تعد قضية المرأة من أهم القضايا الفكرية التي كتب عنها كثير من الأدباء والمفكرين في عالمنا العربي، ولكنهم اختلفوا في تناول تلك القضية كلٌ حسب رؤيته المعرفية، ووفق هذا الاختلاف اختلفت مكانة المرأة حسب موقعها في تلك الرؤى، وهنا سنحاول في تلك السطور أن نسلط الضوء على مكانة المرأة حسب الرؤية المادية الاشتراكية متخذين من د. نوال السعداوي نموذجًا يتضح من خلال مؤلفاتها مدى الرؤية الاشتراكية في تحرير المرأة وكيف تعاملت مع قضيتها وفق هذه الرؤية المعرفية.

وقبل أن يتبادر إلى أذهان البعض سؤال يستنكر من خلاله ربط د. نوال السعداوي بالفكر الاشتراكي فإننا سنضع القارئ أمام نص يتبين من خلاله مدى إيمان السعداوي بتلك الرؤية المعرفية في حل قضايا المرأة، كما سنبين – فيما بعد – كيف أنها وظفت الفكر الماركسي في خدمة قضيتها. تقول السعداوي في كتابها «الوجه العاري للمرأة العربية»: «ليس من السهل على أحد أن ينكر الدور الهام الذي لعبه المفكرون الاشتراكيون في كشف الأسباب الحقيقية التي دعت إلى اضطهاد المرأة في تاريخ البشرية، وليس من الصعب على أي دارس أن يلحظ العلاقة الوثيقة بين درجة تحرير النساء وبين درجة تحول المجتمع إلى الاشتراكية، كلما زادت درجة التحول إلى الاشتراكية الحقيقية، زاد تحرر النساء بالمعنى الحقيقي للتحرر، أعني التحرر الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي».

يتضح في هذا النص مدى إيمان السعداوي بالاشتراكية رؤيةً معرفية لتحديد أسباب اضطهاد المرأة في التاريخ، كما أنها ترى أن تحرير المرأة مرهون بمدى تحول المجتمع إلى الفكر الاشتراكي، ومن هنا تكون نقطة الانطلاق في قراءة المشروع الفكري للدكتورة نوال السعداوي.

• الصراع الطبقي ودوره في نشأة البناء التحتي والبناء الفوقي.

ينطلق ماركس – الذي عن طريقه تحولت الاشتراكية إلى عِلم كما قال إنجلز – في بداية كتابه «البيان الشيوعي» إلى القول بأن تاريخ المجتمع الإنساني هو عبارة عن تاريخ صراع بين الطبقات، وعن طريق هذا الصراع كانت تتم التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وبتحول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تتغير أيضًا الأفكار والمعتقدات والقيم والأخلاق حسب الطبقة المسيطرة على المجتمع، حيث يرى ماركس أن المادة أسبق على الفكر، وهي النظرة الفلسفية المادية القائمة على أساس أن البناء التحتي (الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية) يتشكل وعن طريقه تتشكل سائر أبنية البناء الفوقي بما فيها الدين والأخلاق، فالأخلاق والدين منتجات بشرية وليست مفاهيم متجاوزة مطلقة لها صفة القداسة، يقول ماركس: «إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى صراعات طبقية، حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع؛ وبكلمة ظالمون ومظلومون، في تعارض دائم، خاضوا حربًا متواصلة، تارة معلنة وطورًا مستترة، كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع وإما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين»، ويقول ماركس موضحًا ارتباط التحولات الفكرية بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية: «وهل من حاجة إلى نظر ثاقب لإدراك أنه مع تغير أوضاع الناس المعيشية وعلاقتهم المجتمعية، وحياتهم الاجتماعية تتغير أيضًا معتقداتهم وتصوراتهم ومفاهيم، وبكلمة وعيهم..؟» ويضيف ماركس بصورة أكثر وضوحًا: «وهل يبرهن تاريخ الأفكار على شيء سوى أن الإنتاج الفكري يتحول بتحول الإنتاج المادي؟ فالأفكار التي سادت عصرًا من العصور لم تكن قط إلا أفكار الطبقة السائدة».

يستخدم ماركس هذه النظرة الصراعية بين الطبقات ويفسر من خلالها كيف نشأت الطبقة البرجوازية الرأسمالية في العالم، فمع ازدياد التبادل التجاري بين البلدان، ومع ظهور أسواق جديد وازدياد الطلب على السلع كل ذلك أدى إلى أن طريقة الإنتاج الإقطاعي بشكلها الفردي لم تعد تتلاءم مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، وبالتالي فإن ظهور الطبقة البرجوازية التي تعتمد على نمط الإنتاج الجماعي كان حاجة ملحة لتوفير احتياجات السوق الجديدة، فهكذا نشأت البرجوازية، عن طريق تثوير (من الثورة) وسائل الإنتاج ذاتها، وبالتالي دخلت في صراع مع وسائل الإنتاج الإقطاعي القديم، ومن ثم تمت لها الغلبة لأنها كانت تواكب التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت في ذلك التاريخ، إذًا فطريقة الإنتاج هي التي تحدد طبيعة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم تحدد أيضًا التغيرات السياسية والفكرية في أي مجتمع، وبعبارة إنجلز نفسه في توضيح الفكرة الرئيسية من البيان الشيوعي حيث يقول: «إن الفكرة الأساسية والمحورية للبيان، هي أن الإنتاج الاقتصادي والبنية المجتمعية التي تنجم عنه بالضرورة يشكلان في عهد تاريخي الأساس للتاريخ السياسي والفكري لهذا العهد، وبالتالي فإن التاريخ كله كان تاريخ صراعات طبقية».

هذه النظرة الماركسية للتاريخ هي أيضًا النظرة التي استلهمتها السعداوي من ماركس ووظفتها في تعاملها مع قضايا المرأة، ولم توظفها فقط في تفسير أوضاع المرأة في التاريخ، ولكنها أيضًا وظفتها في تفسير مبادئ الأخلاق وشرائع الأديان، فهي ترى ما يراه الماركسيون من أن المادة أسبق على الفكر، وأن التحولات الاقتصادية والاجتماعية هي التي تحدد نشأة الأفكار والمعتقدات والأخلاق والأديان، ففي حديثها عن الأخلاق والدين تقول في كتابها «الوجه العاري للمرأة العربية»: «وقد كشف لنا التاريخ عن العلاقة الوثيقة بين الاقتصاد والدين، أو الحاجات الاقتصادية والقيم الأخلاقية والجنسية، إن هذه القيم الجنسية الأخلاقية أو الدينية تتغير وتتبدل من عصر إلى عصر ومن مكان إلى مكان، حسب الضرورات الاقتصادية وما يتبعها من ضروريات سياسية».

ووفق رؤيتها ترى السعداوي أن تاريخ المرأة (بعد نشأة النظام الطبقي وبعد نشأة الأديان) كان عبارة عن تاريخ صراع دائم مع النظام الطبقي الأبوي، وقد قلبت الظروف الاقتصادية والاجتماعية مكانة المرأة في التاريخ البدائي. فمن خلال دراستها للتاريخ القديم قبل أن تظهر الأديان الانفصالية، حسب وصفها، رأت أن الأنثى كانت تتمتع بقيمة أعلى من الذكر، حيث كان في ذاك التاريخ يُعتقد عن المرأة أنها كانت أصل الحياة، وذلك لأنها كانت تمنح الحياة لأطفالها، وكان الطفل ينسب إلى أمه، ولهذا رأت السعداوي أن ظهور فكرة الإلهة الأنثى كان تجسيدًا لتلك المكانة التي احتلتها المرأة في التاريخ القديم. تقول نوال السعداوي في كتابها «الأنثى هي الأصل»: «أدرك المجتمع الإنساني البدائي المكون من الذكور والإناث أن الأنثى بالطبيعة أصل الحياة، بسبب قدرتها على ولادة الحياة الجديدة، فاعتبروها أكثر قدرة من الذكر وبالتالي أعلى قيمة، ومن هنا أدت الفكرة أن الآلهة أنثى، وأنها آلهة الإخصاب والولادة والخضرة والوفرة والخير وكل شيء مفيد».

استمرت تلك المكانة السامية للمرأة حسب رؤية السعداوي لآلاف السنين، ولكنها لم تدم وذلك لأن الرجل تعلم الجشع والطمع وملكية الأرض والعبيد، ومن ثم ملكية المرأة، وفي ذلك تقول: «ويسوقنا التاريخ بعد هذا العهد المجيد للمرأة إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية والفلسفية التي قلبت علاقة الرجل بالمرأة رأسًا على عقب، فبعد أن كانت المرأة إلهة الإخصاب والخير، والوفرة والخضرة والحياة، أصبحت حليف الشيطان ورمزه الوحيد المجسد على الأرض».

ولعل القارئ هنا يلاحظ مدى ربط د. نوال الظروف الاقتصادية والاجتماعية بتغير أوضاع المرأة، ولكنها لم تشر إلى تلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية لا من قريب ولا من بعيد، وحتى لم تُحِلْنا إلى أي مصدر يمكن من خلاله تدعيم حجتها، فقط اكتفت الإشارة بقولها: «ولم يعد خافيًا الآن على من يلم إلمامًا شاملًا بالتاريخ أن يدرك الأسباب الاقتصادية التي أدت إلى كل هذا».

هذا وتعترف السعداوي بأن أصحاب الفكر المادي الجدلي (تنسب المادية الجدلية إلى ماركس) في بلادنا لهم مقدرة على تفسير الصراعات الطبقية التي حدثت في التاريخ، وفي ذلك تقول في كتابها «عن المرأة والدين والأخلاق»: «إن أصحاب الفكر المادي الجدلي في بلادنا أكثر تقدمًا في نظرتهم للمرأة، إن لهم رؤية تاريخية وفي استطاعتهم إدراك الصراع الطبقي في التاريخ، كيف تم استغلال العمال والفلاحين من قبل الأنظمة الإقطاعية والرأسمالية القديمة والحديثة وما بعد الحديثة».

ولكنها ترجع فتنتقد نظرتهم الى المرأة، وتصفهم بأنهم غير قادرين على قراءة تاريخ المرأة فتقول: «إلا أنهم يعجزون في معظم الأحيان عن قراءة تاريخ النساء في الحضارات القديمة والحديثة، إنهم يؤمنون فقط بالصراع بين الطبقات أما الصراع بين الرجال والنساء فهو غير وارد لأنه يناقض الأنوثة أو الطبيعة الأنثوية».

وإذا كانت الظروف الاقتصادية والاجتماعية هي التي أدت إلى تحول مكانة المرأة من إلهة الخير والإخصاب في المجتمع البدائي إلى أن أصبحت حليفًا للشيطان ورمزه المجسد على الأرض، فما هي التحولات الفكرية والأخلاقية والدينية التي نتجت من خلال هذا التحول؟ وما هي نظرة السعداوي إلى دور الأديان السماوية في تعاملها مع المرأة؟

ربما نحتاج إلى بحث آخر في مؤلفات السعداوي نجيب من خلاله عن تلك التساؤلات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد