ترجمة جوجل أو «جوجل ترانسليت» هي خدمة مقدمة من جوجل لترجمة جزء من نص أو صفحة ويب إلى لغة أخرى، وهي برأيي واحدة من أفضل خدمات الترجمة الآلية فيما يتعلق بالجمل والفقرات والنصوص الكاملة، وخصوصًا فيما يرتبط بحالة اللغة الإنجليزية كلغة مصدر أو هدف.

 

ولا يعني هذا عدم وجود نقد عليها، ولكن قبل ذلك علينا النظر إلى الأمر من هذه الأوجه أثناء استعراض تصورنا لآلية عملها:

 

ترجمة جوجل ليست قاموسًا

فجوجل ترانسليت ليست قاموسًا، بل هي خدمة ترجمة، وإن كان القاموس جزء منه، وكونها خدمة ترجمة يجعلها غير منغلقة على لغة بعينها، بالرغم من تمايز جودة ترجماتها باختلاف اللغات، وتقدم الخدمة بشكل أكثر اتساعًا؛ مما يجعلها ربما خيارًا أوليا للغات نادرة الاستعمال في محيطك، وكذلك القواميس، ويظهر ذلك عند مقارنتها بغيرها، وعيبها في تلك الناحية عدم قدرتها على التخصص الذي كان ليمكنه ربما من الإتقان في لغة ما بعينها، لكن ليس في حالة جوجل ترانسليت.

 

تعطيك تلك الخدمة معاني كثيرة عندما تدخل كلمة ما في مربع الترجمة، وتكون المعاني مقسمة إلى أنواعها ووظائفها النحوية من اسم وفعل وحرف وصفة وظرف… إلخ، وهذا بحد ذاته مفيد وربما كاف بالنسبة لكل شخص متمكن إلى حد ما من اللغتين المراد الوصل بينهما، وكذلك بالنسبة لشخص يمكنه تفكيك الجملة ومعرفة وظائف كلماتها ويريد تحديد الكلمة الأنسب، يعرف نوع الكلمة في الجملة وينقصه معرفة معناها فيضيف له ويحضر له الأشياء التي يختار منها.

ترجمة جوجل في طريقها لتحل محل المترجم.. لكن ليس بعد

 

المترجم الجيد يعلم تمام العلم أنه ربما يستحيل عليه الاعتماد على قاموس واحد أثناء الترجمة، ولكن يختار منها ما يمكنه من عمله بأفضل شكل، وربما تتغير اختياراته وتتطور في كل مرحلة يمر بها ومع كل مشروع يعمل عليه.

 

وأداء الترجمة الحقة اليوم لا يعتمد على الشخص الذي يحفظ أكبر قدر من المفردات؛ فالقواميس متوفرة ولا يغني واحد منها عن كل ما عداه، بل على المترجم الجيد استعمال كل المتاح له لتقديم الشكل الأفضل للمنتج النهائي الذي عمل عليه، وعلى ذلك فهو يعتمد على عدة قواميس، منها ما يختص بالمفردات ومنها ما يمتاز بتصنيفها نحويًا ووظيفيًا، ومنها ما يختص بالاختصارات أو التعبيرات المركبة غير الحرفية، وأحيانًا البحث الحر في عدد كبير من الصور والنصوص لفهم واقع النص المنوط به ترجمته، إلى جانب ملكته في تفكيك الجمل من اللغة الأصلية وتحليل أجزائها، وكذلك عمله في اختيار الألفاظ الأنسب بين المترادفات لصياغة الجملة الجديدة من اللغة الهدف، ومهارته في وضع الروابط المناسبة بين الجمل مكونا الفقرات، وتمكنه إملائيًا ليتلافى الأخطاء الأشيع في اللغة الهدف… إلخ.

 

ترجمة جوجل تفكر وتختار

 

وانطلاقًا من كون ترجمة جوجل تغطى ثغرًا من هذه المهام بشكل جيد، وإن لم أعتقد أنها تؤدي المهمة التي وضعها لها مصمموها، فإن له عيوبًا أخرى.

 

ذات مرة وضعت نص خطاب إنجليزي للرئيس أوباما كان مقررًا علينا في مادة الترجمة أثناء الدراسة، وكان أن خرجت لي النتيجة بشكل شبه متكامل، فيما عدا تجاهلها تمامًا لترجمة بعض الجمل الاعتراضية التي أدخلتها بالفعل؛ مما أشعرني بأن جوجل قام بجلب المقابل الكامل والمترجم بشكل جاهز كأولوية عن ترجمة كل كلمة وحدها، ولكن بعض الأخطاء اللغوية تشعرك بأنه ليس مجرد نقل عشوائي، وبأن عمل الخوارزميات خلال هذه العملية ليس قليلًا.

 

يستفيد من كونه جوجل

 

وعلاقته بمحرك البحث تجعله يستفيد من قدرته على تنظيم هذا الكم الهائل من البيانات المتوفرة على الإنترنت فهو يبحث قدر الإمكان عن أكثر ترجمة جاهزة يمكنه الحصول عليها، ويعتمدها، ويحاول البحث في المقابلات من قطع التراكيب الكبيرة، فيقوم مثلًا بالحصول على ترجمة جاهزة لمقال ما منشور في عدة مواقع، بدلًا عن إعادة ترجمته قدر الإمكان، بحيث يكون هذا المقال المترجم يدويًا – على الأغلب – هو المقابل للمقال الذي تدخله، بدلًا عن العمل بنظام الكلمة مقابل الكلمة.

 

وربما يستعين في ذلك بترجمات متعددة اللغات، بدلًا عن الاكتفاء بالعمل خلال اللغتين اللتين من المفترض أنه يتعامل معهما، وذلك على مستوى النصوص الكبيرة والجمل القصيرة والقوالبية، وذلك بمساعدة حساباته السريعة وخوارزميات التفضيل متعددة المهام وقدرته على إظهار النتائج بدقة شبه تامة ما لم تؤثر عليها الأغلبية سلبًا.

 

فهو يعتمد على أسلوب الترجمة الآلية الإحصائية، ويستخدم خلالها عددًا كبيرًا من النصوص ثنائية اللغة الموجودة على الإنترنت، مثل وثائق الأمم المتحدة التي تتوفر في ست لغات بشكل متوازٍ، بما فيها اللغتان العربية والإنجليزية.

 

التصويت يعطيه بشرية عالية

 

فهو يكاد يصل إلى الكمال البشري، لولا أنه ليس بشريًا، ويدخل فيه مع ذلك الخطأ البشري، حتى أنه يستعين بالتدخل البشري من خلال دعم التطوع في التصويت لصالح المقابل الأنسب من الجمل التي يعرضها بلغة ما للجمل التي يتوقع أنها تساويها باللغة الأخرى.

 

وهذه الإستعانة الواعية نسبيا بالجهد البشري لا تخلو من مشكلات، وتوجد تجارب تثبت أن الخدمة كثيرًا ما تعطي ترجمات مضللة، فعند البحث عن جملة bone grafting، والتي (تعني تطعيم العظام) بالإنجليزية مثلًا، كانت تخرج لي دائمًا هذا المقابل العربي بالنص، (أنا محتاج ألف دولار بجد والله ممكن)، وهذا ليس الخطأ الوحيد، بل هو غيض من فيض، ولكن هذا تغير الآن، وبالرغم من أن هذا يعني أنه يخطئ، لكنه يعني أيضًا أنه يتعلم، ومن سار على الدرب وصل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات