يتجدد النقاش دائمًا حول قضايا الحريات والمثلية الجنسية والحدود الفاصلة بين حرية الفرد في ممارسة ما يحب وبين منظومة القيم التي يجب أن تحكم أيَّ مجتمع. صدقْ أو لا تصدق، حتى مجتمع الغابة له قوانين صارمة ونظام لا يمكن للحيوانات الخروج عنه. نحن أيضًاشئنا أم أبينانعيش في مجتمع له أعراف وتقاليد يجب على الناس الالتزام بها. صحيح أن هذه القيم والأعراف والعادات والتقاليد باتت في حاجة إلى النقاش والحوار بعد أن تغيرت الظروف، لكن النقاش حولها كعادة كل المجتمعات المأزومة، يتحول إلى نوع من الاتهام والتراشق بين طرفين لا يصلان إلى حل، بل يتجه الحوار والنقاش دائمًا إلى مزيد من ترسيخ فوبيا الآخر. مع الأسف، بدلًا عن تحول النقاش واتساعه ليشمل الحريات والقوانين والشريعة، يتحول إلى جدل حول جواز طلب الرحمة للمثليين والمسيحيين بعد وفاتهم أم لا.

عاد النقاش إلى الواجهة بعد الرحيل المأساوي لـ«سارة حجازي» عضو حزب العيش والحرية والناشطة الحقوقية المعروفة بعد انتحارها هذا الأسبوع في منفاها الذي انتقلتْ إليه منذ عامين في كندا. كانت سارة قد أثارت من قبل كثيرًا من الجدل بعد رفعها علم قوس قزح خلال الحفل الغنائي الشهير لفرقة «مشروع ليلى» في شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2017. تم القبض على سارة بعد الحفل، وجَّهتْ النيابة إليهاوإلى آخرينتهمة «الترويج للفكر المنحرف»، أي الترويج للشذوذ الجنسي، أو ما بات يُسَمَّى مؤخرًا «المثلية الجنسية».

فارق كبير بين مصطلح «الشذوذ الجنسي» ومصطلح «المثليَّة الجنسية». الشذوذ الجنسي مصطلح به إدانة مسبقة، ويعني أن هذا الشخص غير طبيعي، إنه خارج على منظومة القيم التي حددتها الأعراف والتقاليد والأديان مسبقًا، ولهذا دفعتْ الميديا العالمية في اتجاه مصطلح «المثلية الجنسية»، وهو مصطلح محايد لا يعني سوى أن هذا الشخص يحس داخله بميل (طبيعي) نحو نفس جنسه، فإن كان رجلًا فإنه يحس بالميل الجنسي والانجذاب ناحية الرجل، وإن كانت امرأة فهي تحس بالميل والانجذاب نحو نفس جنسها من النساء. هذه الأيام بات مصطلح «مجتمع الميم» يشير إلى كل من لديه ميول جنسية تخالف الميول الطبيعية العادية.

العالم الآنبمساعدة أفلام السينما والإعلام والصحافة والمنظمات الحقوقيةيسير في اتجاه اعتبار المثلية الجنسية سلوكًا غريزيًّا طبيعيًّا عند فئة من الناس، هؤلاء الناس يحسُّون بانجذاب نحو نفس النوع الذي ينتمون إليه، والفارق هنا أن هؤلاء المثليينفي نظر المدافعين عنهم مدفوعون بقوة لا يمكنهم التحكم فيها. أي أن كل شخص يجد في داخله مثل هذا الشعور لا يجب أن يلوم نفسه أو يحس بالخجل، هو لم يختر هذا، فالطبيعة هي التي اختارت لهذا الشخص أن يكون على هذا النحو. بالعكس فعليه أن يفخر، وأن يعلن عن هويته الجنسية.

هناك حالة من الإرهاب في العالم الآن لكل شخص يفتح فمه بكلمة استنكار واحدة للمثلية الجنسية. كثير من الناس في الغرب يفقدون وظائفهم ومستقبلهم السياسي لمجرد التصريح بأن المثلية الجنسية سلوك شاذ، وغير طبيعي. هذا الإرهاب امتد إلى الجامعات والعلوم التطبيقية. الآن يدفع الباحثون في الاتجاه بأن المثلية الجنسية سلوك طبيعي تمامًا، بل هناك أبحاث ومقالات منشورة في مواقع إلكترونية ودوريات علمية تؤكد أن هذه المثلية الجنسية سلوك طبيعي تمامًا لدى الحيوانات والبشر

بإمكانك الآن في الغرب أن تشكك في أي شيء عدا مجموعة من «التابوهات» التي تكتسب بفعل الزمن قداسة، لم تعد ترقى إليها قداسة الدين أو الإله نفسه. بإمكانك أن تلحد، وأن تسب الإله، وأن تضرب بأي فكر عرض الحائط، لكن إياك والتشكيك في أعداد الضحايا اليهود الذين ماتوا في «الهولوكوست» أثناء الحرب العالمية الثانية. أنا لا أتحدث هنا عن إنكار المحرقة، بل أتحدث عن مجرد التعرُّض للرواية السائدة ببعض النقد. الأمر نفسه مع نظرية دارون حول نشأة الكون والإنسان، كما يتكرر مع «المثلية الجنسية»، ولكن بدرجة أشد قسوة.

في المقابل يصرخ كثير من المتدينين محتجين على هذا الانفلات الأخلاقي. المسألة واضحة بالنسبة لهم تمامًا. هناك آيات لا لبس فيها في القرآن الكريم والكتب السماوية تستنكر الشذوذ وتعدُّه عملًا يستوجب العقوبة الإلهية كما جاء في قصة سيدنا لوط. إنهم يعتبرون أن الشذوذ يتم بإرادة بشرية كأي ذنب يقترفه الإنسان. إنهفي نظرهماستسلام للشيطان واتِّباع الهوى. إنه سلوك يتخذه المرء بمحض إرادته لأن الله لا يعاقب على شيء لا دخل للإنسان فيه. الشذوذ الجنسي في نظر المتدينين خطيئة تتم بإرادة حرة، ولهذا تستوجب العقاب. إنه ليس شيئًا يولد به الإنسان، وإنما خطيئة يفعلها بإرادته الحرة.

غير أن غباء بعض الناس يدفعهم إلى المطالبة بمزيد من الانتهاكات في حق «المثليين»، وينسى كثير منهم أن آلة الانتهاكات عندما تدور فإنها لا تفرق بين «المثليين» و»الطبيعيين». الحرية والكرامة الإنسانية ودولة القانون لا يمكنها أن تعمل بشكل انتقائي أبدًا. إما أن تكون من حق كل الناس وإما لا، فأصبحت آلة الانتهاكات تدور في جميع الاتجاهات، وكل فريق يقف مصفقًا لانتهاكات الفريق الآخر، ولا يعلم أن دوره لم يأتِ بعد.

مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، ظهرت مجموعة من المؤثرين الذين أصبحوا يحددون سلفًا السقف الذي يجب ألا تتجاوزه حين تتحدث عن المثلية الجنسية. إرهاب يرتدي ثيابًا ثقافية. هناك حالة من التطبيع الكامل مع المثلية. إما أن تقبل المثلية الجنسية كسلوك طبيعي، وتصفق لها وتشير بفخر وانفتاح إليها بوصفها علامة الحرية والتمدُّن، وإما أن ترفضها وتصبح داعشيًّا وظلاميًّا. إذا قلت إنك ترفض المثلية الجنسية وجدت الاتهام بـ«الدعشنة» في وجهك. الرائج هذه الأيام والطبيعي والأقرب إلى طبائع الأمور أن عليك أن تتقبل المثلية الجنسية تحت اسم الحرية، وليس من حقك على الإطلاق أن ترفضها من منظور ديني، لأن مثل هذا المنظور أصبح قديمًا وظلاميًّا.

زاد الطين بلَّةً حجمُ الانتهاكات الصارخة التي يتعرض لها المثليون عند القبض عليهم ومحاكمتهم. إنهم يتعرضون لمعاملة قاسية للغاية، كما أن العقاب يصبح مضاعفًا حينما يصفق الجهلاء لهذه الانتهاكات تحت دعوى أنهم «قوم لوط» الذين يجب إحراقهم. تستغل حكومات العالم الثالث هذا السُّعار والهستيريا والتصفيق نحو مزيد من إحكام السيطرة والاستبداد. يفرح السُّذَّج بمشاهد الإهانة والانتهاكات وسط تصفيق بعض الأغبياء الذين يعتقدون أن الحكومة تفعل هذا لأنها تحرس الأخلاق العامة، بينما كل ما تهتم به الحكومات هو إحكام السيطرة على الناس جميعًا. يعلم كل هؤلاء أن حراسة الحكومات والأنظمة للأخلاق هي آخر ما يمكن أن يصدِّقوه، لكنهم سعداء ومستمرون في التصفيق.

لماذا لا يفصل الناس بين إدانة «الشذوذ الجنسي» وبين امتهان كرامة أي إنسان؟ كل إنسان له الحق في حياة كريمة ومعاملة آدمية مهما كان جرمه. يجب أن يكون كل الناس أمام القانون سواء. هؤلاء الذين يُصَفِّقُون عند إلحاق الأذى بالمثليين لا يستطيعون أن يفتحوا فمهم بكلمة واحدة حين ينتقلون للحياة في الغرب؛ لأنهم يعرفون أن هذا التحريض على القتل قد يعرضهم لما لا تحمد عقباه

ينتشر حُرَّاس الأخلاق على مواقع التواصل الاجتماعي، وما أن يجدوا أيَّ منشور يتعاطف مع أيٍّ من «المثليين» إلا حولوه إلى محرقة. كأنهم ضباع تَتَحَلَّق حول جثة. الغريب أن كثيرًا من هؤلاء الناس يتبنى قيمًا شديدة الانفصال والتناقض، فالكثير من هؤلاء الناس ليس عنده أي مشكلة مع الانتهاكات التي تعانيها نساء العالم الثالث في الشوارع من تحرشات لفظية وجسدية، بل الكثير منهم يشارك فيها. كل هذا ليس به مشكلة، لكن المهم أن ينتقم من المثليين.

يمكن أن نرفض المثلية الجنسية بوصفها عملًا شاذًّا ترفضه الأديان السماوية، لكن التصفيق للأذى يحولنا إلى ضباع وقتلة. لماذا لا نصمت أمام جلال الموت؟ لماذا نفقد أخلاقنا كي نعلن أننا حُرَّاس الأخلاق؟ لماذا يعتقد بعض الناس أنهم مفوضون من قبل السماء لكي يوزعوا الجنة والنار على من مات من البشر؟ ولماذا يعتقد بعض المثقفين والحقوقيين في بلادنا أن الانفلات من كل ما هو عربي وإسلامي هو الطريق الوحيد للسعادة والتقدم؟ وأن على المرء في بلادنا إذا أراد أن يصبح مثقفًا وأن يصبح حرًّا لا تأتيه هذه الحرية إلا بإطلاق العنان لغرائزه الجنسية، كأن الحرية لا تمر إلا من فتحة الشرج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد