في كُل يَوم نَتَلقَّى عَشَرات المَعلومات والتَّجارُب الحَياتيَّة، فتَتَشكَّل – بوَعي مِنَّا أو بغَير وَعي – تَصوُّرات مُعيَّنة في مَوضوعات شَتَّى، ويَنتهي الأمر باِعْتِقادات لا تَقبل المُناقشة أو التَّشكيك؛ رُبما كان بَعضها بَعيدًا حَتَّى عن العَقل والمَنطِق!

أرأيت كَيف بدأ الأمر وكَيف انْتَهى.. وما قد يَترتَّب إذا كانت المَعلومات خاطئِة، أو التَّجارُب شاذَّة في نَتائِجها؟!

قد نُعادي الحَق ونَنتصِر للباطِل اعْتِمادًا على مُدخَلات فاسِدة، وقد نَحمِل عَداوة وغِلًَّا لأُناس أبرياء، وقد نُفتَتَن بطاغية ونُشارِكه الطُّغيان، وقد نُشيع الفَساد ظَنًا بأنَّه إصلاح، بل قد نُشرِك بالله – ونَعوذ به مِن ذَلِك – على أنَّنا نَتقرَّب إليه!

مِن الضَّروري إذًا – حَتَّى لا نَقع في أسْر التَّصوُّرات والاِعْتِقادات الفاسِدة – التَّدقيق في كُل مَعلومة نَتَلقَّاها، وتَحليل كُل تَجرِبة نَخوضها. وهذا ما سنُحاوِل بَيانه – إن شاء الله – في السُّطور القادِمة.

 

  • لا يَصح تَرقية المَعلومة إلى دَرجة الحَقيقة قَبل تَحديد مَصدرها أوَّلًا والتَّأكُّد مِن صِدقها ثانيًا.

أمَّا تَحديد المَصْدَر فأمره هَيِّن؛ لا تَعتمد بَبَساطة على قيل وسَمِعت؛ عُد إلى المَصْدَر الَّذي يُفتَرَض أن المَعلومة خَرَجت مِنه. وأمَّا التَّأكُّد مِن صِدقها فيَتَوقَّف على المَعلومة نَفسها، بل قد يَعتمد على مَعلومات وشَواهِد أُخرى ذات صِلة بالمَعلومة مَحَل التَّحري.

سنُعطي أمثِلَة بَسيطة حَتَّى يَتَبيَّن المَقصود:

مِثال (1): أحْمَد قال كَذا.

بالعَودة إلى أحْمَد، وَجدناه قال “كَذا” المُشار إليه. إذًا المَعلومة لا شَك في صِحَّتها، والعَودة إلى المَصْدَر في هذه الحالة هي نَفسها وَسيلة التَّأكُّد مِن صِدق المَعلومة.

مِثال (2): أخبَرك صَديقك بحادِثة كَبيرة نَقلًا عن صَديق له.

مَصدر المَعلومة هُنا مُحال إلى صَديقك، ويُمكِن اِعْتِبار المَصْدَر – لا المَعلومة – صَحيحًا في حالة الوُثوق بهذا الصَّديق. غير أنَّنا على كُل حال لا نَعرف إذا كانت المَعلومة صَحيحة أم لا، وهذا هو الهَدَف أصلًا مِن تَحديد المَصْدَر. لَكِنك قرأت لاحِقًا في صَحيفة عن هذه الحادِثة الَّتي أخبَرك بها صَديقك، فلا شَك إذًا أنَّها صَحيحة.

مِثال (3): حَدَث عِراك بين شَخصين، وكان شَقيق أحدهما حاضِرًا، ثُم طُلِب مِنك تَحديد المُذنِب.

أنت هُنا أمام رِوايتين مُتناقِضتين، ومِن المؤكَّد أن رِواية واحِدة صَحيحة، والأُخرى كاذِبة. لا يَهم الآن مَن الصَّادِق ومَن الكاذِب، وإنَّما يَعنينا شَهادة الشَّاهِد، فإذا كانت في صالِح شَقيقه فهي بالطَّبع شَهادة مَجروحة لا يُعتَمَد عليها في الحُكم، وإن كانت في غير صالِحه – مع عَدَم وُجود شُبهة خِلاف سابِق بين الشَّقيقين – فيَحق لنا تَرجيح رِواية الطَّرف الآخر، وذَلِك مِن باب “وشَهد شاهِد مِن أهلها”.

رَغم سَذاجة الأمثلة السَّابِقة إلَّا أن كَثيرًا مِن الأكاذيب يَتسلَّل إلينا نَتيجة عَدَم الاِلْتِزام بتلك القَواعِد البَديهيَّة. سأُعطي لك مِثالًا حَقيقيًّا يؤكِّد لك ذَلِك:

اِخْتَفى أشرف شَحاتة عُضو حِزب الدُّستور في 14 يَناير 2014، وتَقدَّمت زَوجته ببَلاغ، وفي نوفمبر الماضي صَرَّح اللِّواء أبو بَكر عبد الكَريم مُساعِد وَزير الخارِجيَّة لشؤون العَلاقات العامَّة والإعلام بأن أشرف مُتواجِد خارِج مِصر وَفقًا لشَهادة تَحرُّكات صادِرة مِن مَصلحة الجَوازات.

الكَلام كما يَبدو غير مَنطقي بالمَرَّة؛ إذ كَيف يُمكِن لشَخص أن يُسافِر خارِج بَلَده دون إعلام زَوجته وأهله وأصدقائه وزُملائه في العَمَل؟!

تَصوَّر لو أن أحدًا شَكَّك في كَلام “اللِّواء” وَقتها… كان سَيَلحق – على أغلب الظَّن – بأشرف في سِجن الزَّقازيق كما تَبيَّن بَعد ذَلِك[1]!

المُهِم في هذا المِثال هو أن الأشخاص الَّذين صَدَّقوا رِواية “اللِّواء” قد وَقعوا في خَطأ ساذِج، وهو الاِحْتِكام إلى “المُتَّهم”، لأن تُهمة الإخفاء القَسري مُوجَّهة أصلًا إلى “الدَّاخِليَّة”!

والأهم مِن ذَلِك أن تَصديق الدَّاخِليَّة بعد هذه الفَضيحة سَيَكون صادِرًا عن أشخاص “مُغيَّبين”.

 

  • إرشادات عامَّة:
  • o كُن باحِثًا عن الحَق، لا أن تَجعل الحَق فيما تَعتقد. لأنَّك ببَحثك هذا سَتَصِل إلى الحَق، بغَض النَّظَر عن صِحَّة اِعْتِقادك. فإن كان الحَق فيما تَعتقد زاد يَقينك، وإن كان في غيره، وَجَب عليك تَغيير اِعْتِقادك.

ما يؤكِّد هذا المَعنى أن الله سُبحانه وتَعالى يَقول لرَسوله {قُل إن كان للرَّحْمَن وَلد فأنا أوَّل العابِدين}، وكأن المَعنى: قُل لهم – رَغم بُطلان أن يَكون لله وَلد – أنَّك إن ثَبُت لك ذَلِك، لكُنت أنت أوَّل المؤمنين به.

  • o قُم بدِراسة المُغالطات المَنطقيَّة.. سَتَكتشف السَّقَطات الإعلاميَّة والحِيَل الجَدليَّة، وسَتَجد أن أغلب ما تَقرؤه وتَسمعه لا يَصح.
  • o الحياديَّة هي أن تَقف على مَسافات مُتساوية مِن كُل الآراء، وهذا يَبدو مُستحيلًا عَمَليًّا، فكُل واحِد مِنَّا له قَناعات وخِبرات سابِقة تَدفعه إلى الاِنْحِياز المُسبَق. لَكنك تَستطيع أن تَكون حياديًّا ومُنصِفًا في قَضيَّة مُحدَّدة دون أن تُخل بهذه القَناعات والخِبرات – بصَرف النَّظَر عن صِحَّتها -، وذَلِك حينما تَنتصر إلى القيم “المُتَّفق عليها”؛ كالعَدل والرَّحْمَة.

لَقد نَزَل الوَحي مِن فَوق سَبع سَمَوات لتَبرئة يَهودي وفَضح مُسلِم وإدانته، على ما كان عليه اليَهود مِن تَكذيب لرَسول الله وخيانة. وعاتب صَلَّى الله عليه وسَلَّم أُسامة حِب رَسول الله، لمَّا قَتل كافِرًا قال كَلمة التَّوحيد، ظَنًا مِنه أنَّه نَطَق بها خَوفًا لا إيمانًا.

  • o كُلَّما كانت القَضيَّة أبسط، كُلَّما كان الحُكم عليها أسهل. تَخلَّص مِن الفُروع والتَّفاصيل الزَّائدة، وعُد إلى الأُصول الَّتي تُبنى عليها المَسألة.

مِن السَّفَه مَثَلًا تَصديق أن يَكون الإخوان عُملاء لأمريكا وإسرائيل، واِعْتِبار السِّيسي “بُعبُعًا” لهم! ولست بحاجة إلى عَرض قائِمة طَويلة مِن التَّصريحات والمَواقِف والتَّوجُّهات والتَّقارير الَّتي تَعكس خِلاف ذَلِك. لَكِن بتَطبيق قاعِدة التَّجريد والتَّبسيط سَّابِقة الذِكر، والبَحث عن إجابات للأسئلة التَّالية، سَيَتبيَّن إلى أي حَد تُستَغل سَذاجة العَوام:

مَن عَدو إسرائيل الأكبر؟ أليست حَماس “الإخوانيَّة”؟

ومَن صَديق إسرائيل المُقرَّب؟ أليست أمريكا؟

أليس “الحَرب على الإرهاب” هو شِعار أمريكا عند اِحْتِلالها أفغانستان والعِراق، وهو نَفسه شِعار حُكَّام العَرَب عند سَحق المُعارِضين؟

أليس “الإرهابيون” في كُل مَكان هُم مُسلِمين يَرفعون رايات الجِهاد أو تَطبيق الشَّريعة؟ وفي المُقابِل: أليس الغَرب عَلمانيًّا وحُكَّام العَرَب يَرفعون شِعار “لا سِياسة مع الدِّين ولا دِين مع السِّياسة”؟

فمَن أحق بأن يَكون عَميلًا لأمريكا وإسرائيل بَعد ذَلِك؟ الإخوان أم السِّيسي؟

  • o هذا الخَطأ هو الأكثر شُيوعًا بين النَّاس؛ أعني الاِزْدِواجيَّة. كَم مَرَّة وَقع فيه الإعلام بوَعي ووَقعت فيه العَوام بغير وَعي؟!

حاسَبوا مُرسي بَعد سَنَة، ثُم عادوا بعد الإطاحة به وقالوا أنَّه لا يَجوز أصلًا مُحاسبة السِّيسي بعد عام مِن الحُكم، لأن هذا ليس عَدلًا أو إنصافًا[2]، وأن مِصر تَحتاج إلى 8 سَنَوات لإعادة الأمن القَومي إلى طَبيعته[3]، و10 سَنَوات لتَغيير سُلوك المِصريين مع القَمامة[4]! وبَعد أن كان مِن حَق الشَّعب الخُروج على الحاكِم وقَذفه بأبشع ما يُقال تَحت بَند “حُريَّة التَّعبير”، أصبحت مُحاولة الاِعْتِراض إرهابًا وتَكديرًا للسِّلم العام وتَعطيلًا لعَجلة “التَّنمية” وتَنفيذًا لأجندات خارِجيَّة!

  • o أخيرًا – وذَلِك أضعف الإيمان – إن لم تَصل إلى الحَقيقة، فلا تَتَّبع الظَّن {إن الظَّن لا يُغني مِن الحَق شَيئًا}.

_______________________________________________________________________________________________

[1] الشُّروق، 2016 01 18، بعد الإعلان عن مَكان اِحْتِجازه.. الدَّاخِليَّة في تَصريح سابِق: أشرف شَحاتة خارِج مِصر.

[2] الفَجر، 2015 05 31، بالفيديو.. الحُسيني: لَيس مِن العَدل مُحاسبة السِّيسي بعد سَنَة.

[3] مَصراوي، 2013 09 05، المُسلماني: مِصر تَحتاج لـ8 سَنَوات لإعادة الأمن القَومي إلى طَبيعته.

[4] اليَوم السَّابع، 2013 09 10، وَزيرة البيئة: نَحتاج إلى عَشر سَنَوات لتَغيير سُلوك المِصريين مع القمامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد