الإنسان ابن بيئته، يتأثر بها ويؤثر فيها حسب قدرته، هكذا يرى علماء الاجتماع، ويرتبط التأثير والتأثر بمدى قرب الإنسان من طقوس الحياة التي يمارسها المجتمع، وهذا يعني ضرورة الوجود الفيزيقي للإنسان في مجتمعه، بحيث يتلقى تعاليمه، بغض النظر عن مدى رضى الإنسان عن تلك الممارسات أو رفضها، كما تختلف نسبة تأثير الإنسان في مجتمعه بمدى ما يقدمه له، وينتجه من أفكار ورؤى.

وبالعودة إلى كيف يؤثر الكاتب في المجتمع؟

الكاتب هو إنسان وهبه الله القدرة على التعبير عن أفكاره، وعواطفه، وآرائه، بطريقة واضحة وجميلة في آن واحد، ولكل كاتب أهدافه، وطريقته، وأسلوبه، وتتضح أهمية الكاتب في المجتمع من خلال ما يطرحه من أفكار تساعد على تغيير نظرة الإنسان لدينه، ولنفسه، ولوطنه، ولمبادئه، وتنير له الطريق وترشده إلى سواء السبيل، وحتى يحصل الكاتب على دور مميز لا بد أن يقدم شيئًا مميزًا.

إذن كيف يقدم الكاتب وجبة مميزة للقارئ؟

ثمة نظريتان:

الأولى: تدعي أن تميز الكاتب يبدأ من عزلته للمجتمع، إذ يظن البعض أن الحكمة تولد في الصمت، وأن الأفكار تتدفق والمخيلة تنشط في العزلة، ولهذا فإنهم يعدونها سمة مهمة أخرى للكاتب الحقيقي، فهو لكي يبدع يجب أن يعيش في عزلة وخلوة؛ فهي تعينه على الإبداع، متذرعًا بأن في العزلة صفاء للذهن، وبعدًا عن الواقع المرير.

الثانية: هي أن على الكاتب أن يختلط بالمجتمع ويعاشر أهله، ويأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، ويركب وسائل النقل ذاتها، ويعيش كما يعيش الشعب بوصفه عضوًا فيه.

فيا ترى أي نظرية أقرب لتكون صحيحة؟

شخصيًا لا أتفق مع نظرية العزلة؛ لأن العزلة هي تعبير قوي عن عدم قدرة الإنسان عن الانسجام في مجتمعه والتأثير فيه؛ فيلجأ إلى الهروب من الواقع إلى عالم الخيال والمثالية.

في هذا الصدد ينقل «حنا مينا» في كتابه «كيف حملت القلم؟ عن «كوبربن» أن الكاتب إن أراد الحصول على مادة للكتابة عليه أن يسمع الناس ويسامرهم ويعاشرهم في كل ظروفهم.

وأكد «حنا مينا» على ضرورة «أن نهجر الأبراج العاجية وننزل إلى الأسواق»، وكما قال «عمر الفاخوري» لنكون أدباء من لحمٍ ودم، لا من حبر وورق، لنفهم مشاكل الناس الإنسان وقضاياه، ثم وهذا هو الأهم لنرصد العصر، ونفهم روحه وخطه، ولنكون ضمير هذا العصر كما ينبغي لنا أن نكون».

فالكاتب الحقيقي هو من يجيد التعبير الواضح والجميل في آن واحد عن أفكاره وعواطفه، وعن زمانه، وعن مكانه، وعن ورؤيته للحياة والعالم، ويمتلك حساسية مرهفة قادرة على تحويل الكلمات المألوفة إلى كلمات تبعث على التفكير، أو يلهب العاطفة والشعور، وهذا يتطلب من الكاتب أن يعيش في اعماق المجتمع، وكما قال نزار قباني: إن الكاتب يجب أن يظلّ في أعماقه بدويًّا يتعامل مع الشمس، والملح، والعطش، يجب أن يبقى حافيَ القدمين حتى يتحسّس حرارة الأرض، ونتوءاتها ووجع حجارتها.

إن الكاتب في رأي «فلوبير» هو المعبر الحاذق بصورة متنوعة عن مشاهد مادة قليلة المطاوعة وبحبٍ وبتعبٍ مضنٍ وضع اليد على مكامن الأشياء بغية أن يغير الكاتب في كل لحظة الحركة، اللون، جرس الأسلوب، حسب الأشياء التي يريد قولها.

يذكر «كوبرين» عن «تشيكوف» أنا أؤمن إيمانًا راسخًا بأنه كان يتحدث إلى العالم، والجمال، إلى الفقير، والأديب، والبستاني، وساعي البريد، وكان يقول للكتاب الناشئين: «يحب أن تكثروا من السفر بالدرجة الثالثة، إني آسف لأن المرض يمنعني من ذلك، إنكم ستسمعون أحيانًا أشياء مهمة جدًا هناك».

يقول «هيمنجواي» أنا لا أعرف إلا ما رأيته، وإن الحقيقي مصنوع من المعرفة، والتجربة، والخمر، والخبز، والزيت، والملح، والله، والسرير، والصباح الباكر، والليالي والأيام، والبحر، والنساء والرجال، والكلاب، والمنعكفات، والعربات، والدراجات، والنجاد والوديان، وظهور القاطرات واختفائها في المنعطفات، ومن ذكر القطا وهو يصفق بجناحيه، ورائحة العشب والجلد، وصقلية.

بينما لو عاش الكاتب في برجه العاجي فكيف يؤثر ويتأثر؟ من أين سيعرف أحوال الناس إن لم يزر الحواري والبياري، ويمشي مع الناس؟ ومن أين سيأتي بالأفكار؟ وعن أي شيء سيكتب؟ وكيف سيعرف ردة فعل الجماهير عما يكتب؟ ألم يقل رسولنا الكريم بأن «المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم». أليس من الاختلاط ترفرف الفكرة بجناحيها أمام ناظريك؟ ألا يثيرك مشهد في المسجد، أو المرضى في المشفى، والطلبة في الجامعات، والتلاميذ في المدرسة، والموظفين في العمل، والعساكر في ثكناتهم؟

صحيح أن العزلة توفر الوقت فقط والجهد البدني، ولكنها لا تخلق الإبداع لأن الإبداع يحتاج إلى رحم يخرج منها، ورحم الإبداع هو المجتمع.

كلمة لا بد منها:

العزلة المؤقتة هي المطلوبة، وهي مطلوبة ليست للكاتب فقط بل، للجميع لأنها عبارة عن فرصة للفرد لتقييم نفسه، والتفكير فيما هو قادم. أما أن تكون العزلة منهاج حياة؛ فذلك أمر غير محمود.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!