هل يمكننا أن نستدل على الله بالعقل، أم بالعلم، أم بالشرائع السماوية؟!

منذ بدء الخليقة وظهور الإنسان في هذا الكون، وهو يتساءل عمن أوجده في هذه الحياة، وكلما تقرب أكثر للكون وباقي المخلوقات ازاداد يقينًا بوجود فاعل وخالق لكل هذه الأشياء. ومن ثم بدأ كل يبحث بطريقته عن إثبات وجود الخالق. اتجه الفلاسفة للعقل، واتجه العلماء للعلم والأبحاث، واتجه رجال الدين للأدلة الغيبية والحسية.

هنا نحاول إلقاء الضوء على تلك الأدلة جميعها ليتسنّى لنا أن نتفحصها، ومن ثَم يمكننا ولو بشيء بسيط أن نتمكن من الرد على تلك الشبهات التي تطعن في وجود خالق لهذا الكون وهو الله «عز وجل».

ونظرًا لأن العقل هو منبع التساؤلات وموطن الإشكالات، وجحيم الإنسان على الأرض، فعذاب التفكير وآلامه لا يُضاهيه عذاب، دعنا نبدأ بالأدلة العقلية:

كيف نستدل على الله بالعقل

حينما نُمعن النظر في تصرفاتنا وردود أفعالنا وطريقة حكمنا على الأشياء من حولنا نجد أنها تخضع ـ دون شعور منا ـ بمبدئ بديهي فطري، لا يمكن لأي عقل أن ينكره أو يتخطاه وهو:

«كل حادث لابد له من محدث»

بالطبع، فكل شيء يحدث بعد أن لم يكن ـ العدم ـ فإنه يجب أن يكون له سبب وفاعل؛ فلا يمكن أن يوجد نفسه بنفسه. مستحيل عقلًا! ما دام معدومًا، كيف يكون موجودًا وهو معدوم ليوجد نفسه؟ فالمعدوم ليس بشيء حتى يوجد، ولكن لابد من محدث أو فاعل قام بوجوده.

حدث.. مُحدث.. عدم!

يبدو أن الأمر قد تعقد كثيرًا! لا بأس.. ستتبسط الأمور شيئًا فشيئًا.

بدايةً، دعنا نتفق أنه جميعنا يدرك بالفطرة أن كل شيء يحدث أو قد نجده أمامنا له سبب وفاعل. قطعًا، لا يوجد عقل يقبل بغير ذلك. فهي قاعدة بديهية يستعملها عامة العقلاء والبسطاء في حياتهم دون الحاجة إلى علم أو دراسة أو تفكر.

أي فعل يحدث في الوجود لا بد له من فاعل يقوم به، فتلك من المبادئ العقلية الأولية التي يدركها البشر. ويقول (ابن تيمية) في هذه الجزئية:

«من المعلوم الحادث بعد عدمه لابد له من محدث، وهذه قضية معلومة بالفطرة، حتى للأطفال؛ فإن الصبي لو تلقى ضربةً ما وهو غافل لا يُبصر لقال: من ضربني؟ فلو قيل له: لم يضربك أحد! لم يقبل عقله أن تكون الضربة حدثت من غير فاعل، بل يظل يبحث عمن ضربه».

التأمل في دقة الكون

قديمًا حُكى أن أعرابيًا من البادية سُئل عن وجود الله قال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات امواج ألا تدل على السميع البصير. تالله ما أحسنه من استدلال وما أعجبه من منطق وبيان!

كما يُحكى أيضًا عن أبي حنيفة أنه جاءه قوم فسألوه عن وجود الله، فقال: ما بالكم في سفينةٍ مملوءةٍ من البضائع والأرزاق جاءت تشق الماء حتى أرست في الميناء وأنزلت الحمولة وعادت، دون أن يدبرها أحد؟ فقالوا هذا محال هل يعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنصرف؟ قال: إذا كان هذا محال في سفينة، فكيف يجوز في سماوات، وشمس، وقمر، ونجوم، وجبال، وشجر، ودواب، ومخلوقات كهذه!

لا يمكن لأحد من البشر أن ينكر على الكون هذا الإتقان والإحكام في تفاصيله الدقيقة المذهلة، فالكون يتصف بالدقة والتصميم إلى درجة تصل تبلغ بالعقول حالة من الانبهار والذهول، وتجعلنا نحن البشر نذهب إلى البحث عن فاعل يتصف بالحكمة والقدرة وسعة العلم.

يقول بديع الزمان النورسي في كتابه رسائل النور، النافذة الخامسة عشرة التي بدأها بقول الله تعالى: (اَلذَّي اَحْسَنَ كُلَّ شَيْءْ خَلَقَهُ) (السجدة:7).

قال رحمه الله: «إن كُلَّ شئ قد فصّل على قدًّ قامة ماهيته، تفصيلًا متقنًا، ووُزنَ بميزان دقيق كامل الوزن عليها، ونُظم تنظيمًا تامًا فيها، ونُسق تنسيقًا بارعًا، وصُنع بمهارة، وألبس أجمل صورة، وألطف ثوب، وأبهى طراز، من أقرب طريق إليه، وأسهل شكل يُعينه على أداء مهمته، ووُهب له وجود ينضح حكمةً، لا عبث فيه ولا إسراف. فكل ما في الوجود شاهد ناطق على الخالق الحكيم. وكل منه إشارة واضحة إلى قدير عليم مطلق القدرة والعلم».

وإذا نظر متأمل إلى كل هذا الإتقان والإحكام الذي نرى عليه الكون، فإنه لا يجده ينم على وجود خالق وحسب، وإنما يدل على ضرورة أن يكون الخالق متصفًا بصفات عديدة، العلم والحكمة والمشيئة والقدرة؛ لأن هذا الإتقان يتطلب أن يكون الفاعل على علم شامل وواسع بصفات كل هذا الأجزاء والمكونات التي نراها في الكون، وأن يكون متصفًا بالقدرة المطلقة والسيطرة التامة للتأثير على كل مكون من هذا الكون.

ومن هنا تتجلى لنا بعض التساؤلات والتشكيكات التي قد يطرحها بعض الملحدين وهي قولهم: أن الكون أزلي وليس محدث؛ أى أنه وجد قبل أي شيء! وبذلك لا يحتاج لخالق وهنا نترك العلم هو من يرد عليهم.

كيف نستدل على الله بالأدلة العلمية

كما ذكرنا في السطور القليلة السابقة أن هناك من يقول بقدم الكون وأزليته! أي أن الكون قديم وليس بحادث. وهذا ما يستعصى على العلم تصديقه والإتيان به.

استطاع العلم مؤخرًا من خلال عدة اكتشافات في ميادينه المختلفة إثبات حقيقة أن العالم أو الكون الذي نعيش فيه الآن له بداية ونهاية، فقد كان معدومًا (لم يوجد بعد) ثم انتقل من العدم إلى الوجود، وصار بعد ذلك متصفًا بصفات الوجود. وبذلك ينفي العلم صفة الأزلية للكون ويقر بأنه حادث «ولابد وأن يكون له محدث وهو الله».

الشواهد العلمية على حدوث الكون

  • نظرية الانفجار العظيم

تُعد نظرية الانفجار العظيم من أعظم الشواهد العلمية التي استطاعت أن تُسكت الملحدين وناقدي الأديان، وهي تنص باختصار على أن الكون خرج إلى الوجود نتيجة انفجار عظيم حدث قبل أكثر من 15 ألف مليون سنة، تشكل من خلاها جميع أجزاء الكون الذن نراه الآن.

يقول العالم الفيزيائي (بول ديفيز): «يتفق الفلكيون جميعًا على أن الكون قد جاء إلى الوجود من انفجار عظيم، ووصفه على أنه بمثابة هبه من خالق هذا الكون، فما حدث أثناء الانفجار وبعده من الدقة في قوانين الكون ومقاييسه يستحيل، إلا أن يكون بفعل مدبر حكيم عليم».

  • قانون الديناميكا الحرارية

ينص هذا القانون على أن الطاقة الحرارية لا تنتقل إلا من الأجسام الحارة إلى الأجسام الأقل منها حرارة، ولا يمكن أن يحدث العكس، وبذلك نستنتج أن الطاقة في الكون لا يمكنها أن تسير إلا في اتجاه واحد فقط من الأعلى إلى الأقل حرارة. أي أن الكون لا يمكن أن يكون أبديًا، بل له نهاية!

وبذلك طبقًا لقوانين الديناميكا الحرارية تلك نسنتنج أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيًا، إلا أن تصبح تحت درجة حرارة منخفضة للغاية تصل إلى الصفر المطلق، ويومئذٍ تزول الطاقة وتفنى الحياة.

وذكر أحد علماء الكيمياء: بعد دراسة الذرات والإلكترونات وجدنا أن بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة أكبر والآخر بسرعة أقل. وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية.

وبهذه الأدلة أصبحت فكرة حدوث الكون – له بداية ونهاية – حقيقة علمية ثابتة لدى العلماء، حتى تخطاها أحدهم وذهب لشرح اللحظات الأولى للكون؛ فقام العالم (ستيفن وينبرغ) بتأليف كتابه الشهير «الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون».

كيف نستدل على الله بالأدلة الشرعية

على الرغم من وجود الأدلة العقلية على وجود الله، والتي تسوقنا إليها الفطرة السليمة التي فطرنا الله عليها، إلا أن النصوص الشرعية في الإسلام اهتمت بهذه الأدلة كثيرًا وحرصت على تكرارها والتنبيه عليها.

فنجد في قوله تعالى: «أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يكُ شيئًا» مريم 67، وكذلك قوله تعالى: «أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون» الطور 35. وغيرها من الآيات التي يذكرنا بها الله بأنه خالق والمدبر لهذا الخلق والكون العظيم من العدم.

في نهاية المطاف، يجب علينا جميعًا كمؤمنين أن يكون اعتمادنا على وجود الله قائم على معرفتنا الكاملة بتلك الأدلة جميعها.

فالمؤمن لا يقول باستدلاله بحدوث الكون: أنه لا يعلم كيف وجد الكون، وليس لديه علةً لحدوثه، فيفترض بذلك وجود الله حلًا لهذا الجهل! ولكن يجب أن يدرك الأدلة العقلية والعلمية التي تقر بأن الكون محدث لفاعل أو خالق أزلي عليم تفوق قدراته كل المحدود، وهو الله «عز وجل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

العبرية بين اللغة والشتات
شارك 189
منذ 3 أسابيع
أبحاث ودراسات
انتبه لما يقوله لك الغاضب!
شارك 68
منذ 3 أسابيع
علوم