ملخص الورقة

هذه الورقة البحثية تعرض علاقة الأحداث مع الواقع، تعريف الواقع في اللسان العربي والقرآن؛ تبين الفرق بين الوهم والحقيقة في مجالات الحياة الإنسانية (دينية، عقائدية، اجتماعية… إلخ)، كشف مصدر حقائق الإنسان والمجتمع الإنساني، كشف مصدر معرفة حقائق نفسك وحقائق المجتمع، توضيح معادلة حقيقة النفس البشرية (الاستحقاق الحالي) ثم براهين قرآنية على مركزية الواقع في الحياة، خاصة في معرفة الحقيقية، وفصلها عن الوهم.

سؤال الورقة

كيف أفرق بين الحقيقة والوهم في مجالات الحياة الإنسانية؟ هل كل ما أعانيه الآن حقيقة أم وهم؟

الأحداث والواقع

الحدث هو مجموعة من العوامل التي عندما تلتقي مع بعضها تشكل حدثًا، مجالات حصول هذه الأحداث هي في مجالات الحياة الإنسانية (الاجتماعي، والأسري، والعملي، والتطوعي) باعتبارهما أمثلة.

هناك نوعان من الأحداث في الوجود: حدث إنساني، وحدث كوني؛ النوع الأول هو الحدث الإنساني مثل: التفاعلات التي حصلت بين سيدنا يوسف وإخوته، عندما حاولوا أن يمكروا به؛ ليقتلوه بهدف الحصول على حب أبيهم لهم، ولكنهم مكروا بالشر ليقتلوا يوسف، ثم يخفوا الحقيقة، ومكر الله بالخير ليكشف الحقيقة، وينجي يوسف، وجازى الله يوسف بالمُلك، والتمكين في الأرض باعتبارها نتيجة لأفعاله؛ هذه القصة تسمى حدثًا إنسانيًا، بدليل أن الله سماها في القرآن حديثًا؛ أي حدث إنساني {لقد كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ما كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} (يوسف: 111). في قصة فرعون وموسى، يسمي الله أفعال فرعون وثمود والعقاب الإلهي لهم بحدث إنساني؛ حصل لفرعون وثمود وهذا واضح في قوله تعالى {هلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} (البروج: 17-18).

النوع الثاني هو الحدث الكوني الذي يحصل للمخلوقات الكونية مثل اختلاف الليل والنهار بتعاقبهما فيأتي هذا ويذهب الآخر، إنزال الماء من السماء باعتباره رزقًا لإحياء الأرض وغيرها، فكل هذه الأمثلة تسمى أحداثًا كونية تحصل يوميًا في الكون بقوانين خلقها الله، تضبط حركتها وعملها، وهذا واضح في قوله تعالى مخاطبًا جميع الإنسانية بأن اختلاف الليل والنهار ونزول الماء بأنها حديث، أي أحداث كونية لا شأن فيها للإنسان أبدًا {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)} (الجاثية: 3-6).

فالإنسان العادي تحصل له يوميًا أحداث إنسانية في مجالات حياته اليومية، مثلما حصلت لسيدنا يوسف وإخوته، وقد تحصل له أحداث كونية مثل رؤيته لكسوف الشمس وخسوف القمر، وتعاقب الليل والنهار، ونزول المطر، ونزول الثلج وغيرها.

فالسؤال هنا: أين تحصل هذه الأحداث الكونية والإنسانية؟ أفي خيال العقل أم في الواقع؟ وكيف أفرق بين الحقيقة والوهم في مجالات الحياة؟

أولًا: ابن فارس في معجم مقاييس اللغة موضحًا الجذر اللغوي لمعني كلمة (وقع) وأنا أقتبس: «الواو والقاف والعين أصل واحد يرجع إليه فروعه، يدل على سقوط شيء. يقال: وقع الشيء وقوعًا فهو واقع. ومواقع الغيث: مكان سقوطه. وتوقعت الشيء: أي انتظرته متى يقع» المصدر (معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، الجزء السادس، باب الواو، صفحة 133-134)؛ فالنتيجة أن مكان سقوط وحصول الأحداث اليومية (الإنسانية والكونية) هو الواقع وليس الخيال أو السراب أو الفراغ، ما يعني أن مكان وجود أفعالك هو الواقع، وليس ما يصوره لك العقل.

ثانيًا: ذكر الله في كتابه العزيز العديد من الأحداث التي تحصل في الحاضر والمستقبل، عالم القبر وعالم الآخرة، ولقد ذُكرت باعتبارها أنباءً ووعودًا غيبية أنزلها الله باعتبارها وحيًا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -، ثم وضح أن كل الأحداث والوعود الغيبية التي ذكرت في القرآن ستحصل في الواقع (سواء الحاضر، أو المستقبل) فيشاهدها ويسمعها الأحياء ويحسها الأموات بدليل {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)}.

ثالثًا: يشمل الواقع البيئة الكونية التي تحصل فيها الأحداث الكونية، وبيئة حياة الإنسان اليومية التي تحصل فيها الأحداث الإنسانية اليومية.

رابعًا: بما أن الواقع هو مكان حصول الأحداث اليومية (الكونية والإنسانية)، فالنتيجة أن مصداقية وصحة أي (قول، ادعاء، حلم، التزام، طموح، أمنية، تفسير، قرار، أحكام مسبقة، وعد، كلمة، هدف، تأويل، اجتهاد فكري) هي أن تحصل في الواقع، فإذا لم تحصل في الواقع، فهي فقط (وهم) توهمه الإنسان في عقله وليست حقيقة يعيشها؛ أي أن الحقيقة هي ما يحصل في الواقع من أفعال وجزاء مثل تخطيط وإنجاز مشروع كبير، الوهم هو ما لم يحصل في الواقع مثل (قول، ادعاء، حلم، التزام، طموح، أمنية، تفسير، قرار، أحكام مسبقة، وعد، كلمة، هدف، تأويل، اجتهاد فكري).

مثال 1: لديك حلم، موجود في العقل، بأنك تريد أن تكون رجل أعمال، فإذا لم تكن هناك خطة مثل أنشطة تفعلها يوميًا لتحويل هذا الحلم من خيال العقل إلى الواقع، فسيكون هذا الحلم فقط وهمًا (وهم تعني باطلًا في القرآن).

مثال 2: لديك اعتقاد ذاتي في العقل، أو اعتقاد الناس عنك أنك كريم، ولكن عندما يأتي يتيم سائلًا العون المادي تسخط في وجهه وترفض، هذا يعني أن الحقيقة هي أنك غير كريم (لأنها في الواقع)، أما الوهم أن تكون كريمًا؛ وهذا يؤكد أن مصداقية أي اعتقاد تصوره هو أن يحصل في الواقع عمليًّا.

خامسًا: بما أن مصداقية وصحة أي شيء هي أن تحصل في الواقع، فهذا يعني أن كل ما يحصل في الواقع هو الحقيقة، وكل ما لم يحصل هو الوهم؛ أي أن الواقع هو مخزن حقائق الإنسان، وحقائق المجتمعات الإنسانية، أفعال الواقع هي حقيقة الإنسان، وأفعال المجتمع هي حقائقه.

فالفرق بين الحقيقة والباطل أن الحقيقة تحصل في الواقع، أما الباطل لا يحدث في الواقع بل يدور في عقل وخيال الإنسان (من أحلام، وأماني، وتصورات ذاتية عن نفسه، وطموحات)؛ وهذا ما تؤكده الآية بأن الحقيقية هي في الواقع {قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118)} (سورة الأعراف: 115-118)؛ فهنا السحرة ألقوا عصيهم فتحولت لحيات، فعندما ألقى موسى عصاه ابتلعتها جميعًا، فوصف الله هذه الحادثة بـ(وقع الحق) أي الحقيقة؛ هي أن عصا موسى ابتلعت عصيهم في الواقع وليس في الخيال، ثم وصف الله أن عمل السحرة (باطل)؛ أي وهم لم يحدث في الواقع، بل العقل خُيِّل لموسى أن عصيهم تحولت لحيات، ثم سحر في العين المادية المجردة.

 ونؤكد أن السحر يكون حصرًا في العينين المجردتين، ولا يكون في الجسد المادي بدليل قوله تعالى {قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)} (الأعراف: 116)؛ وهذا السحر يدخل باعتباره معرفة إلى العقل فيتخيلها العقل حقيقة في الواقع فتراها العين، كلمة (وهم) في القرآن تعني (باطلًا)، والوهم هو زاهق وغير موجود أصلًا في الواقع أبًدا، بل موجودًا في العقل البشري من أحلام، وأماني، وتصورات ذاتية عن نفسه، وطموحات، ولكن بمجرد تقييم الإنسان للواقع يجد الحقيقة فاقعة، وهذا بدليل قوله تعالى {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (الإسراء: 81).

سادسًا: بما أن حقائق الإنسان والمجتمع الإنساني هي في الواقع؛ فالنتيجة أن الواقع يعتبر مصدرًا لمعرفة حقائق الإنسان أو حقائق المجتمع من خلال التحقق من أفعاله الفردية وأفعالهم الجماعية، وهذا بدليل قوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (سورة فصلت: 53). أي أن الآيات الإلهية سيراها الإنسان في الآفاق أي في واقع البيئة التي يعيش فيها.

طبيعة الحقيقة هي أنها تركب في العقل ثم تحول بأفعال في الواقع؛ فبالتالي تكون النتيجة أن حقيقة الفرد والمجتمع هي موجودة في الواقع، أما الوهم فيركبه العقل، فما تعانيه الآن هو حقيقتك وهو ما تستحقه بسبب أفعالك التي تعملها، وما يعانيه المجتمع الآن هو حقيقته وهو ما يستحقونه باعتبارهم جماعة بسبب أفعالهم اليومية الجماعية؛ فالنتيجية أن هناك حقيقية أحادية واحدة، وهي في الواقع قابلة للتغيير بتغير إرادة (الهدف والنية)، وفعل الإنسان (الأسباب التي يعرفها ويطبقها).

وهذا ينفي ما يفعله العامة من أفعال كثيرة تقودهم للفقر والمرض، ثم ينسبون هذا تارة لفساد الحكومة، وتارة لظروف البيئة، وتارة للقدر والجبروت الإلهي، وتارة للشيطان وضره، كأنهم يقولون إنهم لا يستحقون الواقع الحالي، من مرض وفقر، الذي يعتبرونه وهمًا، بينما يعتقدون بأن الحق أن يكونوا أغنياء وأصحاء.

مثال: تعتقد أنك تستحق أن يكون رزقك وفيرًا، موجود في العقل الواقع، تفعل أفعالًا تضيق الرزق مثل عدم القراءة، وعدم التفكير في إنشاء مشروع، وعدم البحث عن شركاء، والنوم على التوظيف باعتبارك موظفًا، فهذه أفعال تضيق الرزق، فتكون الحقيقة؛ هي أن تعاني من ضيق في الرزق إلى أن تموت، بينما الوهم هو أن يتوسع رزقك.

من هذا ينتج لنا المعادلة الحقيقة التالية:

أفعالك في الواقع + ما تعانيه الآن (الجزاء الحالي) = حقيقتك (الاستحقاق الحالي).

السؤال المركزي: ما هي الأدلة القرآنية التي تؤكد أن الواقع هو مصدر لمعرفة حقيقة الإنسان، ومعرفة حقائق المجتمع باعتبارهم جماعة، وأنه مكان حصول الأحداث والوعود الإلهية، وأن مصداقية وصحة أي شيء هي أن تحصل في الواقع، وأن حقائق الإنسان والمجتمع موجودة في الواقع، وليست موجودة في العقل، وتصورات الناس عنك؟

1. الأدلة في تاريخ الأقوام السابقة

{وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} (سورة الأعراف: 65). هنا دعا هود قومه إلى وحدانية الله، والتقوى الإنسانية بأن يكفوا العدوان، والأذى عن الناس، فردوا عليه بأنهم سيتبعون الثقافة الدينية، والعادات والتقاليد الدينية، التي ورثوها من الآباء مثلما نقول نحن الآن في العالم العربي ويرددها السادة الفقهاء بالتقوّل على الله بأن علينا اتباع الموروثات كاملة. فقال لهم موسى: إنه قد وقع عليكم رجس وغضب من ربكم؛ فهنا كلمة (وقع) تشير إلى أن الغضب الإلهي والرجس حصل في واقع قوم هود، أي أنهم خلطوا بين الحقيقة والوهم فاتبعوا الوهم؛ من هنا نفهم أن الواقع هو مكان حصول الأحداث (كما وقع الرجس والغضب على قوم هود)، وأن مصداقية الأحداث والوعود هي أن تحصل في الواقع، مثلما قال هود لهم بأنه وقع عليكم غضب ثم حصل في واقعهم، وأن الحقيقة موجودة في الواقع بينما الوهم يخيله لك العقل.

{قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)} (سورة الأعراف: 115-116). فهنا تنص الآية على أن إلقاء السحرة للعصي، وتحولها لحيات لم يحصل في الواقع، بل حصل نتيجة لسحر السحرة لأعين الذين كانوا حاضرين (موسى ومن معه)، ما جعل العقل يتخيل أن عصيهم هي حيات في الواقع، بينما يؤكد تعالى أن إلقاء موسى لعصاه وابتلاعها لعصي السحرة حصل ووقع في الواقع بدليل (وقع الحق)، ثم يؤكد تعالى أن إلقاء السحرة لعصيهم وتحولها لحيات كان وهمًا (باطلًا)، ونؤكد أن السحر فقط يكون حصرًا في العينين المجردتين ولا يكون في الجسد المادي بدليل قوله تعالى {قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} (سورة الأعراف: 116).

وهذا السحر يدخل باعتباره معرفة إلى العقل فيتخيلها العقل حقيقة في الواقع من هنا نفهم أن الواقع هو مكان حصول الأحداث كما حصل حدث مواجهة السحرة وموسى في الواقع، وأن مصداقية الأحداث والوعود هي أن تحصل في الواقع كما وعد الله موسى بأنك إذا ألقيت عصاك ستبتلع عصيهم في الواقع، ثم ألقى موسى فحصلت في الواقع، وأن الحقيقة موجودة في الواقع بينما الوهم يخيله لك العقل مثل إلقاء السحرة لعصيهم وتحولها إلى حيات كان وهمًا تخيله موسى والحاضرون بينما الحقيقة كانت هي عدم وجود هذه الحيات في الواقع (بل كانت عصي حتى عندما ألقوها في الواقع).

2. الأدلة في المجتمعات الحالية

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (سورة المائدة:90 ). يؤكد الله أن الشيطان يريد أن يزرع العدواة بين المؤمنين بدليل قوله {أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ} ثم يسعى للصد عن ذكر الله في الواقع أي يوسوس لك لتنسى القيم الأخلاقية والإنسانية في الواقع، ونؤكد أن الشيطان قاعد حصرًا في الصراط المستقيم، بدليل قوله تعالى {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} (الأعراف: 16)، وليس قاعدًا في أي مكان خلافه مثل (القبور، والحمامات، والأماكن المهجورة، والجبال، وأماكن القاذورات) كما يقول السادة الفقهاء المتقوّلون على الله ورسوله، وينشروها بين عامة المسلمين.

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} (سورة النساء: 97). هنا تسأل الملائكة الذي اختار العيش، واتبع ثقافة وعادات المجتمع الفاسدة الموروثة، ثم عمل عملهم في السلوك، تسأله عن السبب، فيرد: كنت مستضعفًا أي لم يكن لي خيار بديل أختاره، إلا العيش معهم، وتقبل ثقافتهم، وتقاليدهم، وأتبعهم مثل الدابة، فترد الملائكة عليه: أرض الله واسعة أي كان عليك اختيار خيار الهجرة من المجتمع الفاسد الظالم، ثم تكمل الآية بأن الذي يعيش في مجتمع به فساد وظلم وسلب للحقوق وغيرها ثم يختار هجرة هذا المجتمع في سبيل الله (في سبيل الله) تعني طلبًا للحرية والحقوق وحفظ الكرامة، يقول تعالى أن أجر هذا الفرد وقع على الله أي سيجازيه الله في الواقع بالثواب في الدنيا بدليل قوله {مَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (النساء: 100).

3. الأدلة في المستقبل.. عالم الآخرة

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) ثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنتُم بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ(51)} (سورة يونس: 50-51). هنا تنص الآية أن المجرمين يستعجلون بالعذاب، بينما العذاب ينزل على المجرمين إما نهارًا أو ليلًا، ثم يشير إلى أن مكان حصول ونزول العذاب هو في واقع المجرمين حيث يعيشون.

{إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} (سورة الطور: 7). هذه الآية ذكرت نصًا في القرآن ونزلت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم قبل 1499 عامًا، ثم أكد الله فيها أن العذاب (واقع) أي أنه سيحصل في المستقبل في الواقع من سير الجبال، وتشقق الأرض تمهيدًا للعذاب؛ وهذا يؤكد أن الوعود الإلهية ستحصل في الواقع في المستقبل.

{إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3)} (سورة الواقعة: 1-3). ذكر الله أن الواقعة (أي يوم وقوع القيامة) بأنه سيحصل في الواقع، ثم أكد أن وعده بحصوله في الواقع ليس كذبًا، وإنما مصداقيته أنه عندما يقع سيخفض الذين كانوا من أهل الاستكبار والسيئات والفساد في أدنى الدرجات في جهنم، وسيرفع الذين كانوا من أهل التوبة والإحسان والإصلاح في قوله (خافضة رافعة)؛ ففي الدنيا ترى الملوك والرؤساء في أعلى الدرجات، ويفسدون في الأرض وحولهم حاشية تطبل لهم، وتمدحهم، بينما عندما تقع الواقعة سينخفضون في أدنى الدرجات، ويفر منهم حاشيتهم؛ لأنه يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه.

الحقيقة موجودة في الواقع، الوهم موجود في تصورات العقل وتصورات الناس عنك.

أفعال الواقع هي حقيقة الإنسان، أفعال المجتمع الجماعية هي حقائقه.

أفعالك في الواقع + ما تعانيه الآن (الجزاء الحالي)= حقيقتك الاستحقاقية (الاستحقاق الحالي).

والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم وأحكم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد