هذا العام كان رمضان مختلفًا عن باقي الأعوام، لأني في هذا العام كنت متواجدة في الصين، ودعيت لحضور الإفطار لدى صديقة صينية مسلمة في الريف الصيني، فوافقت على الحال لأني كنت متشوقة لأعرف كيف يصوم الصينييون المسلمون فهم إخواننا في هذا الطرف البعيد من الكرة الأرضية.

الصين بها عدد ضخم من السكان فهي صاحبة المليار والثلاثمائة مليون نسمة، وفيها 52 قومية مختلفة العرق، فصحب هذا العدد الهائل من السكان وهذا التنوع الكبير في القوميات والأعراق تنوع كبير في الثقافات والأديان، وأكثر المسلمين يتركزون في المناطق الريفية ومنها المنطقة الريفية التي تسكن فيها صديقتي وتسمى “يو خوانغ مياو” بمقاطعة “خيه نان”، وهي مقاطعة تقع في وسط الصين وعدد كبير من سكانها من قومية خوي أي ديانتهم الإسلام، وذهبت مع صديقتي إلى بيتها فرأيت معظم المحجبات هم من السيدات العجائز فقط، وفي نهار رمضان هناك الكثير من المسلمين يأكلون بالمطاعم في الشوارع، وعندما دخلت منزل صديقتي وجدته صورة طبق الأصل من البيوت الريفية في مصر، الفرن بالحطب والماعز والخراف التي يعملون بتربيتها ويشتهرون بطهي لحومها وشويه على مستوى الصين كلها، فغير المسلمين يحبون ما يذبحه المسلمون من ماعز وأبقار لأنهم يذبحونها على الطريقة الإسلامية، فتصبح أشهى وألذ طعمًا من طرق الذبح الأخرى التي يذبحون بها حيواناتهم مثل الصعق بالكهرباء والضرب على مؤخرة المخ.

 

الصين3

دخلت قاعة ضيوف البيت فرأيت آيات قرآنية معلقة على الجدران يتبارك بها أهل البيت ولكنهم حتى لا يعلمون معناها او كيف تقرأ، حل ميعاد الإفطار فذهبنا جميعًا إلى الجامع و صلينا، ثم جلسنا لنأكل، فهنا الجميع يفطرون مع بعضهم فليست موائد الرحمن للفقراء فقط فحتى المقتدرين هنا يأكلون فيها ومن أراد أن يدفع مساهمة منه في أعداد الطعام فليدفع، ومن لم يدفع فلن يسأله أحد ماذا أكلت، كان جوًّا جميلًا فقد اجتمعنا أكثر من خمسين فردًا أكثرهم من العجائز في غياب واضح للشباب، والمائدة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول بمسجد النساء، والآخر في مسجد الرجال فهما منفصلان، المسجد بسيط في بنائه لكنه يرجع بتاريخه لأكثر من 100 عام، ذهبت النساء أولًا للمشاركة في إعداد الطعام، الطعام مكون من الأرز باللحم الضاني الذي يشتهرون به ويتفننون في طهيه بهذه القرية، بالإضافة إلى شوربة الفاصوليا الخضراء الصينية، والبطيخ، وهو في الصين رخيص جدًّا ومن دون بذر!

وبعد أن أفطرنا صلينا التراويح وقد كانت 24 ركعة بالسور القصيرة من جزء عم فقط، فحتى إمام الجامع لا يحفظ غيرها والجدير بالذكر أن لا أحد في المصلين يعرف أي شيء عن اللغة العربية، بل ينطقون الفاتحة والسور القصيرة نطقًا صينيًّا قريبًا من النطق باللغة العربية فيستطيع كبار السن قراءته ونطقه، حتى الإمام فنطقه لا يخلو من لكنة صينية قوية، وهو سمح الوجه وطيب الخلق ويسكن هو وزوجته وأبناؤه في الدور العلوي للجامع، وتحدثت معه وهنيته برمضان وقد قال لي: “إني لا أعرف من اللغة العربية إلا قليل القليل، وفي الصين توجد طريقتان لتعلم علوم الإسلام والقرآن، الأولى عن طريق الجامعات الصينية التي بها قسم لغة عربية وعلوم إسلامية وهناك يمكن تعلم اللغة العربية على أصولها، وهذا يحتاج إلى التخرج من المرحلة الثانوية والنجاح في امتحان الجامعة ودفع مصاريف الجامعة.

أما الطريقة الثانية فهي تعلم القرآن والعلوم الإسلامية بالطريقة التقليدية في الجوامع الكبيرة بالمدن الصينية، وهي مجانية لكل من يريد أن يتعلم، وأنا درست في الجامع الكبير لمدينة كاي فينغ وهي أقرب مدينة لهذه القرية، ومن المعروف أن الصين تدين بدين البوذية، ولكن هذا اعتقاد خاطئ، فالصين دولة لا دينية، أي أن المواطن في بطاقته الشخصية لا تظهر فيها ديانة الشخص، والدين السائد في المجتمع هو اللا دين، وأقلية هم من يدينون بالبوذية وأقل القليل (بالنسبة لتعداد السكان الصينيين الكبير) هم من يدينون بالديانات السماوية مثل الإسلام والمسيحية واليهودية، يبلغ المسلمون الصينيون 200 مليون نسمة، وتدين عشر أقليات على الأقل بديانة الإسلام.

ومن أهم الأقليات الصينية التي تدين بالإسلام هي قومية خوي Hui، وهذه القومية لها أصول عربية عريقة فقد ازدهرت التجارة في عصر الدولة الإسلامية وكان التجار المسلمون يستوردون الحرير والخزف الصيني عبر طريق الحرير، استقر الكثيرون من التجار في الصين وتزوجوا من بناتها، ودخل الكثير من الصينيين في الإسلام، كما يوجد سبب آخر لانتشار الإسلام في الصين وهو أنه في عصر عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويقال في بعض الروايات أنه في عهد النبي صلي الله عليه وسلم قد تم إرسال ثلاثة من الصحابة لنشر الإسلام في الصين، وذهب أحدهم إلى بكين والثاني إلى جوانغ جو والثالث إلى مدينة تشوان جو بمقاطعة فو جيان، وقد بنوا أقدم ثلاثة جوامع في الصين وهي موجودة حتى الآن.

 

الصين1
ولكن في العصر الحديث فإن الأغلبية غير المسلمة الصينية بدأت بالتأثير على المسلمين، حتى أن هويتهم الإسلامية ضعفت وتمسكهم بالدين قل، وهذا طبيعي في ظل مجتمع ومدارس وإعلام على غير دين هذه الأقلية المسلمة، فتظهر المظاهر الإسلامية بشكل أكبر في أرياف القوميات المسلمة، مثل هذا الريف، ولكن القائمين بالمسجد يحاولون قدر استطاعتهم نشر الفهم الصحيح للدين بين الشباب، ولكنهم قليلًا ما يأتون للجامع. وأنا أريد أن أغتنم هذه الفرصة لأحيي جميع المسلمين في كل مكان بالشهر الكريم.

كان هذا الإفطار إفطارًا مميزًا، فرأيت فيه أناسًا يستحقون الاحترام ويتمسكون بدينهم رغم عدم معرفتهم باللغة العربية يقرأون القرآن، فمنهم الكثير من كبار السن الذين لم يدخلوا المدارس من الأساس، ولكنهم يحفظون جزء عم عن ظهر قلب سماعيًّا بنطق صيني، فيالها من مشقة.
وعودة إلى مصرنا الحبيبة، فإني وبالرغم من المشاعر الطيبة التي حملتها لأهل هذه القرية إلا أني قد افتقدت روح رمضان التي لا توجد في أي مكان آخر في العالم إلا في مصر، افتقدت الفوانيس والحلوى والقطايف والكنافة والبسبوسة والياميش والبلح وزحمة ما قبل الإفطار والشوارع الفارغة من السكان أثناءه، افتقدت رمضان مصر.

وفكرت أيضًا في أنه كان من اللازم على الأزهر الشريف أن يتنبه إلى دوره في توعية المسلمين الأجانب في كل مكان، فأين دور الأزهر من كل هذا؟ وأين المشايخ الحافظون للقرآن الكريم ليؤموا هؤلاء المصلين في التراويح بجزء من القرآن كل يوم، أين هم علماء دين الأزهر ليعلموا هؤلاء الملسملين دينهم، ويحفظوهم القرآن؟ أعتقد أننا قياسًا على مكانة الأزهر الدينية، مدينين بالمساعدة لكل مسلم يريد أن يتعلم دينه ولا يجد من يعلمه.

 

الصين2

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دين, رمضان, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد