من الصعب تصور الحرية خارج الدولة، كل تصادم مع الدولة هو بالأحرى تصادم من أجل الحرية.

والمرء منا يكتشف الدولة قبل اكتشافه الحرية؛ إذ الدولة دومًا تسبق الحرية، فكم من دولة وُجدت (وما زالت موجودة) من غير أن تستنشق نسيم الحرية وتنشرها، حتى لا يكاد أحد من أبنائها يعرف ما الحرية لكنه يعرف جيدًا ما الدولة، إلى أن يأتي من أبنائها مَن هم يقررون فتح منافذها المغلقة بوسيلة أو بأخرى.

معلوم أن الباحثة السياسية الألمانية حنّا أرندت (1906 ـ 1975)، التلميذة الواقعة في حب أستاذها المعتكف “هايدغر”، انشغلت بأسس الدولة الحديثة التي تمتد فلسفة تلك الدولة منذ “أفلاطون” وحتى “هيغل”، مرورًا بـ “هوبز” و “روسو”، والعمل على جلاء ممارستها القمعية تجاه مواطنيها، وكشف زيف شعاراتها.

على كل حال، فمن بين ما أنتجت حنا من أعمال، يأتي عملها القليل في صفحاته والثري بأفكاره: “في العنف”؛ ليحاول توضيح علاقات العنف بالسلطة، ومآل كل منهما بحضور الآخر، وواقع السياسة إزاء العنف.

ليعتني منها هذا المقال بعدة أسئلة تخص الشأن التداولي المعاصر، وبالأخص الحالة المصرية. وهذا الاختصاص يعني من خارج الحدث، أي محاولة لفهم من خلال طرح حنا لظاهرة العنف ضمن الدولة الحديثة من دون تفاصيل مادية واقعة في المجال الحالي.

من أين يولد العنف؟

ببداهة مفرطة هذا سؤال يأخذنا مباشرة نحو طبيعة السلطة الحاكمة لا إلى الفاعلين أنفسهم للعنف، فلا أحد يسلك سلوكًا عنيفًا من غير شعوره بوقع الظلم عليه والانعزال عن واقعه المعيش. العنف رد فعل طبيعي تمامًا لحالة القمع وكبت الإرادة المفروضة على المرء.

وعليه، ففي بلاد تنبع فيها السلطة من فوهة البندقية بتعبير “ماو تسي تونج”، وتكون السياسة فيها قائمة أساسًا على علاقة البندقية بها، وكل القرارات تتم عبر سطوتها، في واقع عبثي تمامًا كهذا، البديهي جدًا أن يأخذ الواقع مسار عنيف تجاه السلطة، (غير الطبيعي أنه لا يأخذ مسار العنف، وللسبب نفسه نعرف لماذا كانت السياسة في مصر طيلة الأربع سنين الماضية التي أعقبت الثورة عبثية بشكل مذهل ومدهش إلى حد بعيد).

وعلى هذا تؤكد حنا أرندت على أن زيادة سيطرة النزعة البيروقراطية (الإدارية من المؤسسات) على عالم الحياة، يزيد من إغراء ممارسة العنف، غير أن “ذروة الإرهاب تكون حين تبدأ الدولة البوليسية بالتهام أبنائها”.

وفي الحالة المصرية مثلاً، تظهر بوضوح النزعة البيروقراطية المُتجذرة في كل المؤسسات منذ أن سيطر الجيش على البلاد في خمسينيات القرن الماضي، والتي نتج عنها غياب تام للحرية السياسية وللقدرة على الفعل، كذلك الالتهام المستمر لأبنائها عبر الاعتقالات والقمع في الشوارع والجامعات وفي مختلف الميادين، كل تلك العوامل وغيرها تصبو حول أن مآل العنف محتوم عليه الخروج يومًا ما.

 

هل سيهزم العنف السلطة؟

بحسب حنا أنه من الأرجح عند مجابهة يقف فيها العنف (من الدولة) ضد العنف (من فصيل خارجها)، كان تفوق الحكومات على الدوام تفوقًا مطلقًا؛ لأنه ومنذ بداية القرن الماضي، يلاحظ بفشل ذريع يلاحق الثورات نتيجة تنامي القدرات التدميرية للأسلحة التي لم يعد أحد يملكها سوى الحكومات.

لكن لا تفتأ حنا تصدّ البائسين عن ثورتهم، حتى تطالعنا بقولها إن بإمكان العنف أن يدمر السلطة، بإمكانه إذا ضاعف القدرة البشرية عبر الأدوات أن يزلزل السلطة ويزيلها.
فضلاً عن أن هذا التفوق من قِبل الدولة ليس ثابتًا على الدوام، بل يظل مرهونًا فقط بمقدار ما تظل بنية السلطة لدى الحكومة غير ممسوسة، أي بمقدار ما تظل التعاليم مطاعة، وبمقدار ما تظل الشرطة وقادة الجيش مستعدين لاستخدام أسلحتهم حتى النهاية.

 

وفي هذا شك في حدوثه بالتأكيد، (مَن هذا الذي يظل يقاتل من أجل الدولة وهو يراها في كل يوم تقع أمامه؟)، فالعنف إذا استمر وارتكز، بطابعه الأدواتي المتميز، على ما يؤرق ويوجع النظام، (الشركات متعددة الجنسيات مثلاً، أو المؤسسات الحساسة كالتابعة للقضاء وأجهزة الأمن)، فإنه، أي العنف، غالبًا ما سيؤول للسلطة نحو الهاوية، أي يقوم بتدميرها.

 

ماذا بعد تدمير السلطة؟

 

يبدو ولسبب قدري محض أننا لا نعرف لمَ القائمين على فعل العنف وتدمير السلطة لا يفكرون في ما بعد السلطة. إنه لأمر رومانسي تمامًا ونظري، بالنسبة إليهم، أن ينتظر أحد، ليس بفاعل أو مشارك بشكل مباشر في المشهد، إجابة على ذلك التساؤل منهم.

 

وكأن لسان حال جُلّ المعارضين للسلطة القائمة، بما فيهم غير الفاعلين كذلك يقول: هذا أمر يُترك للباحثين والمنظرين السياسيين، الأهم أن نمحو السلطة ونزيلها، لكن ما الذي سيحدث بعدها، فذلك لا يشغلنا بشيء ولا يعنينا في شيء.

 

ومن هنا، تجادل حنا، وبإلحاح شديد، أنه وبالرغم مما يمكن للعنف أن يجعله قادرًا على تدمير السلطة، لكنه في الوقت نفسه عاجز بالضرورة على خلقها. “العنف يفيد” نعم، لكن المشكلة تكمن في أنه يفيد بشكل لا تمييز فيه، أي بشكل عشوائي تمامًا، بحيث أنه يمكن للعنف أن يحقق الانتصار، لكن الثمن سيكون مرتفعًا للغاية. أي بمقدار ما تتحول الأحلام إلى كوابيس يسقط الجميع في وهودها.

 

تقول حنا أرندت في كتابها المذكور:

“العنف لا يعزز من شأن القضايا، ولا من شأن التاريخ
، ولا من شأن الثورات، ولا من شأن التقدم أو التأخر، لكن بإمكانه أن يفيد في إضفاء طابع درامي على المطالب وإيصالها في الرأي العام لافتًا نظره إليها”.

 

العنف بما هو كذلك، آخر ما يهدف ويصل إليه هو الاعتراف به من جانب الخصم الذي هو الدولة/ السلطة والمساواة معه، لكنه أبعد من أن يجعل القضية المنوط بها محققة. إن أكثر ما يحققه العنف أن يجعل من صوت القائمين عليه جديرًا بالاستماع والإصغاء، إنه وكما يقول أوبريان يؤمّن سماع صوت الاعتدال. أما ما بعد ذلك، أي الحديث عن السياسة، بما هي نسق متعارف عليه، فإنه لا يقدر على حمله بكل تبعاته، أو قل بلغة أكثر بساطة: إن العنف وحده لا يقدر على إنشاء دولة.

 

هذا إذن دلالة عرضية للعنف كما تحلله الباحثة الألمانية حنا أرندت، منطلقة من اجتهاد فلسفي ودلائل تاريخية، والتي ربما يظهر من خلاله أن طريق العنف لا هو بالحل الوحيد الذي تتوج منه الثورة عبر انتصارها على دولة شمولية تحتل عالم الإنسان، والتي تنتهي بتشييد الحياة المنشودة، ولا هو كذلك بالطريق المغلق والمظلم تمامًا لكل منافذ الحياة.

إنه وربما يكون طريق غامض بدرجة عبثية كعبثية الواقع ذاته، إلا أنه يبدو طريق حتمي يمر عبر متاريس الدولة وآليتها المسلحة، كي يعلو، في أسوأ الظروف، أصوات البائسين من أهل هذه الصخرة المسماة بالأرض، في وجه سلطة ديكتاتورية غاشمة تترأسها مجموعة من الجنرالات ورجال الأعمال، لتؤججهم تلك الأصوات من البائسين وتؤرقهم من الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد