لم يكن لمارك زوكربيرج ولا أحسن المتفائلين من أصدقائه، أن يتوقعوا -حينما شرعوا في إنشاء فيس بوك- كل هذا النجاح وكل هذا الانتشار، الذي تعجز الكلمات عن وصفه؛ فقد سعى مارك وأصدقاؤه أن يؤسسوا وسيلةً تساعدهم في التواصل مع أفراد جامعتهم في كاليفورنيا. والآن بعد أن وصل مستخدمو فيس بوك إلى ما يقارب المليار مستخدم، من أصل 7 مليار هم عدد سكان الكوكب الأزرق الحقيقي، هل نجح هؤلاء المستخدمون في تطويع فيس بوك لغرض التواصل -الذي أُنشئ فيس بوك من أجله- أم أنَّ الموضوع قد خرجَ عن السيطرة؟

 

بدايةً، يرى كثير من الأطباء وباحثو علم النفس والاجتماع أنَّ إدمان مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد هينًا، وأنه فعليًّا أكثر كلفةً من إدمان المخدرات، ولا يقل صعوبةً عن إدمان العادة السرية؛ فحينما يقع الشخص في هذا الأمر، فإن التأثير السلبي له لا يتوقف عند فكرة إضاعة وإهدار الوقت؛ بل يعوّق كافة عناصر نجاح الإنسان؛ الجانب العملي، والعلمي، والروحي، والاجتماعي.

 

فيس بوك يدمّر العلاقات الاجتماعية

يقول علماء الاجتماع: إنّ الإنسان منذ خليقته وهو يميل إلى العيش في جماعات؛ فقد كان الإنسان البدائي حريصًا على تكوين علاقات اجتماعية؛ غرضها الرئيس هو تأمين نفسه من المخاطر الجمة التي كان يعيشها في تلك الحياة؛ الحيوانات المفترسة، وصعوبة توفير الغذاء الدائم، وتقلبات الطبيعة. فلم يك خيار العيش وحيدًا خيارًا صائبًا، ولا بالحسبان أصلًا؛ فالغريزة والنفع وكل شيء يقوده إلى العَلاقات، ويبعده عن العُزلة.

يضيف الفلاسفة: إن أحد أهم العوامل في تقييم أخلاق الإنسان؛ هو أن يعيش داخل مجتمعه، ويتفاعل معه كما يتفاعل باقي الأفراد، فلا يمكن أن أن نصف «الراهب» بأنه أخلاقي ويصنع أخلاقا؛ لأنه يعيش منفردًا، ولا يخضع لنفس قوانين ومعايير المجتمع وأفراده.

أما الإسلام فقد آثر وحبذ وحث على كل يقوي الروابط والعَلاقات الاجتماعية الإنسانية؛ فصلاة الجماعة أعلى ب 27 درجة من صلاة الفرد، قد جعل الله أعظم مشهد إنساني وروحي عرفته البشرية «الحج» ركنًا أساسيًّا من أركان الدين، كذلك بر الوالدين، وحق الجار، وإكرام الضيف. وقد كان الرسول –صلى الله عليه وسلم- دائم التوصية بالتزام الجماعة في أوقات الفتن. وقد جعل اللهُ في صلة الرحم بركةً في العمر وزيادةً في الرزق.

ولك أن تتخيل أنًّ ستيف جوبز مؤسس شركة «Apple» عملاق الآي فون والتكنولوجيا بالعالم قد كان دائم النصح لأولاده بالابتعاد عن التكنولوجيا، والتقليل من فيس بوك والتواصل الاجتماعي؛ وعيًّا منه بأهمية التواصل الإنساني البشري الطبيعي، ودوره في تنشئة الأبناء تنشئة صحية ونفسية سليمة. أما أنت فتقضي أكثر من ربع يومك منكفئًا على وجهك أمام فيس بوك؛ حتي إنّ كثيرًا من الشباب قد عبروا بطريقتهم عن سخطهم من إفساد فيس بوك «للخروجات» عن طريق الكوميكس، وهو للآسف ضحك كالبكاء!

 

فيس بوك يؤثر سلبًا على صحتك النفسية، ويجعل منك شخصًا تافهًا

إنَّ الاهتمام بقضايا الأمة والوطن شيء بالغ الأهمية، ولكن الاستغراق في متابعة كل شيء وأي شيء، في كل وقت وأي وقت يؤثر سلبًا على قلبك قبل عقلك، ويسبغ قلبك بنوع من الغفلة؛ فمن وقفة رمضان صبحي على الكرة، إلى الاحتجاج لغلق بَرنامج ريهام سعيد، لاستخدام أحمد موسى لعبة أطفال على أنها فيديو للقصف الروسي لسوريا، وصولًا لفتاة المطار! ثم ماذا؟ ما الذي أضافته تلك الأحداث إلى حياتك؟ أشياءُ تختطف روحك قبل عقلك ظنًا منك أنك تخفف من ضغوط الحياة والعمل بها، ولكنك في الحقيقة تضيف فوق كل مشقة مشقة، وفوق كل عناء عناء.

كما أنك لا تعلم من الذي يختار هذا الحدث لكي يتصدر الموضوعات، ومن الذي يقرر أن يتوقف الحديث الآن عن هذا الموضوع؟ أتذكر قضية الإفراج عن مبارك التي أثيرت عقب حكم المحكمة ببراءته في قضية قتل المتظاهرين؟ تذكر تلك الضجة التي هزّت مواقع التواصل الاجتماعي وكم الغضب الذي صاحب الحكم، ونزول المتظاهرين إلى ميدان عبد المنعم رياض؟ أين هذا الموضوع الآن؟ لماذا اختفي الغضب رُغم أن الوضع قد بقي على ماهو عليه؟ حتى غضبك ومشاعرك الصادقة قد تحولت إلى ألعوبة في يد البعض يحركها وقتما يريد، ويسكتها وقتما يريد. وبعدها عرفت السلطة حد غضبك، وأنه مؤقت، وحذت حذو المخلوع ونهجه «خليهم يتسلوا». نفس الأمر ينطبق تمامًا على قضية أثيرت منذ فترة؛ وهي قضية التحفّظ على أموال نجم الكرة أبو تريكة؛ أثيرت فترة، اختفت فجأة، رغم أنه فعليًّا أبو تريكة الآن مطلوب القبض عليه من السلطات المصرية، وصدر بحقه حكم توقيف في حال دخوله البلاد. من الذي قرر اختفاء القضية الآن؟ لا أحد يعلم، ولا أحد يجيب.

 

 

الناجحون لا يهتمون بفيس بوك

يقول الإمام الشافعي إن هناك سورة بالقرآن لو اكتفى الله عز وجل بها، لكانت حُجة على الإنسان وكفته؛ وهي سورة العصر؛ والتي يستهلها الله عز وجل بالقسم بالوقت (العصر) ؛ تقديرًا وتنبيهًا لأهمية الوقت في حيواتنا، وأنَّ العمر لحظة، فمن أحسن استغلالها فاز، ومن أخفق ضاع وهلك. اتضح الأمر أكثر بالنسبة إلي حينما التقيت بأحد زائري الجامعة لدينا، وقد كان طالبًا يحضّر رسالته للماجستير، وبعد أن انتهى اللقاء سريعًا طلبت منه حسابه على فيس بوك، فأجابني أنه لا يمتلك وقتًا للفيس بوك، وقد أعطاني بريده الإلكتروني ورحل.

تكرر الأمر مرة ثانية حينما كنت برفقة أحد الأصدقاء في زيارة إلى إحدى الطبيبات الشهيرات في مجالها، وتكرر الطلب، فأجابتني أنها أيضًا لا تمتلك وقتًا للفيس بوك، وأن حياتها بين عيادتها، ورحلاتها العلمية بالخارج، وأسرتها.

 

أنا لا أطلب منك أن تترك فيس بوك نهائيًّا، ولكني أطلب منك أن تدرك أنه خطر حقيقي، وأنه قد يكون أسباب فشلك الحالية أو بالمسبتقبل، وألا تكن مطيةً يتلاعب بك البعض هنا وهناك. فقط رتّب أولوياتك، نظّم حياتك، واجعل للتواصل الاجتماعي قدرًا مناسبًا من الوقت، تحقق به التواصل مع الأصدقاء الذي يصعب لقاؤهم وتحمي نفسك به من خطر آفة العصر. وأخيرًا تأمل هذين الخبرين:

1- افتتحت إيران أكبر مركز لعلاج مدمني الإنترنت بالمنطقة، وتخطط لبناء أكبر مستشفى من نوعها في هذا المجال، وقد لقي المركز إقبالًا واسعًا في أيامه الأولى.

2- خلصت دراسات عكف عليها مركز أبحاث السعادة بالدنمارك إلى أن الأشخاص قليلي استخدام فيس بوك هم أكثر سعادةً من هؤلاء كثيري تصفّح الموقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فيس بوك, فيسبوك
عرض التعليقات
تحميل المزيد