كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يضع التمر والنوى في إناء واحد، وأولى بك أن تتحرى وضع كل جيد في نفس طفلك، وأن تفصل بين كل جميل يبنيه، وما يلوث هذا الجمال، فحسن النية، أو بمعنى أصح عدم استحضار سوء النية لا يبني إنسانًا، وأنت الحاضر وطفلك المستقبل، فانظر أين تريد.

عليك سيدي المربي أن تعلم جيدًا أن هذه النفس اللينة الصغيرة الضعيفة، هي الشجرة النافعة المثمرة الظليلة، أو هي الشوك الجاف الذي لا يملك من أمره شيئًا، فتصبح نفسًا عاجزة مؤذية بائسة، كن على حذر من جعل صغير اليوم مجرد أذى ينتظر من ينحيه أو يستغله، أنت من يبني العالم، وصدقني أفضل العلم علم تبحث فيه لتهدي إنسانًا، وأهم إنسان في حياتك هو ابنك.

سيدي الفاضل، سيدي المربي، وسيدتي المربية سأتحدث معكم عن الكلمات الهدامة، وربما كلمة بنت إنسانًا أثمر بين الأجيال والأجيال، وربما كلمة في أقل من لحظة قتلته وهو حي؛ لذلك علينا جميعًا تحري التقوى في المسؤولية العظيمة، والمهمة الصعبة؛ فهي جهادك، ولك في محمد قدوة، ولك في المسيح أسوة.

من فضلك لا تحرم الصغير الضعيف المروءة بجهلك، بل ازرعها فيه، اجعلها له ومنه!

أنت جميل لكن بدين، أنت متفوقة، لكن لا تسمعين الكلام! أنت جيد في هذا الأمر، لكن هذا ليس كل شيء، وغيرها من الكلمات العبثية الأنانية، تحسبها ماء يروي، تحسبها دواء يعالج، لكن هي سم يفتك بثقة ابنك وبمساحته الآمنة في الحياة من خلالك، ونموذج للحب غير المشروط مع المستقبل يهدم، ولا يبني؛ فتجد أنانية والتماس النقائص، تجد إنسانًا لا يتذكر الجيد فقط، ولا السيئ فقط، هو في صراع دائم بينهما يبحث دائمًا عن المثالية ولا يصل إليها، يبحث عن القمة والتميز بشراهة تفتك بإنسانيته.

من أكثر الأشياء تدميرًا، الفيروسات التي لا تُرى، وبعض الكلمات كالفيروسات تهوي بصاحبها، وبمن تغذى عليها.

علاقتك الإنسانية بطفلك علاقة معقدة تحتاج جهدًا وتعبًا.

لا تتعامل معه على كونه مسمارًا وأنت دائما الشاكوش، ولا تعلمه ثقافة الحب المشروط، ولا تجعله إنسانًا أنانيًّا، أنت أول متضرر إن ذهب عنك، وأيضًا متضرر إن جعلك من كنز عبقري رتبه الله بعناية، وجعل لكل شيء فيه بصمة لا تتكرر،  مجرد كائن مشوه أو عاجز نفسيًّا.

استخدم طرقًا للتعليم، وطرقًا للتنبيه، وطرقًا للبناء، لكن لا تستخدم فلسفة «لكن، وبس» وكل كلمة سلبية.

لكن تلغي ما قبلها، فلا تضع الحَب مع النوى، ولا الحُب مع النوى!

استخدم قصة في وقت هادئ، وابحث مع هذا العبقري عن المعنى، وكن مؤمنًا بهذه العبقرية، ابحث معه في رحلة متكررة أسبوعيًا، أو في اجتماع العائلة بلا جلد أو مقابلة، بلا بس، أو لكن، ركز واجتهد في جعل الأمور منفصلة.

كن قدوة، كن قدوة؛ فالتربية قول يطابق العمل فيبني، أو قول يخالف العمل فيهدم؛ لذلك كن قدوة في المساندة، ولا تكن قدوة في تصيد الأخطاء، فحبك لطفلك ليس له علاقة بوهم المثالية، وحب طفلك لك كامل وهو في رحم أمه، فلا تلوث قلبه عن غير قصد، ولا تؤذه بجهل، فهو هبة الله وبناؤه؛ لذلك اجعل كلمتك تبني ابنك ومن بعده حفيدك، ومن بعده ابنه إلى أن يشاء الله، اجعل كلماتك نورًا واجعل أفعالك طريقًا آمنًا للأجيال، «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

يقول الشاعر عبد الرحمن الشرقاوي في قصيدة عن الكلمة قد تجد بها أيضًا ما يوضح مقصدنا:

الكلمة نور
وبعض الكلمات قبور
ما دين الله سوى كلمة
ما شرف الرجل سوى كلمة
مفتاح الجنة في كلمة
ودخول النار علي كلمة
وقضاء الله هو الكلمة
أتعرف ما معنى الكلمة؟
الكلمة لو تدري حرمة
زاد مذخور
الكلمة نور
وبعض الكلمات قبور

بعض الكلمات قلاع شامخة
يعتصم بها النبل البشري
الكلمة فرقان ما بين نبي وبغي
بالكلمة تنكشف الغمة
الكلمة نور ودليل تتبعه الأمة
عيسى ما كان سوى كلمة
أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين
فساروا يهدون العالم
الكلمة زلزلت الظالم
الكلمة حصن الحرية
إن الكلمة مسؤولية
إن الرجل هو الكلمة
شرف الله هو الكلمة

أنتظر رأيكم وتعليقاتكم، ولنكمل حديثنا في مقال آخر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تربية
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!