تمهيد ميثولوجي

لا مراء في أن دراسة أساطير مجتمعٍ ما، القديمة والحديثة، يُعطيك انطباعًا أوليًّا عن نظرتهِ للكون والإنسان والحياة، فالأسطورة مصدرٌ خصيبٌ يمكنك أن تستلهم منها موقف أفراد المجتمع من القضايا الجوهرية والمهمة التي كانت وما زالت تشغلهم.

وما الأساطير إلا قصص حاكَتْها مخيلاتٌ بشرية مُبدعةٌ وخلَّاقة، حيثُ سخَّر الإنسانُ القديمُ طاقاته الفكرية وعواطفه في تفسيرِ الظواهر الغريبة التي تحدثُ من حولهِ، ونتاجُ عملية التفكير هذه تَمخَّضَ عنها «الأسطورة». إلا أنها كانت في نظِرِ تلك الشعوب عينُ الحقيقة.

وسواءٌ اتفقت أو اختلفت، فإن أساطيرَ الأولين السابقين هي «أساطيرُ الآخرين»، أي لا بُد لأفكار الآباء أن تؤثر في أفكارِ الأبناء، قليلًا أو كثيرًا. وكثيرةٌ هي المجتمعات التي لا ترى أساطيرها أساطير، بل تراها ضمن مرتبةِ العقائد والكتب العلمية، حتى إن البعض لا يجدُ بأسًا في أن يدسَّها في كتب الملل والنحل وغيرها.

بواعث الاعتقاد بالجن والقوى الخارقة

فالبدايةُ، إذن، كانت في التفسير الصَّادرُ عن الإنسانِ القديم. والتفسيرُ بحد ذاته مرهونٌ بأدواتِ المعرفة المتوفرة، وأدواتُ المعرفة التي كان الإنسانُ القديم يتوفر عليها آنذاك لم تُسعِفهُ حتى يعزو صوت الخرخشة التي تصدره أوراق النبات إلى حركةِ حيوانٍ ما بينها! كما لم تُسعِفهُ في أن يُفسِّرُ السبب وراء مرضهِ أو اعتلالهِ لفيروسٍ ما أو لثمرةٍ فاسدةٍ تناولها. من هذه الصور البسيطة، صعودًا إلى أكثرها تعقيدًا، كأن تُقحطُ الأرض، وتكسف الشمسُ، ويُخسفُ القمر وغيرها من مظاهر غضب الطبيعة.

فقد كان يعزو الحالات السابقة إلى قوى خفية خارقة للطبيعة، تتمثلُ في الجن والأرواح الشريرة وغيرها من الكائناتِ غير المرئية. أو يعزوها إلى إله من الآلهة التي كان يَعبُدها، فرأى فيها القدرة على جلب النفعِ ودفع الضر، كما هو الحال عند الإغريق القدماء وحكاياتهم مع آلهة الأولِمب.

وفيما يتعلق بتلبُّس الجِّن بالإنسيِّ، فالسومريون من أقدم الشعوب التي آمنت بأن «الكون مليء بالعفاريت الطيبة والخبيثة، وصوروها وحوشًا مخيفة وكائنات مركبة، أو أشباحًا كأرواح الموتى، منها ما يخفى ولا يظهر لأحد، ومنها ما يخفى على أناس، ويظهر لآخرين بالرقى والعزائم، ومنها ما يتلبس جسم الإنسان».

الجن في الأساطير العربية

بدايةً وبداهةً، فالعربي القديم تأثَّر بشكلٍ كبير بمثل تلك المُعتقدات الميثولوجية، سومريةٌ كانت أو فارِسية أو غيرها. حيثُ رأى في المساكن المهجورة وفي الخراب مأوى للجن وغيره من الكائنات غير المرئية، وقد جاء في مُعلَّقة الأعشى:

وبلدةٍ مثلِ ظهر التُّرسِ مُوحِشةٌ *** للجِنِّ باللَّيلِ في حَافَاتِها زَجلُ

كما أن للجن في الأساطير الجاهلية القدرة على أن يتشكَّل بصورٍ كثيرة، وهذا نجدهُ في حكاية «تأبط شرًّا» الأسطورية. ومفادها أن ثابت بن جابر الفهمي «تأبط شرًّا» لقي في ليلة ظلماء «الغول» في موضعٍ يقال له «رحا بِطان» في بلاد هُذَيل، فأخذت عليه الطريق، فصارعها حتى قتلها وبات عليها، فلما أصبح حملها تحت إبطهِ إلى أصحابه، فقالوا له: لقد تأبط شرًّا.

من ذهب إلى إثبات تلبُّس الجن للإنسان وأدلته

يذهب البعض إلى القول بأنه مذهب أهل السنة والجماعة، يستدلون بذلك على أقوال بعض الأئمة. وفيما يلي عرضٌ لتلك الأقوال:

1. أبو الحسن الأشعري: «إن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككهُ ويتخبطهُ، خلافًا لقول المُعتزلة والجهمية[1]. كما قال تعالى:{الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} (البقرة: 275)».

2. وقول الإمام أحمد بن محمد بن منصور ابن المنيَّر: «واعتقادُ السلف وأهل السنة أن هذه أمور على حقائقها، واقعةً كما أخبر الشرع عنها، وإنما القدرية خصماء العلانية، فلا جرم ينكرون كثيرًا مما يزعمونه مخالفًا لقواعدهم، من ذلك: السحر وخبطة الشيطان، ومعظم أحوال الجن»[2].

3. أما ابن تيمية فيذهب إلى القول بأنه «ودخول الجن في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، وليس في أئمة الإسلام من ينكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره»[3]. ثم أتبع في الحديث عن صرع الجن للإنسيِّ، فقال: «وقد اتفق عليه أئمة الإسلام كما اتفقوا على وجود الجن»[4].

4. أما مفتي السعودية الأسبق الشيخ عبد العزيز بن باز فيقول:«وقد دلَّ كتاب الله عز وجل وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة على جواز دخول الجني بالإنس وصرعهِ إياه»[5].

الأدلة من القرآن والسنة وما وقع لبعض الأئمة

ويستدلون شرعيًّا على تلبس الجن للإنسيِّ وصرعه إياه بالقرآن والسنة، وفيما يلي بيانها:

1. الأدلة من القرآن الكريم

يقول تعالى:{الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} (البقرة: 275).

· يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: «فقال جلَّ ثناؤه للذين يأكلون الربا الذي وصفنا صفته في الدنيا لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس، ويعني بذلك: يتخبطه فيصرعه من المس، يعني من الجنون، ويمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل»[6].

· ويقول ابن كثير: «أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبطه الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا»[7].

2. الأدلة من السنة النبوية

ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن صفية بنت حيي زوجُ النبي رضي الله عنها قالت: «كان النبي، صلى الله عليه وسلم، معتكفًا. فأتيته أزوره ليلًا. فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني – وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد – فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أسرعا. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: على رسلكما. إنها صفية بنت حيي فقالا: سبحان الله يا رسول الله. فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم . وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا – أو قال شيئًا».

وقد استدل عدد من علماء وأئمة أهل السنة والجماعة على هذا الحديث ليثبتوا أن الجن يمكنه أن يدخل في بدن الإنسان وصرعه له، ومنهم: القرطبي في تفسيره[8]، وابن تيمية في فتاويه[9]، وابن حجر الهيثمي وردَّ به على المعتزلة[10]، وغيرهم.

3. الاستدلال بما حدث مع بعض الأئمة

كما حدث مع الإمام أحمد بن حنبل، وجاءت في كتاب «طبقات الحنابلة»[11] للقاضي أبي الحسن بن أبي يعلى الفراء، ومفادها أن الإمام كان يجلس في المسجد، وجاءه خادمٌ للخليفة العباس المتوكل، فقال للإمام بأن جارية بها صرع، فطلب من الإمام أن يدعو لها، فأخرج الإمام «نعلي خشب بشراك من خوص للوضوء» وأعطاه إياه. وأمر الخادم أن يجلس بجانب رأس الجارية ويقول للجني «قال لك أحمد: أيما أحب إليك، تخرج من هذه الجارية أو تصفع بهذه النعل سبعين؟» فردَّ المارد «السمع والطاعة، لو أمرنا أحمد أن لا نقيم بالعراق ما أقمنا به، إنه أطاع الله ومن أطاع الله أطاعه كل شيء» وخرج من الجارية، وهدأت ورزقت أولادًا.

استغلال الاعتقاد بتلبَّس الجن للإنسيِّ

في مارس (آذار) 2016، حوكم قاضٍ في قضية رشوة، حيثُ استولى مستغلًّا منصبهِ على 600 مليون ريال. فقال القاضي بأنه لم يكن مُدركًا لذلك، نظرًا لأن جنيًّا تلبَّسهُ وهو المسئول عن ذلك كله. وبالتالي، فقد «قضت المحكمة الإدارية بعدم إدانة القاضي بالفساد المالي».

الهوامش

[1] الأشعري، أبو الحسن. (د. ت). الإبانة في أصول الديانة. القاهرة: المطبعة المنيرية، ص 12.

[2] الإمام ابن المنير، أحمد بن محمد بن منصور. (د. ت). الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال على هامش تفسير الكشاف للزمخشري المعتزلي، ج1. بيروت: دار المعرفة، ص 164-165. وقد تعقب الإمام ابن المنير الزمخشري في كشافه، وبيَّن ما فيه من ضلالات واعتقادات جرى فيها الزمخشري على مذهب أصحاب المعتزلة المخالفين لأهل السنة والجماعة.

[3] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. (د. ت). مجموع الفتاوى، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ج24. دار العربية للطباعة والنشر، ص 276.

[4] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. (1976). الرد على المنطقيين، إدارة ترجمان السنة-لاهور-باكستان، ط2، ص 47.

[5] ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله. (1989). مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، أشرف على جمعه: محمد بن سعد الشويعر، ج3، ط1. الرياض، ص 320.

[6] الطبري، محمد بن جرير أبو جعفر. (1988). جامع البيان في تفسير القرآن، ج3. بيروت: دار الفكر، ص 101.

[7] ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل. (د. ت). تفسير القرآن العظيم، ج1 القاهرة: دار التراث، ص 326.

[8] انظر: تفسير القرطبي، 2/50.

[9] انظر: مجموع الفتاوى، 24/277.

[10] انظر: الفتاوى الحديثية، ص 72.

[11] ابن أبي يعلى. (د. ت). طبقات الحنابلة، تحقيق: محمد حامد الفقي، ج1. القاهرة: مطبعة السنة المحمدية،ص 233. وانظر: الشبلي، بدر الدين بن عبد الله. (د. ت).آكام المرجان في أحكام الجان، تحقيق: عماد زكي البارودي. القاهرة: المكتبة التوفيقية، ص 135-136. والسيوطي، جلال الدين. (د. ت). لقط المرجان في أحكام الجان، تعليق: خالد عبد الفتاح شبل. القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي، ص 108-109.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد