دون رمسيس الثاني على جدران ثلاثة معابد شهيرة؛ الرمسيوم والأقصر وأبو سمبل قصة تغلبه على الحيثين في معركة قادش، تفاخر المدون بمجد الفرعون وكيف كان يحصد أعداءه بقدرة إله حقيقي، هكذا دون رمسيس، وهكذا تعلمنا في المدارس الحكومية المصرية، ولكن من العجيب أن ملك الحيثين هو الآخر تفاخر بتغلبه على الرعامسة في مخطوطات بوغاز كوى، والواقع على الأرض لا يشير إلى تغير في أراضي الإمبراطوريتين في حينه.

لو لم توجد مخطوطة الملك الحيثي كانت رواية الحجر فقط من كانت ستصل إلينا، وهذا يطرح السؤال: كيف يُكتب التاريخ؟

تاريخ العالم وجهة نظر، لا أستبعد أن يكون تيمورلنك قديسًا شوهته إشاعات خصومه، وقد يكون الحجاج واليًا عادلًا؛ افترى عليه الغوغاء، قد يكون إيفان الرهيب كما وصف نفسه في أحد أفلام الفانتازيا الأمريكية إيفان الجميل والرهيب مجرد خطأ في الترجمة، قد يكون المسلمون من حرقوا مكتبة الإسكندرية، أو ربما كان سب الفاطميين للصحابة مجرد دعاية أيوبية.

وربما كانت معاقرة يزيد للخمر مجرد دعاية من الثوار على بني أمية، هل تحدثت كتب التاريخ المدرسية في مصر عن مواقف أحمد عرابي قائد الثورة العرابية بعد عودته من المنفي؟ هل تعلم أن مناهج الدراسة المصرية لفترة طويلة أنكرت وجود محمد نجيب أول رئيس للجمهورية؟ وهل تعلم أن تلك المناهج منذ وقت قريب أغفلت حصول أحد المصريين على نوبل رغم أنه حصل عليها أمام المليارات، صدقني يا عزيزي ليس كل ما وصلنا من تاريخ العالم حقيقيًا.

لا أتحدث فقط عن اختلاف في وجهات النظر أو التفسير بل الكثير موضوع عن قصد مختلق لخدمة غاية محددة، وحتى الأحداث الحقيقية قد تجتزأ لخدمة تفسير ما؛ فبدايات الحرب العالمية الثانية غالبًا ما تطرح بدايتها كاعتداء ألماني وتتناسى بذور الحرب التي وضعت في معاهدات صلح الحرب العالمية الأولى وحرب ٥٦ أو كما نسميها «العدوان الثلاثي على مصر» يُطرح فقط في مصر مكاسبه السياسية، ويتناسى الهزيمة العسكرية والانسحاب أمام جيش ناشئ في ذلك الوقت مثل الجيش الإسرائيلي، يتناسى المصريون الثغرة في ٧٣ ويتناسى اليهود الكيلومترات التي استحوذ عليها المشاة المصريون بأجسادهم وبأسلحة دفاعية، نحن نفسره كما نريد ونحكيه بالسياق الذي يخدمنا ومع الزمن تصبح هناك رواية واحدة، حتى إن الضحية قد تحكي التاريخ بطريقة الجلاد، وقد يصبح الخصم هو الموثق الأول لوجهة نظر خصمه التاريخية، فقط عليك أن تكون قويًا بما يكفي ليتكلم الجميع بلسانك.

ولكن هل سيبقى الحال كما هو عليه؟ هل سيسمع أولادنا وأحفادنا وجهة نظر مجتزأة من التاريخ ويصدقونها ويتبعونها وفقط؟ طوال عشرين ألف سنة من تاريخ البشر المدون برسم على جدران كهف أو بالكتابة المسمارية أو النقوش على جدران معبد فرعوني أو في سينما هوليوود، أو في مناهج المدرسة في معظم دول العالم كان التاريخ يكتبه نخبة ما.
ربما نختلف على تصنيف تلك النخب، هل هي قوة سياسية واقتصادية عظمى كالأمريكيين والسوفييت المنتصرين في الحرب العالمية الثانية أم حاكم نصف إله كرمسيس الثاني، أو منظر الشيوعية الأشهر كارل ماركس أو كاتبي الأسفار التوراتية أو منشدي الربابة ومدوني السير النبوية، كل هؤلاء كانوا نخبة من نوع ما احتكروا رواية التاريخ، ومعارضوهم كانوا نخبًا أيضًا اشتركوا في كونهم نخبًا واشتركوا أنهم «المؤسسون لنمط معين لكتابة التاريخ»، وكانوا في النهاية قِلة.

 

هل هناك ما يشير إلى تغير في تلك الأنماط لتدوين التاريخ؟

اليوم أصبح للعوام نقوشهم التي لن تُمحى، وأصبح لكل مخلوق على الأرض أن يكتب التاريخ ويدونه ويحفظه لآلاف السنين، بعد أن امتلك كل إنسان أو أصبح لديه القدرة على الأقل لامتلاك معبده الخاص، أو بمعنى أوضح بدون استعارات، صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي.

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في قيام الثورات ولعبت دورًا ملموسًا في فشلها، غيرت نمط تواصل ملايين البشر، عززت من مساحات التواصل البشري، وأضعفت مساحات أخرى، حتى إنها غيرت شكل العلاقات العاطفية.

ربما كانت الطفرة الجينية القادمة هي رقبة إنسانية تتلاءم مع تلك النظرة الأبدية لصفحات تلك المواقع التي تقطع روابط وتصل أخرى، ولكن تلك المواقع ستغير من شكل كتابة التاريخ لن تغيره ولن يغيره أحد ولم يغيره أحد، فقط قد تغير شكل كتابة فصول التاريخ التالية.

لقد أصبح لنا نحن العوام حق الكتابة على جدران معابدنا الخاصة، صفحاتنا الاجتماعية التي نسعى فيها عادة للحصول على أعلى درجات التفاعل، نحكي وندون عليها يوميًا ما يواجهنا، الأسعار والحوادث المرورية والنقاشات الدينية وخلافاتنا الأيديولوجية وحفلاتنا الفنية، والأحداث السياسية والمعارك العسكرية، ليس كل ما نكتب حقيقيًا، وليس كله خاليًا من التحامل أو حب الظهور، ولكن تلك النقوش الرقمية تنقل كل الآراء، حتى الكاذب منها، وحتى السفيه بينها، إنها تنقل التاريخ كله بدون أن يُحصر في وجهات نظر النخبة.

لو سارت الأمور بطبيعتها، سوف تحفظ تلك النقوش على الشبكة على أقراصنا الصلبة، وقد نستمر في تداولها ونشرها كل في سياقه، سيتناقل أحفادنا كذبنا وصدقنا، سيورثون مشاعرنا المتحيزة والمحايدة من على صفحاتنا، وستتسع رؤية التاريخ يومًا بعد يوم؛ ليكون تاريخًا شعبيًا نكتبه بأيدينا، ويحفظ كل شخص سيرته وسيرة أسرته وشعبه كما يراها، قد يدون العوام التاريخ ويصبح لكل منهم نقشه الحجري الخاص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد