جاءت تفجيرات سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية وتورط شباب من الشرق الأوسط أبرزهم من مصر والسعودية في التخطيط والتنفيذ بل وكانت الطامة أنهم كانوا يفخرون بذلك، انتبه المجتمع الدولي لحجم الكارثة التي يعيشها وبدأ الاهتمام بالبحث حول الأسباب التي دفعت تلك التيارات في استهداف المصالح الغربية أو مجتمعاتهم، كانت الصدمة ليست في فقط في رد الفعل الأحمق من قبل التنظيمات الإرهابية بل أيضًا في الفخر بذلك الفعل والتأسيس الفكري والمنهجي والفقهي لها على غرار التنظيمات اليسارية المتطرفة التي ظهرت في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات.

بدأت المرحلة الثالثة والأخيرة من عهد مبارك باهتمام العالم والمجتمع الدولي بالشرق الأوسط فكان للكتاب والمفكرين ضربة البداية، فقد أصيبت مصر قبلها بحالة من الجمود على كافة المستويات وكان طبيعيًا ومنطقيًا البحث في عقل المنطقة فبرزت مجموعة من الكتاب والمفكرين على رأسهم د. سعد الدين إبراهيم وما عرف بالإسلاميين الجدد أبرزهم د. أحمد كمال أبو المجد والمستشار طارق البشري والكاتب فهمي هويدي وغيرهم، برزت أهميتهم في التأصيل الفكري والفقهي للحريات العامة والمنهج الديمقراطي في الإسلام مستخدمين كل العوامل التي تسببت في الجمود وأهمها التراث الإسلامي وطرق فهمه، بالرغم من ازدهار بعض الكتابات الساذجة في ذلك الوقت حول دور تنظيمات وهمية تريد السيطرة على العالم مثل الماسونية والصهيونية وغيرها إلا إن كانت هناك أفكار ومشروعات جادة برزت جعلت هناك أملًا ممكنًا.

أعتقد أن المعضلة الوحيدة التي واجهت هذه الأفكار أو المشروعات هو التماهي المبالغ فيه لدى البعض بين اليساريين والإسلاميين حول التصورات الساذجة عن تنظيمات تريد السيطرة على العالم، ساعد نظام مبارك في الترويج لتلك الأفكار وفتح لهم القنوات والصحف للظهور في صورة المعارضين له حتى يتمكن أو يستطيع استكمال السيطرة على كل صور أو طرق التغيير، فكان حبس د. سعد الدين إبراهيم وطرد د. نصر أبو زيد من الجامعة وتطليقه من زوجته والتضييق على الأرزاق للمستشار طارق البشري والكاتب فهمي هويدي بالإضافة لتشويه سمعتهم.

نتج عن مقاطعة الأحزاب السياسية حالة من الجمود وبدلًا من مواجهته بحثت عن المبررات كانت أهمها أن أجهزة الأمن لا زالت على أبوابها فأصيب جيل كبير بالإحباط من التنظيمات التقليدية، خرج الشباب أو جيل الوسط الذي ظهر بعد التأسيس الثاني للحياة الحزبية إلى الشارع دون غطاء سياسي في مواجهة غير محمودة العواقب، بدأت بمظاهرات الحرب على العراق ثم ظهور حركة كفاية التي رفضت التمديد لمبارك أو التوريث لابنه والتي كانت تجمع للتيارات اليسارية والقومية والإسلامية والتى للأسف تبنت الخطاب السياسي الساذج مواجهة ما وصفته بقوى الاستعمار الجديد ورفض تقديم أي تصورات أو حلول للقضايا الملحة والمطروحة على الساحة العالمية، يكفيك أن تجلس مع أحدهم لتجد أن الحديث يبدأ من هزيمة 67 متناسيًا انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية كاملة وظهور تيارات سياسية جديدة وأفكار تجاوزت الحدود.

ليبدأ الفصل الأخير من حكم مبارك نظام سياسي مهترئ لا مستقبل له وأدوات قديمة للسيطرة على آليات حركة بالية تجاوزها الزمن، بظهور الإنترنت وحركة المدونين وموقع مثل اليوتيوب برزت أسماء جديدة اعتبرت رافدًا جديدًا للمعرفة والأخبار، أبرز هذه الأسماء وائل عباس بمدونته الوعي المصري ومصطفى النجار بمدونته عن الإخوان وعلاء عبد الفتاح بمدونة منال وعلاء، الذين قدموا العديد من النصائح والأفكار غير التقليدية للتعبير عن جيل جديد مرتبط بعالمه أكثر مما هو مرتبط بماضيه.

ليفتح المجال العام تحت ضغط التغيير فيسمح النظام لعدد من الأحزاب القديمة أن تتحرك فشكلت تحالف أحزاب المعارضة الرئيسية (الوفد والتجمع والناصري) حاول الإخوان التواصل ورفض نتيجة الخلافات التاريخية القديمة، ثم يظهر التجمع الوطني بقيادة عزيز صدقي ود. يحيى الجمل والكاتبة سكينة فؤاد وعدد من الشخصيات والتيارات السياسية أبرزها جماعة الإخوان المسلمين، ليأتي مستوى جديد من التعامل مع النظام بالسماح بتأسيس عدد من الأحزاب السياسية الجديدة كان أهمها حزب الغد بقيادة د. أيمن نور وحزب الجبهة الديمقراطية بقياد د. أسامة الغزالي حرب والنائب محمد السادات لينشق الأخير ويسعى لتأسيس حزب منفرد ولكن ينضم لقائمة المنتظرين على غرار حزب الوسط بقيادة أبو العلا ماضي وعصام سلطان وحزب الكرامة بقيادة حمدين صباحي.

بإجراء انتخابات برلمان 2005 شعر الجميع بضرورة العودة للعمل الجماهيري لكن كانت الصدمة الكبيرة حين فازت جماعة الإخوان المسلمين بـ88 مقعدًا وعدد كبير من المستقلين أكثر من أغلبية الحزب الوطني (الحزب الحاكم قبل ثورة يناير2011) الذي اتجه لضمهم لتشكيل أغلبية برلمانية تسمح له بممارسة دوره المعتاد، اصطدمت القوى التقليدية وخاصة الأحزاب القديمة بتغير الواقع والمجتمع وأن خطابها أصبح قديمًا في وسائله وأن المجتمع أصبح أكثر رجعية عما سبق، فارتكنت للمبررات الجاهزة مثل أن النظام يسمح للجماعات الدينية ليخيف الغرب وأن هو الذي أسسها لمواجهة التيارات المدنية لقمعها وغلق المجال العام، ليفاجئ بقوى جديدة تجاوزته في الحركة والرؤية والوسائل لينتهى بها الحال باعتبارها جزءًا من النظام السابق.

تحدث الصدمة الثانية وهي فوز حركة حماس في فلسطين وهي مدرجة على قوائم الإرهاب في بعض الدول الغربية ويعتبرها نظام مبارك قبلة الحياة فيظن أن المجتمع الدولي سيتخلى عن دعم الديمقراطية والحريات في الشرق الأوسط، وقد كان الراجح في الفهم أن المجتمع الدولي أصبح أمام خيارين إما أن يتخلي عن فكرة دعم الأحرار والديمقراطيين باعتبار أن العمل الحر والديمقراطي سيأتي بالجماعات المتطرفة أو الخيار الثاني الاستمرار في الدعم على أمل أن القوى المؤمنة بقيم الحرية والمساواة أن تحقق نتائج يمكن البناء عليها، فكانت المفاجأة هي تبني جماعة الإخوان المسلمين خطابًا منفتحًا في تقبل الآخر وتبني المسميات الموجودة حول الحريات والديمقراطية في خطابها العام والشعبي، ففتحت لها المنتديات والمنابر الإعلامية للتعبير عن أنفسهم لتكف يد نظام مبارك من المواجهة العنيفة ليسمح لهم بإصدار صحف كجريدة آفاق عربية التي أغلقت ثم جريدة الدستور برئاسة تحرير الصحفي إبراهيم عيسى والظهور الإعلامي، طرحوا رؤيتهم التي ارتكزت على انفصال بينها وبين حركة حماس وتبني خطاب الإسلاميين الجدد أمثال د. أحمد أبو المجد ود. طارق البشري والكاتب فهمي هويدي وخطاب المصالحة مع الكاتب نجيب محفوظ، لتبدأ مراكز الأبحاث دراسة إمكانية تقبلهم في السلطة ومناقشة أفكارهم وبرامجهم لينتهي ذلك المسار بإمكانية تطوير ذلك الخطاب والمشاركة مع قوى ليبرالية يمكنه تغييره في المستقبل.

ليفاجأ مبارك بخطة التوريث على غرار سوريا أمام غضب مكتوم للمؤسسة العسكرية وعجزها عن التحرك، كانت خطة التعديلات الدستورية بالرغم من تضمنها خطابًا ليبراليًا نوعًا ما وإلغاء مظاهر الاشتراكية والنظام الشمولي العقيم إلا أن الجميع كان على دراية بأنها الجانب الدستوري في خطة التوريث لجمال مبارك فاقد الإمكانية وعديم القدرة والكفاءة على تولي أي منصب قيادي.

بانطلاق قطار التوريث حاول الجميع إيقافه لينتهي بهم إلى السجن بداية من د. أيمن نور وخيرت الشاطر ورفاقه في تنظيم الإخوان المسلمين انتهاء بعدد من المدونين ومطاردة شباب الحركات الاحتجاجية أبرزها حركة كفاية وشباب من أجل التغيير وحركة 6 أبريل التي ارتبطت بإضراب المحلة مع استمرار المناوشات مع التنظيمات الشيوعية السرية أو التي كانت تسعى لتأسيس أحزاب في مشهد أقل ما يوصف به أن مصر أصبحت سجنًا كبيرًا، ليظهر د. البرادعي ليجد الجميع أنهم أمام نقطة فاصلة هي الاتحاد على قضية الإطاحة بمبارك، فكانت الحملة المصرية ضد التوريث ثم البرلمان الموازي الذي كان رد فعل على تزوير انتخابات برلمان 2010 والذي على إثره انسحبت أكبر قوتين سياسيتين من منتصف الانتخابات وهما حزب الوفد وجماعة الإخوان المسلمين، جاء نجاح ثورة تونس الشرارة التي أشعلت ثورة يناير 2011 لتجد بطاقة ترشح الانتخابات الرئاسية 2012 بعض مرشحيها كان معتقلًا أو محظورًا عمله السياسي أو ممثلًا لتيار كان غير شرعي قبل يناير 2011.

ذلك السرد لم يكن هدفه فقط التذكير بتاريخنا القريب أو تسجيل أفضال الجميع في مواجهة الاستبداد، إنما أيضا للعمل على استخلاص الدروس المستفادة من التجربة المصرية للعمل على تأسيس نظام سياسي حر يسمح للجميع بالتعايش وقبول الآخر والحريات العامة دون إقصاء أو قيام ديمقراطية ملكًا لتيار، فالعمل السياسي بصورته الإيجابية بطرح الأفكار والمشروعات والتوقف عن العمل السلبي بتحطيم المشروعات وتسفيه الأفكار وجلد الذات وتحميل مسؤولية أخطائنا للأطراف الأخرى التي تعاني من نيران المواجهة، تعتبر الخطوة الأولى لنجاح أي تحرك للجماهير التي تعاني من ويلات القمع.

أعتقد أن التعامل مع نظام السيسي لا يجب أن يكون كخطوة للخلف بل على العكس تمامًا باعتباره خطوة للأمام فلم يكن مبارك رجلًا مدنيًا، فعرقلة المواجهة مع ابنه جمال مبارك كانت لأنه لم يرتد البدلة العسكرية فولاؤه غير مضمون فيكون نموذجًا للنظام السوري وهو بالفعل اعتقده كذلك، ولاء لمن يحميه ويبقيه على كرسي الحكم، آن الأوان لمواجهة أنفسنا وتحديد قضايانا المركزية والتي أعتقد أنها متجاوزة أزمتنا المحلية ويجب طرحها كما هي دون مواربة.

فالمعارضة المصرية لا يوجد لديها تصور لحل الصراع العربي الإسرائيلي أو حتى أفكار منطقية حول قضية التطبيع ولا زالت غائبة عنا الرؤية حول علاقاتنا مع الدول الكبرى ورؤيتنا حول العالم ومشاكله وموقفنا من الإسلام ومراجعة تراثنا العربي والحريات العامة على رأسها حرية العقيدة وممارسة شعائرها، أما على المستوى المحلي فلا يوجد موقف أو مخرج من الأزمات التي تعانيها البلاد وعلى رأسها أزمة الإطاحة بمرسي باعتباره رئيسًا منتخبًا أزيح بطريقة غير ديمقراطية وأزمة الديون والتنمية التي تسبب فيها المشير السيسي والدستور واستقلال القضاء والقوانين المكبلة للحريات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد