لا شك أن هناك فجوة كبيرة بين الفكر الديني والفكر المادي الذي يحكم العالم الآن. ربما في الماضي اختلف الأمر، حيث كان العالم مليئًا بالفعل بالأساطير والغيبيات فكان تقبله للدين أسهل، وحيث كان العلم الوحيد هو علوم الفلسفة فكان الدين علما مضافا في نفس السياق.

أما الآن فتأخر الدين وصعدت العلوم التجريبية. تأخر الغيب وصعدت المادة، وصار المؤمن هو الشخص الذي لا يفكر أما الذي يفكر فهو شخص حائر بين فكره الديني وعالمه المادي. – ولعل هذا أحد أسباب موجة الإلحاد التي تجتاح العالم العربي الآن خاصة مع قصور الخطاب الديني المناسب – فهل حقا الإيمان بالغيب لا يتطلب عقلا؟ هل بالفعل لا يمكن إثبات الدين بالعقل؟ هل يتعارض العقل مع الدين أو العلم مع وجود إله؟ وترى ما موقف آخر الديانات السماوية ألا وهو الإسلام؟ سنحاول إلقاء نظرة ثلاثية الأبعاد للجسور التي تربط العقل والدين، نبدؤها بأدلة وجود إله ولزوم وجود الدين، ونكملها بإلقاء الضوء على الإسلام آخر الديانات وكيف خاطب العقل وكيف أن العقل يثبت الإسلام.

الإله

– يقال أن هناك ادعاءً واحدًا هو ما لا يحتاج إلى إثبات بل نفيه هو ما يحتاج إلى دليل، ألا وهو وجود رب لهذا العالم إذ أنه لا بديل. جميع الطرق ووسائل البحث تنفي هذا النفي، علميا وعقليا وفلسفيا وغريزيا.

1- علميا

خالف نفي وجود إله قوانين ثابتة

* كقانون نيوتن الأول بأن الجسم الساكن يظل ساكنا والجسم المتحرك يظل متحركا ما لم تؤثر عليه قوة خارجية تؤثر من وضعه. فترى ما القوة التي حركت العالم أجمع من الخمود؟

*وكذلك قانون الديناميكا الحرارية الأول بأن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم. إذن فكيف وجدت الطاقة من الأساس؟

*وكذلك أيضا قانون الديناميكا الحرارية الثاني الذي يؤدي معناه أن العالم في طريقه إلى الموت الحراري عندما تتساوى حرارة جميع الأجسام. وهذا يعني أن الكون ليس أزليا فله نهاية والأهم له بداية وإلا لانتهى منذ آلاف السنين. فكيف بدأ؟

فتلك القوانين تتحدث أنه بلا شك هناك خلق من عدم وأنه بلا شك هناك قوة مؤثرة عاقلة قاصدة في هذا العالم. وأن العالم لم يكن أزليا ولن يظل.

#أما عن نظريات بداية الكون والخلق والتي يستعملها البعض كبديل لوجود إله مع أنها تؤيد الادعاء وتنفي النفي بخصوص وجود الإله.

فمن أقوى النظريات لنشوء الكون حاليا هي* الانفجار الكبير و*نظرية التطور في الأحياء.

ولو سلمنا بصحتها – وهي نظريات ظنية لن تثبت لأنها غير تجريبية – لا تنفي وجود مادة أولى فمن خلقها وقد تركبت وتحركت فمن ركبها وحركها؟

2- عقليا

فالمنطق يؤيد بصراحة فرض وجود قوة عاقلة مؤثرة وراء خلق وتنظيم هذا الكون وتتضاءل بجانب هذا الفرض فرضية أن الطبيعة غير العاقلة نظمت نفسها أو أن للصدفة أثرًا في خلق الخلق وتنظيم الأفلاك وفي التوازن البيئي والعضوي، والأهم استمرار ذلك الاتزان صدفة أيضًا.

3- فلسفيا

-دليل الخلق: فالموجودات غير واجبة لنفسها ولا بد من سبب لوجوبها ولا يتوقف هو على سبب.

-ودليل القصد: أن نظام الكون والأجرام وتكامل الأدوار للعناصر لصنع حياة على الأرض بل وتكامل الأعضاء داخل الجسم والخلايا داخل العضو كي يقوم بوظيفته هو عن طريق القصد والتدبير الذي لا ينتج إلا عن عاقل.

-ودليل المثل الأعلى: وهو أنه ما من شيء كامل إلا وهناك أكمل منه حتى نصل لنهاية النهايات وهو الإله.

4- فطريا

فقد جبل الإنسان وأول سؤال يسأله من خلقني، ومن خلق الكون ومن سخر أسبابه. فحتى لو انتهى أمره بنفي الخلق والخالق إلا أنه لا شك سأل هذا السؤال. بل إن الإنسان لكي يجيب على هذا السؤال مر بأطوار عديدة في العبادة التعددية والثنائية والتوحيد. ولم يختلف في ذلك بدائي عن حديث في أي مكان أو زمان. كما أن الأمور الغريزية التي جبل عليها الإنسان كالأخلاق ومعرفة الخير والشر وغيرها من غير الماديات (الفطرة) مَن زرعها فيه وخلقها به؟

والغرائز التي بداخله بل بداخل كل الكائنات غير العاقلة حتى والتي تولد بها لا تفسير مادي لها سوى وجود مدبر.

#ُ#وحدانية الإله

فمن الأشياء التي تثبت علميا وعقليا وفلسفيا أيضًا هي وحدانية الإله.

1- فعلميا وحدة عناصر الخلق بل مآلها الأخير لعنصر واحد هو الهيدروجين، ووحدة البناء الحي وتركيبه الأصغر وهي الخلية بين كل الكائنات يثبت وحدة الخالق.

5- أما عقليا فلا يتصور وجود مشيئتين لإلهين أو أكثر متحكمين مريدين مختلفين وإلا لظهر خلل وفساد.

أما فلسفيا فنظرية التمانع بمعنى أن وجود كمالين فرض مستحيل يفقد كليهما الكمال.

الدين

قلنا أن السؤال الأول الطارئ على عقل الإنسان هو من الخالق والسؤال الثاني مباشرة يكون لماذا خلقني. وهو السؤال الذي تحاول الفلسفات والديانات إجابته، ولو تسلسلنا في الأمر بشكل عقلي بحت كما في النقاط التالية سنصل لحقيقة مفادها تأييد العقل لوجود دين وتأييده للديانات السماوية خاصة.

1- فلو أخذنا بالمنطق ففرض وجود سبب مباشر وقصد صريح لخلق الإنسان بالذات يتضاءل بجانبه فرض العبث فلا يكاد يرى.

*فمن الثابت علميا أن الكون نشأ قبل الإنسان بآلاف السنين، وأنه سخر بعناية لاستقباله من حرارة وتنفس وغذاء وتنقل ومواد خام… إلخ

*وأيضا من البديهيات أن الإنسان هو الكائن العاقل الوحيد في الكون، وله سخر كثير من الكائنات الأخرى، فالمهندس الذي يبني قصرا بالتأكيد له قصد معين لشخص معين.

2- والإنسان أحوج ما يكون ليعرف ذلك القصد وراء البناء الذي أعد له. فهو كالآلة المصنوعة التي تحتاج لمنهج تسير عليه كما أنه يحتاج لإجابة عن تساؤلاته الأخرى.

هل الموت هو النهاية؟ هل الظلم في الحياة ليس له حساب؟

لذلك تدين الإنسان، وعلى مر التاريخ لم يعرف مكانًا لم يقم فيه دينًا وعبادة، والغريب أن الدين ليس أفيونًا كما يروج له البعض بل هو أعباء وطقوس وقرابين بينما ما أسهل أن يظل الإنسان بلا قيد أو شرط ومع ذلك فضل الإنسان العبادة على الحرية.

6- ولكن المشكلة كانت أيضا فيمن تدين، لأن العقل الإنساني يدرك فعلا وجود إله ورب ولكنه قاصر في معرفة من هو أو معرفة مراده ودينه فالناس تختلف أفهامهم فيما هو معلوم فما بالنا بالغيب والمجهول.

والإله نحن نعلم وجوده ولكن لا نعلمه هو. والحل أن يخبرنا هذا الإله عن نفسه.

-4- وهنا انقسمت المذاهب إلى

#وضعية متحدثة عن مخلوق يعبد ويقدس من أتباعه – وغالبا هو نفسه لم يفعل أو يطلب هذا – وربما أضفوا عليه لمحة سماوية.

#ومذهب للسماء يتحدث عن وجود إله اسمه الله هو الذي أعلن عن نفسه وأرسل رسله.

5- ولما كانت الفرضية الوضعية مستحيلة ولا اتساع للتفنيد، فظل مذهب السماء هو القابل للبحث، خاصة أن قوته تكمن في ذاته كالآتي:

*مذهب تواتر عليه بشر كثيرون في أزمان مختلفة في أماكن مختلفة في كتب مختلفة بما يستحيل معه الكذب. لها نفس الثوابت ورسالات يكمل بعضها البعض.

فكلهم يتحدث عن إله هو الله وعن أنبياء كنوح وإبراهيم وداوود وسليمان.

*وأصحاب الرسالات الثلاث الحالية كانت لهم معجزات أدت إلى أن يتبعهم الأتباع حتى الآن فهي ثابتة بالتواتر. والغيب يصدق بسببين أن يكون قادمًا عن طريق أمين وأن يكون مؤيدًا بالدليل وهو ما تحقق في أشخاص الرسل ومعجزاتهم.

إذن فالعقل يؤيد أيضا وجود دين ويميل إلى الديانات السماوية.

لكن ترى هل حاولت الديانات السماوية إثبات نفسها بالعقل والمنطق؟

والأهم هل العقل والمنطق بل والعلم يشهد لتلك الديانات أم عليها؟ في الجزء القادم نتحدث عن الإسلام باعتباره آخر الديانات السماوية ووريثها وكيف نصل إليه أيضا بالعقل والبحث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد