لا تدع تعاطفك – إن كنت تعاطفت – مع فرنسا يأخذك بعيدًا وينسيك سنوات من الألم عاشها أجدادك وآباؤك على يد الفرنسيين. بدلًا من أن تغير صورتك على الفيسبوك إلى علم فرنسا لمقتل عشراتٍ من مواطنيها خلال عملية إرهابية، كان الأحرى بك أخي أن تغيرها إلى علم العراق حيث قتلت فرنسا 28 طفلًا عراقيًا خلال قصفٍ لإحدى المدارس بالموصل منذ أيام، أو إلى علم الجزائر التي قُتل منها ما يقارب المليون من إخوانك على أيدى الفرنسيين خلال سنوات من القهر والقتل، أو أن تغيره إلى علم فلسطين أو سوريا أو اليمن أو ليبيا حيث يُقتل إخوانك وبنو جلدتك يومًا بعد يوم بيد احتلال غاشم أو إرهاب أسود أو نزاع طائفي.

إن فرنسا التى “تدّعى” أنها تعاني من الإرهاب اليوم هى نفسها فرنسا التى صدّرَت ـ ولم تزل تصدر ـ الإرهاب إلى العالم طوال أزمنة مديدة صنعتها من الخراب والدمار، وليس “الاستعمار” كما يزعمون، لكنها لم تقتل العشرات فى عملية إرهابية صغيرة كتلك التى حدثت على أراضيها منذ أيام، ولكنها قتلت آلافا، بل ملايين من البشر، ولم تكتف بقتل الأنفس فقط، بل قتلت عقولا وأفكارا وآمالا أيضا، وقتلت عقائد وحريات، لم تكتف فرنسا فقط بهذا الإرهاب المتعارف عليه بما يحويه من قتل للمدنيين وترويع للآمنين، ولكنها تمارس إرهابا اقتصاديا وفكريا وعقديا أشد فتكا وأكبر أثرا. نستعرض صورا منه.


الإرهاب الدموي

إن كم الدماء التي سالت على يد الاحتلال الفرنسي في جميع أنحاء المعمورة خلال القرون الأربعة الأخيرة من الألفية المنصرمة (1600م ـ 1960م) تروي لنا تاريخا مشينا من الإرهاب الدموي مارسته فرنسا ضد الإنسانية، مارست فرنسا خلال تلك الفترة ما هو أبعد كثيرا من الإرهاب، مارست ما يمكن أن يوصف بجرائم حرب ضد الإنسانية، أو ربما ما هو أبعد من ذلك أيضا، فقد مارست القتل والتعذيب والحرق والتنكيل والإعدامات من أجل تدعيم سطوتها على الدول التى احتلتها.

احتلت فرنسا مناطق واسعة من الأمريكتين، ودولا كاملة بجنوب شرق آسيا، وبلاد الشام والرافدين، وكانت أكبر مستعمراتها فى القارة السوداء، حيث احتلت معظم القارة الأفريقية تقريبًا، من شمال ووسط وغرب وجنوب أفريقيا (20 دولة حاليا)، كتبت فرنسا خلال احتلالها لتك الدول تاريخا حافلا من الخراب والدمار والبشاعة يحتاج إلى كتب لسرده ، لكننا سنكتفي بخمسة مشاهد فقط.


– نفّذت فرنسا أبشع عملية إعدام فى التاريخ عام 1801م، عندما أعدمت “سليمان الحلبي” الذى قتل “كليبر” (نائب “نابليون” خلال الحملة الفرنسية على مصر آنذاك)؛ انتقاما لمقتل مئات المصريين الذين قتلوا على أيدى الفرنسيين فى بولاق، حتى امتلأت الطرقات بالجثث، حيث قاموا بحرق يده التي طعن بها “كليبر”، حتى وصل الحريق لمكان متقدم من جسده وهو على قيد الحياة، ثم قاموا بغرس “خازوق” في مؤخرته، ثم قاموا بغرس وتد الخازوق فوق منطقة تسمى “تل العقاب”، ثم تركوا جثمانه المغروس فى الخازوق لمدة أربعة أيام؛ لتنهشه الطيور والجوارح!

 


 

– تلك الصورة حدثت فى عام 1912م، قامت القوات الفرنسية بفصل رؤوس15 مغربيا، إبان مواجهات أكوراي، بإقليم مكناس، ووضعها بشكل منتظم على شاكلة رؤوس الحيوانات التي يتم اصطيادها في رحلات سفاري في أدغال إفريقيا. وتبقى قمة البشاعة هو تحويل هذه الجريمة إلى بطاقة بريد تحمل طابع الجيش الفرنسي، وكأنه فخور بقطع الرؤوس.

– وحشية المليشيات الفرنسية في قمع المتظاهرين العزل من المدنيين الجزائريين في مايو عام 1945م بكل من قالمة وسطيف وخراطة، حيث استمرت جرائم القتل والتنكيل ثمانية أسابيع كاملة من طرف المحتل الفرنسي الذي مارس جنونه الوحشي في التعذيب والتقتيل بشتى الأساليب والطرق.

– عندما قرر الغينيّ «أحمد سيكو توري» في عام 1958 التخلص من الاحتلال الفرنسي، والعمل على نيل بلاده استقلالها، أدى ذلك إلى تصرف تاريخي ناتجٍ عن سخط الإدارة الفرنسية في غينيا، والذي تمثل فى تدمير جميع ما وصفوه بالفوائد الناتجة عن الاستعمار الفرنسي، حيث غادر ثلاثة آلاف فرنسي غينيا، حاملين معهم كل ما يستطيعون من ممتلكاتهم، ومدمّرين كل ما لم يستطيعوا نقله، فالمدارس ودور الحضانة والمباني الإدارية العامة حُطِّمَت، والسيارات والكتب والأدوية وأدوات المؤسسات البحثية والجرارات خُرِّبت وسُحِقَت، والخيول والأبقار في المزارع قُتلت، وجَمعوا الأطعمة وأحرقوها أو سمّموها، وكانت تلك رسالة واضحة إلى باقي المستعمرات: أن عواقب رفض الهيمنة الفرنسية ستكون قاسية.

– التجارب النووية بالصحراء الجزائرية (13 فبراير 1960) ، حيث تبقى تلك التجارب واحدة من “أبشع جرائم الإبادة” التي ارتكبها الاحتلال الفرنسي على مدار تاريخه.

الإرهاب الاقتصادي

في مارس عام 2008 م، قال الرئيس الفرنسي السابق “جاك شيراك”: “بدون القارة الأفريقية، ستصبح فرنسا في صف دول العالم الثالث”.

ربما ستقف مشدوها أمام ما ستقرؤه في السطور القادمة

هل تعلم أن العديد من الدول الإفريقية لم تزل تدفع الضرائب لفرنسا منذ استقلالها حتى اليوم! أربعة عشر بلدًا إفريقيّا تُجبرها الحكومة الفرنسية على دفع ضريبة لـ “فوائد” الرق والاستعمار! حيث إن معظم دول غرب ووسط أفريقيا مُلزَمة ـ عبر وثيقة استمرارية الاستعمار ـ بوضع 85% من احتياطاتها الأجنبية في البنك المركزي الفرنسي، وتحت سيطرة وزير المالية الفرنسي حتى هذه اللحظة مقابل “دَينِهم” الاستعماريّ إلى فرنسا.

والرؤساء الأفارقة الذين عارضوا ذلك، إما تمت تصفيتهم عبر الاغتيال، أو كانوا ضحية للانقلابات العسكرية، وأمّا الخانعون منهم فمدعومون، وتكافئهم الحكومة الفرنسية بحياة من الرفاهية في مقابل أن شعبهم يرزح تحت وطأة الفقر المقفع واليأس.

في الخمسين عاما الأخيرة حدث ما مجموعُه: 67 انقلابًا في 26 دولة إفريقية. 16 منها كانت ترزح تحت الاحتلال الفرنسي، مما يعني أن 61% من الانقلابات حدثت في إفريقيا الناطقة بالفرنسية.

ومنذ عام 1960م وفرنسا لم تزل تحتفظ بالاحتياطات الوطنية من ثروات الدول الإفريقية التالية: بنين، بوركينافاسو، غينيا بيساو، ساحل العاج، مالي، النيجر، السنغال، توجو، الكاميرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، تشاد، الكونغو، وغينيا الاستوائية، والجابون.

إن أكثر من 80% من الاحتياطات الأجنبية من هذه البلدان الإفريقية تودع في “حساب العمليات” الخاضع لسيطرة وزارة الخزانة الفرنسية، وبنوك الاتحاد المالي الأفريقي تعتبر أفريقية بالاسم فقط، حيث إنه لا سياسات نقدية خاصة بهم، البلدان نفسها لا تعرف، ولا يقال لها عن حجم الاحتياطات الأجنبية، التي تحتفظ بها الخزانة الفرنسية التي يملكونها، كمجموعة، أو كل بلد على حدى.

وتسمح الحكومة الفرنسية للدول الأفريقية بالوصول إلى 15% فقط من مجموع الأموال السنوية المحولة إلى فرنسا، وإذا احتاجت هذه البلدان إلى مبالغ إضافية فعليهم اقتراضها من الـ 65% من أموالهم الخاصة في الخزانة الفرنسية وبأسعار تجارية.

ولجعل الأمور أكثر مأساوية، تضع فرنسا سقفا لحجم المبالغ التي يمكن للدول اقتراضها من الاحتياطي، وهذا السقف هو 20% من الإيرادات العامة للبلد في العام السابق، وإذا احتاجت الدولة إلى اقتراض ما يتجاوز الـ 20% فللحكومة الفرنسية حق الرفض.

لفرنسا الأولويّة فى شراء أي موارد طبيعية موجودة في الأرض من مستعمراتها السابقة، وفي حالة إبداء فرنسا عدم اهتمامها بتلك الموارد يحق للبلدان الإفريقية البحث عن شركاء آخرين.

والأولوية أيضا للمصالح الفرنسية وشركاتها في أية مناقصات عامة، حيث يجب عرضها على الشركات الفرنسية أولا، وبعدها يمكن لهذه البلدان البحث عن شركات أخرى، ولا يهم إن كان للبلدان الأفريقية إمكانية الحصول على عقود بقيم أفضل، ولفرنسا الحق الحصري لتوريد معدات الجيش وتدريب الضباط.

لذلك يمكننا الآن أن نفهم نبوءة الرئيس الفرنسي “فرانسو ميتران” عام 1957م التي قال فيها: “بدون القارة الأفريقية لن يكون هنالك تاريخ للدولة الفرنسية”.

باختصار، يمكن أن نقول إن “الأفارقة يعيشون في قارة مملوكة من قبل الأوروبيين”!

 

الإرهاب العقدي / الفكري

 


 

إن فرنسا بلد الحرية، والتي دائما تدعو إلى احترام حريات واعتقادات الآخرين، لا تحترم حرية فتاة مسلمة تريد أن تحتشم وتتحجب، لكنها على الجانب الآخر تحترم حرية نفس الفتاة إذا أرادت أن تتعرى، بل إنها تقف إجلالا وتقديسا لتلك المحتشمة المحجبة إن كانت راهبة مسيحية!

 


 

إن الإرهاب الفكري هو: عدم احترام الرأي الآخر، وسلبه حقه بحرية التعبير، وحرية العقيدة، وهذا ما تفعله فرنسا حرفيا تجاه كل ما هو إسلامى. ففى عام 2004 م قامت فرنسا بحظر ارتداء الحجاب فى المدارس، وبعدها بسنوات قليلة قامت بتوسيع نطاق الحظر؛ ليمتد إلى المؤسسات الحكومية والجامعات، وفى عام 2010 م قامت بحظر ارتداء النقاب. تفعل فرنسا كما تفعل معظم دول أوروبا، تحاصر المد الإسلامي في أوروبا وتحاول تقييده قدر استطاعتها.

 


 

إن اعتدائي عليك بالضرب أو السب، ثم تبرير ذلك بأنه “حرية”، يعد ضربا من الجنون؛ لأن حريتى مقيدة بعدم الاعتداء على حريات وآراء وأفكار واعتقادات الآخرين، إن واقعة “شارل ابدو” الشهيرة خير شاهد على الإرهاب الفكري الذي تمارسه بلد الشانزلزيه. حيث أقدمت الصحيفة ـ وبشكل غير مسبوق ـ على نشر رسوم مسيئة لنبينا الكريم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعدة مرات، وعلى فترات متلاحقة بين عامي 2011 : 2014 م.

والسؤال هو كيف لك أن تعتدي على مقدساتي ومعتقداتي وتسخر منها بداعي الحرية؟ وهل حرية التعبير تعني حرية الإهانة؟

فى النهاية نحن لا نبرر ما حدث فى فرنسا، ولكننا فقط نُذَكر أنفسنا بالإرهاب الحقيقي، وبمن هم أحق بتعاطفنا ودعمنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد