عندما تنظر إلى التاريخ البشري، تجد أن الحرية ليست هي القاعدة: نحن نحب أن نُحكم.

أندري سوليفان (مؤرخ ومحلل سياسي)

إن الأزمات العظيمة والحادة التي تمر بها الشعوب تدفعها للبحث عن منقذ. عن ذلك الشخص الذي يتجلى لها فجأة في خِضم تلك الأحداث الأليمة ليقول لها: أنا وحدي أستطيع إصلاح كل شيء. شخص يمتلك ثقة كبرى في القدرة على إحداث التغيير، ثقة في أنه المحرر المنتظر بل ثقة في كونه لا يمتلك القدرة على أن ينقذ شعبه فقط؛ بل في امتلاكه القدرة على إنقاذ العالم وتحويله لعالم أفضل.

وأنت تتابع ما ينشر يوميًّا في مواقع التواصل الاجتماعي وفي صفحات الصحف والمواقع الإخبارية من مقالات، وأنت تشاهد ما يقال يوميًّا وعلى مدار الساعة في تونس تلاحظ أن الكل يقدم نفسه على أنه ذلك المنقذ الذي ينتظره الشعب ولكن يبدو أنهم ضلوا الطريق ولم يدركوه بعد. لذلك تيسيرًا على هؤلاء الذين يعدون أنفسهم الأقدر والأجدر على القيام بمهمة الإنقاذ ويتهمون غيرهم بالعجز ومحدودية التفكير والقدرة. ولأنهم جميعًا يمتلكون إحساسًا بالعظمة تحول لنرجسية جعلتهم يؤمنون أشد الإيمان أنهم مركز الكون وأن كل شيء يجب أن يحدث في تونس طبقًا لإرادتهم. أقدم لهم هذه النصائح إجابة عن سؤال يخامرهم جميعًا ألا وهو: كيف أصبح طاغية؟ (في النهاية لا يمكن أن يكونوا إلا مشاريع طغاة). وهذا السؤال ينتج عنه سؤال آخر طرحه مكيافيلي سلفًا وهو: هل من الأفضل أن يخاف الشعب من الحاكم أم يحبه؟ ولعلنا نسبق الإجابة عن السؤال الأول بالإجابة عن الثاني بإجابة مكيافيلي نفسها: إن الشعب يحكم من خلال الإرهاب.

إن أولى النصائح لمشروع طاغية يريد أن يقود الشعب باقتدار؛ هي أن يستغل الغضب العارم للشعب في وضع الأزمة الخانقة وأن يشاركهم ذلك الغضب وأن يكون واحدًا منهم فيجوع بجوعهم ويضحك لضحكهم ويحزن لحزنهم وأن يركز على الشباب خاصةً فيلقنهم مشروعه للإنقاذ ويحوله لديهم لرؤية مقدسة لا يأتيها الباطل من أي جهة كانت. ذلك أن الشباب هو وقود الثورة القادمة ودونه لا يمكن لأي تغيير ثوري أن ينجح. لذلك وجب أن يكون لك وسم خاص في اللباس (الابتعاد عن البهرج فيه واختيار ما يرتديه عامة الناس كأن يلبس لباس شبيه بما يرتديه العمال مثلًا) والحركة (شعار الحركة يجب أن يستجيب لرغبات الشعب) والرمز (اختيار رمز بسيط غير معقد حتى يسهل حمله من الكل ومن المستحسن أن يكون مستوحى من الماضي). وعليك أن تقنع الشباب ومن خلفه بقية الشعب أن الوسم ليس امتثالًا بل تعبيرًا عن الوحدة، وحدة المجموعة التي تبحث عن الإنقاذ وأنه تعبير عن الرغبة في تحقيق ذلك التغيير المنشود. إنه بداية تشكيل الجماعة الخاصة؛ ذلك أنه لا يمكن لأي شخص أن يحكم وحده. فمن هؤلاء ستختار من يمتلكون المهارات المختلفة التي أنت بحاجة إليها لإدارة الدولة المنشودة بعد تحقيق الإنقاذ المطلوب، وعليك أن تختار أكثرهم إخلاصًا لشخصك وتذكر أن هتلر ما كان له أن ينجح لولا إخلاص بول جوزاف جوبلز. ولأنك تبشر بمجتمع جديد؛ فإنك مطالب في هذه المرحلة بإخفاء وحشيتك التي إن ظهرت قد تكون عائقًا أمام تحقيق هدفك في الوصول للسلطة. ففي هذه المرحلة استغل الغضب وكن واحدًا من الشعب واختر جماعتك المخلصة ومعهم افتعل مزيدًا من الأزمات وانتظر التوقيت المناسب للهجوم لأن سوء اختيار الوقت قد يؤدي للفشل، ولا تنسَ أن محاولة هتلر الأولى كادت تفشل مشروعه كاملًا. إن النصيحة الأولى ستحقق لك الاستيلاء على الحكم وتمكنك من قوة مطلقة بفضل الدعم الكلي للشعب الذي ستصبح في نظره بفضل الدعاية الموجهة والذكية (اعتمد على كلاب حراسة النظام السابق فهم بلا مبادئ ومع من في السلطة وسيقنعون العامة أنه من اليسير تحويل الحجر بين يديك إلى ذهب) الزعيم المنقذ والمرشد الملهم وسيرفعونك إلى درجة الصالحين ويعدونك مبعوث العناية الإلهية.

إن الاستيلاء على الحكم ليس كافيًا ذلك أن الطامعين فيه كثر، وربما يوجدون حتى فيمن قاموا معك بالثورة، ولذلك وجب التحول للنصيحة الثانية وهي كيف تحافظ على هذه السلطة المطلقة؟ أول ما تقوم به بعد السيطرة الكاملة على الحكم هو تأميم ثروات أعداء الشعب وهم كل من يملك الثروات الطبيعية ويسيطر على توزيعها من النافذين في الداخل أو الشركات العابرة للقارات فذلك سيزيد من شعبيتك خاصة (تصبح رمزًا لمقاومة العولمة والاستعمار الجديد وهيمنة الرأسمالية المتوحشة) وأن الهدف المعلن مشاركة الشعب في تلك الثروة التي ستعود كلها للدولة التي في النهاية ستصبح أنت. فمشاركة الثروة مع الشعب أمر مهم لديمومة الحكم ولكن هذه المشاركة ستشرف عليها أنت لأنك من يثق فيه الشعب بوصفه منقذًا وستحقق ذلك عبر وضع أتباعك في مؤسسات الدولة التي تشرف على التصرف في الثروة الطبيعية وفي التجارة الداخلية والخارجية أيضًا. عليك أن تُحكم السيطرة والتحكم في كامل الثروة فهذا أمر مهم لدوام السلطة المطلقة. ولكن إياك أن تبعد الشعب عن نصيبه منها مهما كان ذلك النصيب؛ لأن الشعب حين يشبع لن يفكر في الانقلاب عمن يحكم. ولا تنسَط أن الجزء الذي ستخصصه للأتباع والجشعين من النخب الإعلامية والثقافية سيضمن لك هيمنة ثقافة الاستهلاك على الشعب. في هذه اللحظة لن يهتم الشعب إلا بما يحققه من مكاسب مادية (تصبح السيارة والمنزل والزوجة الجميلة والسفر للخارج والملاهي أهم من الحرية) ولن يهتم كثيرًا بما ستقوم به لاحقًا من تثبيت للسلطة عبر التخلص من الأعداء والموالين الطامعين في السلطة. فكلما أغرقت الشعب في الرفاه المادي أبعد عنك خطر الثورة واحذر أن يقوم أتباعك بالمس من مجال الشعب؛ فذلك سيؤدي للثورة ولا تنسَ ما حدث لزين العابدين بن علي وجماعته حين احتكوا بمجال الشعب في الثروة (حاولوا السيطرة على التجارة الموازية).

الآن بعد أن حيدت الشعب ورميت العظام لكلاب الحراسة فإن الخطر لا يزال موجودًا خاصةً وأنك في البداية حكمت طبقًا للدستور؛ ولذلك وجب القيام بحدث إرهابي يمس من شخصك بوصفك رمزًا للأمة مما يبرر لك تعطيل الدستور وإعلان قانون الطوارئ الذي سيمكنك من التخلص من كافة الأعداء في الداخل والخارج. ذلك أن مرحلة الحكم بالحب قد حققت أهدافها ومرحلة تثبيت الحكم وتحقيق أهداف الثورة تتطلب الحكم من خلال الإرهاب. إرهاب أعداء الشعب طبعًا ففي النهاية أنت لست إلا خادمًا للشعب وستبقى دومًا كذلك ولأنك خادم للشعب فمن واجبك ترهيب أعدائه. ولتحقيق ذلك يجب أن تكون في كل مكان. ولا يتحقق ذلك إلا عبر جهاز أمن سري قوي وفاعل يستعين بالمخبرين ويبث الرعب بالإشاعات حول ما ينتظر الجميع لو وقعوا في يده من تنكيل إذا ما هددوا مصالح الشعب طبعًا (مصالح الشعب هي مصالحك الخاصة في النهاية فهناك تماهٍ بينك وبين الشعب فأنت الشعب والشعب أنت). احذر أن تستعين بالجيش فإن ذلك يفتح له شهية الانقلابات ولا تنسَ أن زين العابدين بن علي وطد حكمه بضرب المؤسسة العسكرية ودعم المؤسسة الأمنية. فمن الغباء أن يستعين المدني في طريقه للطغيان بالجيش.

فباستخدام الألم (التعذيب) تتخلص من الأعداء ومن كل مَن تسول له نفسه المساس بمصلحة الشعب. ويجب أن يشتغل هذا الجهاز طبقًا للقانون الذي ستضعه بنفسك في غياب الدستور المعطل. وعليك أن تكون مستعدًا للتضحية بأقرب الموالين لك حفاظًا على مصالح الشعب وردعًا للمعارضين في الداخل والخارج حتى يدركوا أنك من أجل مصلحة الشعب ستضحي حتى بأقرب الناس إليك ولا تنسَ أن قيصر ساهم في قتله أقرب الناس إليه؛ ومنهم مَن كان يعده ابنه (بروتوس) ولا تنس أيضًا أن السلطان سليمان القانوني قتل ابنه حين شك في وفائه. فتعميم الخوف والقضاء على الثقة بين المواطنين أمر مهم لضمان السلطة المطلقة.

أخيرًا بعد أن تم تثبيت السلطة تبدأ المرحلة الأخيرة وهي مرحلة بناء مجتمع جديد وصنع إرثك الخاص ولتحقيق ذلك فعليك إعادة كتابة التاريخ؛ فالتحكم في الماضي يُمكِّنك من التحكم في المستقبل. وليبدأ التاريخ من لحظة ظهورك فيه ولتنظر الأجيال القادمة للتاريخ البائد أنه كان سلبيًّا وأنه كان محكوم باستغلال كل فئات الشعب وخاصةً المرأة التي يجب أن توضع في مكانة خاصة وأن تصبح الأكثر حرصًا على بقاء النظام الجديد حتى لا تهدد مكاسبها التي تحققت بفضله وألا تسمح للماضويين بالعودة وتهديد حياتها الجديدة. وعليك إعادة تشكيل عقول الأجيال القادمة بإصلاح التربية والتعليم حسب مشروعك الخاص وأن تستعين في تجميل ذلك بكبار المثقفين في الداخل والخارج. ذلك أن في الخارج من المثقفين والفنانين والكتاب والصحافيين من هو مستعد لأخذ الثمن المناسب فادفعه له وهكذا تصبح رمزًا عالميًّا للتغيير ويصبح طغيانك ديمقراطية خالدة؛ بل ينظر إليها أنها الديمقراطية الوحيدة في محيط مستبد وستسند لك مئات الجوائز وشهادات الدكتوراه الشرفية (لا تنس نصيب زوجتك من ذلك فهي أم الأمة وسيدتها الأولى وبذلك ترضى النساء) ويصبح كلاب حراستك الجدد مثقفين عالميين تكرمهم الدول الغربية من أجل مصالحها التي لا تنسى ضمانها طبعا وتكرمهم أيضًا الأنظمة الشبيهة. ولا تنسَ في الأخير أن تحارب الدين وتفسد العلم. بحيث لا يكون إله غيرك ولا عالم سوى كلاب حراستك.

تلك هي النصائح للنخب التونسية التي تتبارز اليوم في كل الفضاءات من أجل إثبات فكرها الذي يقوم على الخلاف والإقصاء وتنعدم فيه كل روح ديمقراطية؛ وهو الفكر الذي أوصل البلاد للأزمة التي تعيشها على كل المستويات: السياسية والصحية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية. إنها نخبة عاجزة عن تقديم حلول ولذلك تستثمر في تعميق الأزمات على حساب مصلحة الشعب الذي وثق بها ذات شتاء في 2019 ليكتشف أنها ليست على مستوى الأمانة وأنهم في النهاية مشاريع طغاة. لكن حتى في تحقيق الطغيان فاشلون لأنهم بلا مشاريع ورؤى ولن يدوم حكم أي طاغية منهم إلا بضع شهور. عليهم أن يدركوا أنه فاتهم قطار الطغيان كما فاتهم قطار بناء دولة ديمقراطية دائمة بأيديهم ولا ينتظر الشعب إلا انتخابات جديدة (الشعب مُصرٌّ على حريته وعدم الانجرار لحرب أهلية يسعون هم ومن خلفهم إليها بكل الطرق) حتى يتحرر منهم جميعًا؛ ذلك أنه يعلم أن كلفة أي ثورة جديدة ستكون على حسابه وقد تسمح لمغامر تافه أن يملك الرقاب دون مشروع؛ فيزيد المعاناة معاناةً مضاعفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد