عملت إسرائيل منذ احتلال أرض فلسطين على تغيير هويتها وسرقة ثقافتها وتراثها، وسخّرت لذلك ماكيناتها الإعلامية العملاقة لتوجيه الرأي العام الغربي، ولا بد هنا عن الإشارة لسطوة اليهود الصهاينة على الإعلام العالمي، فعلى سبيل الذكر لا الحصر شركة Time Warner التي تشرف على قنوات CNN ويديرها الملياردير اليهودي جيفري بيكس وشركة CBC الإعلامية التي يديرها الملياردير اليهودي سامتر ريدستون وغيرها من شبكات الإعلام ووكالات الأنباء التي استغلتها إسرائيل لوضع المساحيق على وجهها الخالي من ملامح الماضي والتراث، كما أنها حاولت الوصول للرأي العام العربي بحشد جيش إلكتروني يخاطب الشعوب العربية بلغتها، ويستشهد بالأمثال الشعبية والآيات الكريمة والأحاديث الشريفة في محاولة التأثير على المتلقي، محاولات إسرائيل لم تجد صدى واسع في البداية، إلا أن التغييرات المتلاحقة والمتسارعة في آن واحد في المنطقة ساهم بإذكاء هذه الخطب وتقبل بعض الآراء التي يطرحها الاعلام العبري الناطق بالعربية، وتروج للرواية الإسرائيلية.

برز تيار التطبيع في العالم العربي، خاصة في دول الخليج والمدعوم من الأنظمة بشكل لافت؛ فقد رأينا تقاربًا غير مسبوق بين إسرائيل ودول عربية لا تربطها بإسرائيل أي علاقات ومصالح، الأمر الذي ساهم في إعادة صياغة العلاقة الإسرائيلية العربية بحيث رأينا الزيارات المتبادلة بين الإعلاميين والسياسيين العرب ونظرائهم الصهاينة، الإعلام السعودي على وجه الخصوص شهد نقلة نوعية بالسماح لإعلاميين سعوديين بالتحدث للقنوات الإسرائيلية بنَفَسِ التطبيع أمثال عبد الحميد الغبين، وليس آخرهم المدون محمد السعود، الذي زار الأراضي المحتلة قبل أيام، ولا يجب النظر إلى هذه التصريحات على أنها تصرفات فردية أو آراء شخصية، بل إنها تمثل موقفًا رسميًا ظل لعقود متحفظًا إلى حين رأينا المسؤولين يتحدثون بلغة حميمية لم نعهدها تجاه إسرائيل.

أما في ظل التوترات التي تعيشها المنطقة وحالة الهيام والانسجام بين تل أبيب والعواصم العربية التي لم يسبق لها مثيل عملت إسرائيل على ابتكار حروب من نوع آخر تَضْمَنُ فيها نصرًا دون قتال، ففي الماضي القريب رأيناها تنتدب دولًا تقاتل نيابة عنها كما حصل في العراق، وكما ترجو أن يحصل مع إيران، أما اليوم فإسرائيل تذهب لتفتيت النسيج العربي الذي طالما تغنينا بتماسكه، وأرجعنا أسباب الفشل والنكسات المتوالية في خلال المواجهة مع العدو الصهيوني إلى الأنظمة العربية ورؤسائها، وإلى نظرية المؤامرة الكونية علينا، لكن على ما يبدو أن النَفَسَ الجديد للأنظمة، خاصة السعودي بصعود الأمير محمد بن سلمان، وتراجع الدور المصري بقيادة السيسي الذي أنهكته الديون وجعلت طوقه بيد غيره، شكَّل فرجة لاختراق المجتمع العربي، وتمرير سياسات كيان الاحتلال، ومدِّ حبالها، وزرع بذور الشقاق بين الشعوب العربية، ووجدت في بعض النفوس المريضة أو الرخيصة (التي تقبل بيع أقلامها ومواقفها مقابل دولارات معدودة) فرصة سانحة نحو عمل صدع وشرخ في الجدار العربي الذي ظل صامدًا، هذه المرة مستخدمة معول الفرقة ودس الدسائس، تمامًا كما حصل أثناء زيارة أحد المطبعين العرب إلى القدس ولقائه مسؤولين وإعلاميين وتعبيره عن حبه للصهاينة واعترافه بدولتهم وحقها في العيش، سبق جرأة هذا المتصهين اعتراف من ولي العهد بتصريحه الشهير بأن «اليهود لهم الحق بالعيش على أرض فلسطين»، على الجانب الآخر رأينا الموقف الشعبي الفلسطيني الرافض لأي شكل من أشكال التطبيع الذي وجد فرصة للتنفيس عن غضبه بكيل الشتائم وضرب الإعلامي المطبع الذي تعمَّد على ما يبدو أو أنه أُمر من الموساد بلبس الثوب العربي لإبراز هويته، وهذا يحمل الكثير في طياته، فالمنظر المستفز لمشاعر الفلسطينيين حرك الدم في عروقهم؛ مما نجم عنه ردة فعل طبيعية، لكن كان لها عواقبها، فرأينا تسابق الصحف والمواقع الإسرائليلية الناطقة بالعربية للتنديد به، وكالنار في الهشيم رأينا مغردين سعوديين عبروا عن غضبهم وأبدوا انزعاجهم من التصرف الفلسطيني، هذا الخلاف بين الأشقاء هو ما تسعى إليه إسرائيل، وهو الحرب الجديدة التي ستعمل على إذكائها بين الشعوب العربية.

نشاط التطبيع من بعض الأعراب بائعي الهوى والمنسلخين من الهوية العربية سبقه حملة في الإمارات والسعودية ضد مقيمين فلسطينيين لا يُعرف سببها، إضافة إلى تزامنها مع منع الفلسطينيين من ممارسة أي عمل في لبنان، ولربما اتفقت مصالح الدول العربية على تصفية القضية الفلسطينية، لكن الأمل دومًا كان معقودًا على الشعوب العربية، غير أن موجة التطبيع من الدول العربية وتسليط أضواء الإعلام عليهم ودعم غير منقطع من إداراة أمريكية صهيونية حد النخاع، وتماهي الموقف العربي مع رؤى أمريكا بصياغة مفهوم الإرهاب، كل ذلك يجعل الطريق ممهدًا لإسرائيل للمضي قدمًا نحو مشروعها الرامي لبث الفرقة بين العرب، ولا أستبعد في قادم الأيام بدء حملات جديدة، خاصة في المغرب العربي الذي يمتاز بالتعدد العرقي واللعب على وتر الهوية أو القومية، خاصة في قضية الأمازيغ، كما أن دعم إسرائيل لانفصال الأكراد يعبر عن أن مشروعها لضرب المكون العربي، ولا أقصد العرب، بل كل من احتضنته هذه الأرض منذ وصول أجدادنا إليها يهدف إلى فتح طريق جديد ورسم خارطة جديدة تضمن قيام دولة إسرائيل الكبرى، ليس بالضرورة بالتوسع في دول عربية، وإنما على ما يبدو بتفتيت الدول إلى دويلات صغيرة، وصولًا إلى آخر بروتوكلات بني صهيون: «سيطرة اليهود».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s