قد يكون ملف المحرقة بحد ذاته عش دبابير يرفض كثيرون المساس به، وذلك يعود إلى قدسية المصطلح وربطه بمعاداة السامية، بل ومعاداة الإنسانية التي أصبحت تختزل بهذه الحادثة وكأن التاريخ لم يعرف سواها، ويجدر هنا بدايةً، التطرق إلى ما كتبه الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي في كتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية»، وممّا ترك له حيزًا كبيرًا في كتابه كان «الهولوكوست».

فقد تطرق الكاتب إلى كثير من الأمور التي تم تغيبها، حيث ينقل بأن المستشار الألماني _ حينها _ ادولف هتلر لم يستخدم في كتبه ورسائله لفظ «حرق اليهود» وإنما دومًا كان يستخدم «نقل اليهود» أو «إخراج اليهود»، وهو ما يلغي فكرة الإبادة التي افتعلها الألمان بإطارها العام كسياسة للزعماء النازيين، وإنما كان الفعل والأحداث سببًا لتحالف آلة الإعلام اليهودي ورجال الأعمال اليهود مع الحلفاء.

وفيما يتعلق بالأفران التي ادعت إسرائيل أنها استخدمت لحرق اليهود أحياء، فقد كانت موجودة في كثير من الدول الأوروبية في تلك الفترة مثل فرنسا وإسبانيا، حيث استخدمت لحرق جثث الموتى الذين يعانون من الأمراض المعدية مثل الجرب أو الحصبة، إضافة إلى أنه لا يوجد أي دليل حي على حرق اليهود بالأفران، أي وجود فيلم أو صور توثق هذا الفعل صراحة.

وقد يدعم هذا الظن، أن هتلر وآلته الإعلامية الضخمة كانت ستوثق هذه الأحداث كنوع من الحرب النفسية والإعلامية، وبشكل خاص عندما نعرف بأن وزير الدعاية الألماني كان «بول غوبلز» ثعلب الإعلام الماكر وأشهر من وظف الإعلام سياسيًا، فلن تفوته مثل هذه الفرصة في استغلال الرعب الذي ستنقله صورة حرق البشر أحياء إلى الحلفاء.

والبحث في مسألة الهولوكوست بحد ذاته يحتاج لوقفة طويلة، إلا أنه من المهم النظر إلى بعد جديد وهو كيف استغلت إسرائيل الحادثة كوسيلة إعلام لتسويق نفسها ونيل تعاطف الشعوب، بل وجعل كل من ينتقدها في خانة اللاإنساني والمعادي للبشر، ويجب التنويه أننا لا نختلف أن اليهود عاشوا أوقات صعبة إبان الحكم النازي، ولكن المسألة فيما تقدم من شرح، هو تضخيم المعاناة، سواء بالكيفية أو حتى بالأرقام.

ليس غريبًا أن تحيي إسرائيل ذكرى ما يعرف بـ«الهولوكوست» أي محرقة اليهود، وذلك عند النظر إلى المكاسب التي تعود على إسرائيل والحركة الصهيونية، سواء على الصعيد السياسي باكتساب تعاطف الدول والتقارب معها، أو من الناحية الاقتصادية من خلال الحصول على تعويضات ضخمة من ألمانيا، على سبيل المثال، ومن أوجه استغلال الهولوكوست حضرت السينما، القوة الناعمة التي أصبحت توجه الرأي العام وتسلب عقول من يتابعونها.

فلو توقفنا عند فيلم «the boy with the striped pajamas» «الصبي ذو البيجاما المخططة» (بالعربية)، الذي يعد أحد أشهر الأعمال التي أرخت لمأساة اليهود في ألمانيا النازية، ونظرنا لتفاصيل الفليم القصير نسبيًا، سوف نجد عملًا كاملًا يركز على آلة القتل الألمانية، ووحشية الإنسان البربري الخالي من العواطف، كما يبتعد الفيلم عن كل الأسباب المادية الملموسة لمعاداة اليهود.

إضافة إلى التركيز وكثرة تكرار الأسباب الإيدولوجية التي تغذي الأفكار النازية تجاه اليهود، فعلى سبيل المثال في مشهد الدرس الثاني للفتى برونو، تبدأ سقيقته بالقراءة أمام المدرس، فتصف اليهودي بأبشع الألفاظ؛ مما سيولد عواطف تجاه اليهودي كرمز، وليس شخصًا أو إنسانًا، وهو ما تريد أن تثبته وتروجه له سينما الهولوكوست.

كذلك في مشهدي الجندي سائق العربة الذي يعامل «رالف» بقسوة، ذلك العجوز الذي انتزعته يد النازيين من عيادته كطبيب وجلبه إلى معسكر الاعتقال ليعمل خادمًا في بيت ضابط نازي، وأب «شمول» صانع الساعات الذي أصبح يعمل في إصلاح الأحذية، وأيضًا، نجد محاولة تثبيت أن اليهودي رمز للعلم والحرفة، وهي أساس قيام أي دولة، ومرة أخرى، تحاول سينما الهولوكوست خلق رمز جديد بعيدًا عن اليهودي الإنسان.

من جانب آخر، فإن الإشارة صراحة إلى حرق اليهود وقتلهم بالغاز السام على شكل إبادة، هو بحد ذاته يبتعد عن وجهة النظر الأخرى حتى ولو بالحوار؛ فالفيلم أدار الأحداث في اتجاه واحد، ولم يفسح المجال لأي نقاش لما حصل، وقد حاول المخرج أن يغطي على ذلك بمشاهد مثل بكاء زوجة الضابط أو تساؤلات الطفل برونو عن العداء لليهود، إلا أنها لم ترقى إلى الحيادية في طرح القضية.

إن استعراض هذا النموذج يقودنا إلى حقيقة أن الأعمال التي تروي الهولوكوست تأخذها من المنطلق التي تسوقه الحركة الصهيونية، وهو أن الإنسان اليهودي مضطهد ليس من النازيين فقط، بل من الجميع، لذلك على الكل أن يتحمل مسؤولية رعاية الأم المكلومة لهذا الطفل الذي قتلته وحشية البشر، إن إظهار الأخلاق والصفات الحميدة عند اليهودي في أعمال الهولوكوست وغيابه عن كل من حول، يكرس النظرة الفوقية للآخر ومحاولة إخراج اليهودي من إنسانيته وإضفاء عليه سمة «الفوق عادي».

من المهم الإشارة إلى أن إسرائيل استطاعت أن تكوّن هالة للهولوكوست جعلته مقدسًا وورقة ضغط تشهره في وجه الجميع متى ما أرادت، بل إننا رأينا رؤساء الولايات المتحدة والدول الأوروبية وحتى الدول العربية التي عقدت السلام مع إسرائيل، كيف أنها ذهبت لتطوف حول نصب الهولوكوست ببرلين، كأنه أحد المراسيم الرسمية للإقرار بالإنسانية والولاء لعالم التحضر والرقي.

لقد عملت إسرائيل على الربط بين اليهودية والصهيونية، بالرغم من أن مؤسسي الفكرة الصهيونية لم يكونوا متدينين بالمعنى الشامل والدقيق للكلمة، وإن الفكر الصهيوني يستغل كل شيء حتى السينما؛ فإن ما تعرض له اليهود مستنكر ولكن تضخيمه أيضًا مستنكر وتوظيفه لصالح الرواية الإسرائيلية مستنكر بشدة ومدان، ومن الواجب عند النظر إلى ما تعرض له اليهود سابقًا، أن يشد الأنظار ليس إلى إسرائيل، ولكن إلى احتلالها لفسلطين واضطهاد شعبها.

فقد وظفت إسرائيل آلة الإعلام من خلال كبار رجال الأعمال اليهود الذين يسيطرون على أهم وأكبر قنوات الإعلام وشركات الإنتاج والإخراج السينمائي، وعملت بها على طمس الحقائق وتحويل العيون عن آلة حربها ضد الفلسطيني الأعزل، وجعلت حجره «أداة إرهاب» ورصاصة الرشاش أو قذيفة الدبابة التي يستقبلها الفلسطيني في صدره «جزاءً له على الإرهاب». لقد أدت سينما الهولوكوست عملها بأن أصبح ينظر لإسرائيل بأنها أم الضحية ومن يعاديها هو أب للجلاد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد