أهلًا بك، القصص القصيرة لا تٌكتب، تختطف من بين داومات الزمن، القصة هي لقطة أو خبر أو إحساس معين تكثفه لي في جلسة واحدة، تخبرني كل ما تود أن تحكيه لي في تلك الجلسة، اعتبرني غريبًا عنك وتصادف أننا جلسنا في كرسيين متجاورين في قطار ينطلق الآن من الأسكندرية، ويبغى الوصول إلى أسوان في نهاية الرحلة تلك.

كي أصف لك الفارق بين القصة القصيرة والرواية ستكون المسافة التي تحتاجها كي تخبرني بقصة قصيرة هي المسافة التي سيقطعها القطار منذ أن تسمع صافرة التحذير أنه سينطلق ومن ثم مباشرته للطريق نفسه، ذلك وقت يعكس قصتك القصيرة، ليس معناها أنها قصيرة أنها ذات كلمات قليلة، قد تطول القصة لتصبح عدة أوراق، قد تستطيع أن تحكيها في ورقة واحدة أو ورقتين، لا يوجد أي معيار في طول أو قصر عدد كلمات القصة، الفارق الجوهري بين الرواية والقصة، هي أنك ستحتاج أن تسبر أغوار سائق القطار، وبعض قصص من عليه قبل أن يركبوا القطار ومن ثم تبدأ روايتك منذ انطلاق القطار في رحلته، وحتى يمر بالقاهرة، ويصل لأسوان بالسلامة، تلك قصص متعددة في رواية متشابكة وطويلة وتحتاج للكثير من الجلسات كي تكتبها وكي أستطيع قراءتها.

هناك مئات من الكتب التي تتحدث عن القصص القصيرة وعناصرها وأساليبها، والحبكات فيها، صدقني لا أهتم بكل ذلك، البشر نوعان ببساطة، نوع حكاء، ونوع مستمع، قد يكون الحكاؤون يمثلون 1% من العالم والمستمعون النسبة الباقية، إذًا فلو كان لديك ما تحكيه فلتقصه، رحلتنا طويلة إلى أسوان يا عزيزي سائل السؤال.

هناك بعض القواعد نعم، هناك بعض الإرشادات، هناك الكثير من الدروس المملة التي عليك أن تعرفها كي تنساها 🙂 القصص هي مجرد قصص لقطات ولحظات من الزمن قد تعكس طرفة، قد تعكس عزة، قد تعكس نظرة، تكثيف لمشهد واحد، قد لا يكون في القصة أبطال، قد يكون القطار بطلنا، قد لا يكون هناك حديث، ولا سيناريو ولا خطابات متبادلة بين الأبطال، سيكون صفير القطار صوت المتكلم، وستكون الكراسي شاهدة على الحديث بينهم.

قرأت ما يزيد عن ألفي كتاب من القصص القصيرة، المترجمة، العربية، العامية، استلطف كثيرًا الروايات وكتب القصص القصيرة، كتب القصص القصيرة، لطيفة ويمكن قراءتها في جلسة واحدة، قد لا أكمل القصة لنهايتها، ولكنني قطعًا أكمل الكتاب القصصي لنهايته، هناك كتب قصص قصيرة أذهلتني قصص قصيرة فيها، وهناك قصص خلعت قلبي وأنارت لي الكثير، هناك قصص بائسة وقصص مليئة بالحشو، مزية القصص القصيرة أنها ستتلاعب بك كثيرًا حتى تدرك أنك لن تطيق معها صبرًا.

لنعد إلى سؤالك، كيف تكتب قصة قصيرة، لنتخيل أن ليس لديك مخزون من الحكايات، أو الصور أو المشاهد التي تحفز عقلك وبصيرتك وخيالك كي تكتب قصة تروي فيها ما تود قوله، لن أنصحك أن تقرأ كثيرًا فقط، ولكن شاهد كثيرًا، أهتم بالتفاصيل التي تمر على الآخرين في حياتهم، راقب عن كثب فكل ما حولك يمكن أن يدهشك، يغيرك، يثير لديك سؤالًا لا يعرف إجابته غيرك، اهتم بوصف المشاعر، داعب اللغة، داعب الكتابة، هناك المئات من القصص القصيرة المدهشة التي يمكن أن تعلمك منها الكثير، وهناك ملايين القصص التي لم تكتب بعد، قد يكون لك منها الكثير، لا أحد يعرف ولن تعرف أنت أيضًا إلا حين كتابتها.

دوامات الزمن مستمرة، الرحلة بالقطار مستمرة، الأحاديث بين البشر لا تنقطع، المشاعر المختلطة والمختلفة التي تمر بها كل يوم لا تتوقف، واحدة من أفضل أساليب كتابة القصص القصيرة هي الحصول على أفكار، مناجم الأفكار حولك في كل مكان، لكن عليك أن تتعلم كيف تلتقطها، تدونها، تخمش أظافر الذاكرة كي تبقيها هناك، تعلم الإيجاز في الوصف، لنفترض أن لديك درسًا عمليًا وهو أن تكتب الآن عن ضيقك عن الجالس إلى جانبك في المقعد المجاور في القطار، أن تصف كل ذلك في سطرين، وأن توصل ضيقك الكامل من هذا الجالس بجانبك، لتنمي مهارات التخيل لديك، القطار ضيق والجو حار، تلك الدرجة الثانية، العرق ورائحته يثيران اشمئزازك، الجو خانق، ومن ثم الجالس بجوارك يأكل، يشرب، أنت تضيق ونفسك يضيق، تكاد تغضب وتصرخ في الجميع أن كفوا عن ذلك، لا أحد يشعر بذلك، ولا يشعرون بك، الزمن يكمل دورانه لساعة أخرى، طفل رضيع في الأرجاء يبكي، أنت متوتر للغاية، مناديلك تكتشف أن لا مزيد منها لديك، تود أن تنتهي الرحلة الآن، ومن ثم تبدأ مشاجرة في القطار، أن تطمح في أن تصل لأية محطة مهما كانت كي تغادر ذلك القطار اللعين، هل يمكنك أن تسهب الآن في وصف ذلك كله، أضف مزيدًا من الحبكة، يأتي الكمساري تمد يدك في جيبك كي تخرج تذكرتك، من محفظتك، تجد لا شيء، فقدت أوراقك في المشاجرة الماضية، فقدت تذكرتك و«ستُطوق»، لم يزال الرجل إلى جانبك يأكل بنهم وبصوت يفزعك، تنزل دمعة قصيرة على عينك ومن ثم تقف، تذهب ناحية باب القطار تفتحه ومن ثم تقفز والقطار سائر، مراوح روحك لم تعد تتحمل كل ذلك، إضافة لخسارتك لمحفظتك التي كان بها الكثير من المال الذي استدنته كي تفعل أي شيء.

لم يكن هناك حديث، ولا أبطال، لم أكن أعرف الحبكة، كتبت الحبكة وأنا معك، أنا أشاهد من العربة التالية للقطار، مر بجانبي الرجل طائرًا من القطار، لم يفزع أحد ولم يصرخ أحد كأن شيء لم يكن، تلك قصة جديدة، قصة عن اللامبالاة، حتى سائق القطار لم يوقف القطار، هذا الرجل لم يفتقده أحد، أفكر فيه عندما يكتشف الناس جثته، لن يجدوا أوراقًا ثبوتية معه/ لن يجدوا أية أوراق شخصية، أين سيدفن؟ ذلك السؤال يعكر صوفي، أتخيل هل سيدفن في مدافن الصدقة؟ هل سيصل البعض لنشر صورته في الجريدة، هل سينشرون عنه منشورًا في شبكات التواصل الاجتماعي كي يتعرف عليه أحد من أهله، تلك قصة أخرى تنتهي بتوقف القطار بسبب مشكلة في محركه.

أخيرًا لا تتوقف عن المراقبة، لا تتوقف عن التمرين، والتدريب على الكتابة، قم بكتابة يومياتك، المشاهد التي لم تنساها في يومك وعلقت في ذاكرتك، تمرن على الإيجاز ومن ثم الإسهاب، تمرن على وصف الشخصيات والوجوه، تمرن على وصف المشاعر، لا تغرق نفسك بالكثير من التفاصيل، اقرأ كثيرًا، أنصت كثيرًا، استمع للجدات وكبار السن، لديهم نبع قصص لا ينتهي.

لا تبحث عن الحبكة، بل أجعل الحبكة تبحث عنك، لا تبحث عن عناصر القصة هل توافرت أم لا، أبحث فقط عن المتعة، هل أمتعتك تلك القصة التي قرأتها أو كتبتها أم لا، قد تكون قصة مدهشة دون سيناريو، ولا شخصيات كما كتبت بالأعلى، ولكنها قصة لطيفة وخفيفة ورشيقة للغاية، قد تكون قصة تحكي عن وصف لشعور واحد، أو إحساس معين، قد تكون قصة تصف نظرة واحدة، أو لقطة واحدة، قد تكون نظرة عن قرب تخرج قصة قصيرة لطيفة جدًا، قد تكون حكاية من حكايات الجدة تفعل ذلك، لكن لا تتوقف عن المراقبة والتمرين والكتابة.

أتمنى لك قصصًا ممتعة ولطيفة بغض النظر، سواء كانت قصيرة، أو طويلة، أو في شكل روايات.

مودتي لك، محمد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد