هنا يبدو الأمر طبيعيًّا، ولا يترتب عليه أي مشكلة طالما أن الطرفين يدركان ذلك.

لكن غير الطبيعي يتمثل بعدم إدراك نفر غير قليل منا لهذه الحقيقة، فيظنون أن ما يروه هو الحقيقة بعينها، وهنا تكمن المشكلة، بل الطامة الكبرى، وبسبب ذلك تظهر الشحناء والضغائن والعداوات فيما بيننا، لأن مواقف هذا الصنف من الناس ستعكس ضيق آفاقهم، وضحالة تفكيرهم، واحتكارهم للحقيقة. بيد أن الأمر يزداد سوءًا عندما تطوى دواخل هؤلاء على أهواء ورغبات ومواقف مسبقة، عندها يصبح من الصعب معرفة ما إذا كان الرأي الذي يفصحون عنه تجاه مسألة ما يصدر عن مبدأ أم عن هوى سقيم، وما إذا كان هؤلاء يتحرون الحقيقة بحثًا عن جمالها، أم ينتهزون السوانح للتعبير عما استقر لديهم من مواقف مسبقة.

ثمة سبب جوهري آخر للاختلاف فيما بيننا، وهو ذو صلة بكوننا أمة تعيش على الهامش، وأننا لا نمتلك بعد شخصيتنا الاعتبارية الجامعة، والتي نستطيع من خلالها الإجابة عن سؤال من نحن وإلى أين نسير؟ وأننا ما نزال نراوح مكاننا بحثًا عن ذاتنا التائهة بين الركام، وهي حالة لا يمكن أن يصدر عنها أفراد أو هيئات أو جماعات قادرة على تمثيل الشخصية الاعتبارية الغائبة، ولكل ذلك، سيغلب على سلوكنا ومواقفنا الارتجاف الواضح، وسيغيب عنها الرشد الواثق، إلى حين استرداد مكانتنا التي نستحق.

تغذي دوافع الاختلاف الحاضرة بقوة بيئة النقد والنقد المضاد، وفي اتجاهات مختلفة. من المؤكد أن ممارسة الإنسان للنقد حق محفوظ، وفي المقابل، يتعين على من يمارسه الاستناد لقاعدة مرجعية أو معيار أو مبدأ، وليس لمواقف جهة أو حزب أو أشخاص، وبذلك يجري التفريق بين الأنا والحقائق التي تدور من حولها.

يواجه كثيرون منا معضلة عندما نحاول تطبيق الأفكار النظرية التي نؤمن بها على أرض الواقع، ما يعني أن هناك مساحة ما تفصل بين (س) النظري و(س) العملي، وبالتالي فإن الفجوة بين النظرية والتطبيق تتجلى على مستوى الشخص الواحد لا على مستوى الأشخاص والجماعات فحسب، ولكنك عندما تحاول نقد سلوك الآخرين، فإنك لا تستصحب هذه الحقيقة معك، ما يعني غياب التجرد عن العملية النقدية برمتها.

والتجرد يعني ذهول الناقد عن ذاته وعن رغباته، ومواقفه المسبقة، وتوفر القدرة لديه على تقييم الأمور بعيدًا عن ذلك. وبسبب غياب التجرد، يبدأ معظمنا بالبحث عن الثغرات والنواقص التي تلحق بسلوك الآخر، لا السعي للتقييم الشامل للحدث محل الانتقاد ضمن سياقاته الواسعة. وطالما أن سلوك ومواقف الإنسان لا تعكس صوابًا مطلقًا، يظل هناك مساحة واسعة لنقد ما يصدر عنه، حتى لو كنا نتقبل السلوك إجمالًا، فما بالك لو كان الفعل الصادر عنه إشكاليًّا، ويتم في بيئة بالغة التعقيد، وتتدنى فيها درجة الوضوح والتأكد؟

بناء على ما تقدم، يظل هناك إمكانية نظرية لنقد (تجريح) أي عمل جميل، وفي المقابل يظل هناك إمكانية نظرية أيضًا لتجميل أي عمل مهما كان قبيحًا، وهي إمكانية تؤدي إلى البلبلة وضياع الحقيقة، خصوصًا عندما يكون هناك من يختلف مع الفاعل بصورة جذرية لسبب وبغير سبب، وعندما تركز أدوات الإعلام على تشويش الصورة التي تقع أمام أنظار الناس، ونتيجة ذلك التلاعب بعقل الجمهور.

وفي غمرة ذلك، ينبغي التوقف والتفريق بين النقد المستحق، ذي الضوابط والشروط المعقولة، وبين استفزاز فعل ما – صائبًا كان أم خاطئًا – لهوى مسبق لدى الناقد، ولكل أساس وطريقة ونتيجة.

من المؤسف أن السجالات التي تدور رحاها بيننا كل حين تقوم على أساس تلك الإمكانية لا سواها. وحتى تتضح الصورة سأضرب لذلك مثالًا: لو أن فريقًا حرر المسجد الأقصى لوجدت من يجتهد في تسليط الأضواء على بعض السلبيات المصاحبة، في محاولة لتقزيم واستصغار الفعل، في المقابل لو قام فريق آخر بالتغوط في المسجد إياه لوجدت الناقد ذاته يحاول تجميل الصورة، وينافح عنها، بطريقة تؤكد أن المشكلة في الغالب لا تتعلق بالفعل محل النقد، وإنما في الأسس التي تنطلق منها عملية النقد.

نحن لا نختلف حول قضايا جوهرية على الوجه الأغلب، فضلًا عن ذلك، فنحن غير متفقين على ما هو جوهري وما هو غير جوهري. من هنا، فنحن لا نمارس الاختلاف بطريقة حقيقية، لأن ذلك يتطلب وضوح وعي الأطراف بذاتها، ومعرفة ما الذي تريده.

ولذلك، فالواقع يؤكد أننا لا نختلف حول الحوادث والمستجدات، بل إنها متى ما وقعت كشفت عن مقدار هشاشتنا وعدميتنا. ومن صور تلك العدمية، أن تجد فينا العريان الذي ينتقد نصف العريان لعلة العري، وتجد فينا من يستمرئ تقبيل الكلب من مؤخرته، بينما يندفع بحماسة في انتقاد من يقبل الكلب من فمه. وهكذا دواليك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد