مقترح مبادرة التصالح بين جماعة الإخوان المسلمين والدولة المصرية

«هناك كعكة آيس كريم على الطاولة، أحد الطفلين «علي» يقترح على الآخر «بابا» كيفية تقسيمها. إذا وافق «بابا»، يتم الاقتسام كما اتفق: ماذا وإلا، تذوب الكعكة، ولا يحصل إياهما على شيء.»[1]

يأخذك السيد «ديكسيت» في رحلة مثيرة، بشكل مبسط، ومنطق لا تشوبه شائبة؛ ليشرح لك الخطوات التي تذوب فيها الكعكة، تدريجيًا حتى تفنى، خلال عملية التفاوض!

«التسوية هي فن تقسيم الكعكة، بالطريقة التي تجعل كل فرد مؤمن بحصوله على القطعة الأكبر» «لودفيغ إيرهارت»[2]، كان هذا الاقتباس عالقًا في ذهني منذ وقعت عيناي عليه للمرة الأولى، لا أعلم مناسبته، لا أعرف عن قائله الكثير، إلا أنه أحد تلك الاقتباسات التي تقرأها لتبقى معك.

بالطبع مصر ليست كعكة، حتى وإن كنا اعتدنا سماع المصطلح منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير، إلا أنها، وإن كانت كعكة، فليس هناك ما يجعلنا نؤمن أنها «كعكة آيس كريم»، أو أنها مطروحة على الطاولة، ناهيك عن كونها متاحة للتقسيم.

المسكوت عنه، ربما لأسباب اجتماعية أو دينية. أكاد أجزم أنه يموج في باطن كل فرد من المعسكرين، صوت يخبره، أن «مصر» لن تخرج مما هي فيه، إلا بتعاون بين المعسكرين، بتنازل من الطرفين، وعمل مشترك يجمعهما – العدوين اللدودين – معًا.

ولما ترفع البعض، عن مخاطبة بيت الداء، رأيت أن أعرض ما جال بذهني، ففي الوقت الذي يتحدث الجميع فيه باسم مصر، والوطن إلى أن ابتذلت تلك المعاني. يعجز الكثيرون عن استخدام أحدها ذريعة؛ لتقديم رؤية مغايرة، قد يراها البعض شذت عن المألوف؛ محاولة لإنقاذ «كعكة الآيس كريم» قبل ذوبانها،عن طريق إقناع كل طرف أنه حاز القطعة الأكبر؛ لتتم التسوية.

متجاهلًا متعصبي المعسكرين، أحاول جاهدًا طرح تصور؛ لمحاولة التسوية بين مؤسسة «الإخوان المسلمين» وبين «الدولة المصرية»، والذي لا يفترض فيه كونه تصورًا نهائيًا. ما هو إلا محاولة لطرق باب أرى أن أحدًا لم يطرقه؛ حتى يتسنى لمن رآني طارقًا إياه أن يحذو حذوي؛ محاولًا تبسيطها وشرح أسباب اختيارها؛ لتكون مرجعًا لمن أراد تجويد هذا الجهد وتطويره[3].

بنود التسوية المقترحة[4]

  • يتم اعتبار قادة الانقلاب جواسيس إسرائيليين، ومن ثم تسليمهم للجانب الإسرائيلي في صفقة ما، مع استمرار مقاضاتهم أمام المحاكم الدولية، والاتفاق على مقابل مناسب، كرفع الحصار عن غزة مثلًا، أو كيفما اتفق.
  • يعد كل من شارك في جريمة قتل، بشكل مباشر، مذنبًا تحت أي ظرف أو تحت أي مسمى، كل من شارك في عمليات القتل، من جنود أو ضباط من القوات التابعة للدولة، أو من عموم الشعب ممن يطلق عليهم صفة «البلطجة». كل من قتل فردًا من الشعب، سواء كان ذلك في أحداث عنف، أو قتل خارج إطار القانون، منذ ثورة يناير، وحتى انتهاء المرحلة الانتقالية، يتم إعدامهم جميعًا في ميدان عام.
  • يتم التعامل مع القادة الوسطاء، الذين كانوا ينقلون الأوامر – من القادة الأعلى- ولا يقتلون بأنفسهم، بشكل فيه بعض تفصيل: إذ يتم تشكيل محكمة ذات هيئة خاصة لمحاكمتهم، وتحديد مدى تورطهم وفق معايير صارمة؛ لتتم معاقبة المتآمر منهم بالإعدام، والمضطر بعقوبة أقل، تحددها هيئة المحكمة، وفق كل حالة.
  • يكون مصير القضاة وأعضاء النيابة، الذين شاركوا في جرائم الانقلاب على إرادة الشعب، العزل والتجريد من مناصبهم والحجز على أموالهم، وأموال أقارب الدرجة الأولى، ويعامل الأفراد المضطرون منهم، أو باقي أعضاء هيئة السلك القضائي، بنفس معاملة قادة الاضطرار في البند السابق.
  • كل إعلامي حرض بشكل مباشر وصريح، على أي فرد من أفراد الشعب، تحت أي مسمى، وأيًا كان انتماؤه[5]، يتم محاكمته وفق محاكم خاصة، تخضع للقوانين المصرية والدولية[6]، والقوانين واللوائح التي يقرها مجلس الشعب، كما يتم استثناء وضع المضطر[7].
  • يحرم المستفيدون من وضع المضطر من التصرف في أموالهم، لحين استعادة كافة الأموال، التي تحصلوا عليها، بالتماهي مع الانقلاب على الشرعية.
  • جميع موظفي العموم الثابت عليهم وقائع فساد[8]، يتم التصالح معهم على أساس استعادة كافة الأموال، والممتلكات، منهم ومن ذويهم، مع تسريحهم من وظائفهم، وإبقاء القدر الكافي للمعاش المحدد لفئتهم من قبل الانقلاب، وهذا في حال تقدمهم بالاعتراف على أنفسهم، أو إدانتهم ونشر جرائمهم على الرأي العام، بدون التصالح في حال محاولة التهرب.
  • مكافأة كل من يدلي بمعلومات، عن فساد أو جرائم قتل، وفق القواعد التي تحددها لجان المصالحة.
  • تتكفل الدولة بدفع دية ومعاش لكل مواطن أو ذويه، كان قد تعرض لأذى – على خلفية سياسية – منذ اندلاع أحداث ثورة يناير، وحتى انتهاء المرحلة الانتقالية. ويتم تمويل هذه المصروفات بشكل أساسي، من صندوق التصالح مع الفاسدين والأموال المصادرة من القتلة.
  • كل الأوضاع القانونية منذ الانقلاب على الشرعية، تعد كأن لم تكن، ويتم الرجوع إلى الأوضاع القانونية السابقة عليه[9].
  • يتم الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين، وتعويضهم، بشكل لائق، التعويض العادل.
  • تحديد رواتب الهيئات المسلحة، والمرتبطة بالفساد بشكل أساسي؛ حتى يكون الراتب مانعًا لأي فساد محتمل، على أن تكون عقوبة الفساد خلال أول خمس سنوات، بعد انقضاء المرحلة الانتقالية، في أي من تلك الهيئات هي الإعدام.
  • تقنين أوضاع جماعة الإخوان المسلمين، بشكل نهائي وللأبد، بتحديد المسموح به وغير المسموح، بلا مواربة ولا حسابات سياسية. وتتحمل الدولة كل نص، لم يكن واضحًا كفاية، أو لم يتم الإشارة إليه بشكل واف، وشاف لما قد يقع في المستقبل.
  • بعد الاتفاق على الرواتب العادلة، يتم تحويل كل مؤسسات القوات المسلحة والشرطة، الخاصة بالأعمال المدنية، أو التابعة للدولة على شكل صناديق خاصة، أو خدمات مدنية، إلى قطاع الأعمال العام، على أن يتم إدارتها عن طريق مؤسسة تتبع قانون قطاع الأعمال الخاص، تخضع لرقابة الشعب بشكل مباشر أو عن طريق نوابه.
  • في حالة فشل جماعة الإخوان المسلمين، أو من يمثلهم في الحكم، في تنمية وتطوير الدولة المصرية بالشكل المتفق عليه، خلال مدة معينة، تلتزم بترك القيادة بشكل نهائي، لحين دراسة أسباب الفشل، وطرحها على الرأي العام، وتجهيز مشروع بديل في مدة لا تقل عن فترة رئاسية واحدة[10].
  • تلتزم الدولة المصرية، بدعم السياسة التي اختارتها الجماعة، خلال مدة حكمها بشكل كامل، وإلا يعد هذا خرقًا لهذه المبادرة، يعفيها من الالتزام بالبند السابق.

 

«يبدو الحكام الديكتاتوريين دائمًا في صورة جيدة، حتى آخر عشر دقائق». «توماس ماساريك»[11]، بقدر ما أرغب في تجنب الإشارة لأشخاص بعينهم؛ بقصد محاولة التجرد قدر الإمكان، إلا أن تصور البعض أن استمرار الوضع في مصر على ما هو عليه، ما هو إلا نوع من أنواع التفكير الرغبي، غير المبني على منطق سليم؛ إن انتظار سقوط النظام السياسي، أو شخص الحاكم، بشكل يجعله مرتبطًا بسقوط الوطن، ما هو إلا جريمة أخرى، لا ينفك يقع فيها الشركاء المتشاكسون.

إن انهيار المؤسسة الشرطية بعد يناير، لن يقابله إلا سقوط المؤسسة العسكرية، حال قيام ثورة، لم يتوقع مثيلها أحد. وتتمثل رغبتي في طرح ما أطرح من مبادرة، تدعو الطرفين لسرعة إنقاذ الوطن المترهل؛ ما هي إلا نابعة من خوفي وذعري لما قد تخبئه الأيام، إذا ما استمر الانحدار على مستوى مقارب لما تمر به مصر هذه الفترة. إدراك القادة العسكريين – الذين نأمل في وجودهم – داخل المؤسسة الحاكمة، مقدار الخطر المحدق بالوطن، لن يقابله إلا سعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[2]سياسي ألماني تولى منصب المستشار في ألمانيا الغربية  1963 –1966.
[3]ينطلق الحديث من هذه النقطة بفرض أن الطرفين قد وصلا إلى ما يعرف بالتوازن Equilibrium في نظرية الألعاب GameTheory
[4]أولى ما يطرح على المائدة للتفاوض، فهذه البنود بالتعريف، اقتراح لا يلزم أيهما بشيء.
[5]المواطن أو الإعلامي.
[6]وفق الظروف الشبيهة، أو حالة المثل.
[7] المقصود بالمضطر هوالشخص الذي لم يجرم، لكن رغبته في الاستمرارفي موقعه، تغلبت على دافعه الوطني.
[8]أو الذين سيتم إثباتها عليهم، وفق القواعد المتعارف عليها.
[9]لن يتم الاعتراف بسوابق من نوع الموظف الفعلي، أي لن يتم الاعتراف بكل ما صدر ما لم يقره مجلس الشعب المنتخب، من الشعب ومعبرًا عنهم.
[10]أو «رئاسة الوزراء» أيهما كان مصدر السلطات المركزية.
[11]سياسي وعالم اجتماع وفيلسوف تشيكي الجنسية، أول رئيس لتشيكوسلوفاكيا.
عرض التعليقات
تحميل المزيد