بعد موجة التظاهرات الغاضبة التي شهدتها العديد من المدن في العراق منذ يوليو (تموز) 2018، برز عدد كبير من الناشطين مطالبين بتكوين الإقليم في خطوة للحصول على حقوقهم منذ سنين عدة، فقد يرى المتظاهرون في محافظة البصرة أن الإقليم هو الحل الوحيد لتحقيق مطالبهم التي تظاهروا لنيلها ولكن فشلت الحكومات في تحقيقها منذ عام 2003.

أمام مبنى محافظة البصرة (القديم) تظاهر الآلاف للمطالبة بتوفير فرص العمل والماء الصالح للشرب والكهرباء، مطالب يرى المتظاهرون أنها حقوق أساسية يجب الحصول عليها، لكن واجه المتظاهرون اعتداءات من قبل القوات الأمنية والأحزاب المتنفذة في البصرة التي تتبع إيران في ولائها وتمويلها التي قتلت عشرات المطالبين برحيل الأحزاب، كما جرح المئات بالرصاص الحي الذي أطلقته الجماعات المسلحة والأحزاب من داخل مقراتهم التي تنتشر في أماكن متفرقة في البصرة.

تظاهرات نتجت عن حرق الكثير من مقار الأحزاب السياسية الإسلامية منها مقر حزب الدعوة ومقر حزب الفضيلة وسرايا الخرساني وحزب الله وثار الله وغيرها، إضافة إلى حرق القنصلية الإيرانية في البصرة والتي اعتبرها المتظاهرون خطوة مهمة لإنهاء التأثير الإيراني وتواجده في البصرة.

رغم كل ما حدث ولم تبين الحكومة العراقية أي نيّة جادة لحل الأزمات العالقة أو تحقيق مطالب المتظاهرين، في الحقيقة البصرة تعد واحدة من أهم المدن العراقية الاقتصادية إذ تمتلك أكبر الحقول النفطية كما أن أغلب نفط العراق يتم تصديره عن طريق ميناء البصرة بجانب نفط يوجد في البصرة في العديد من المناطق البحرية التي تربط العراق مع دول الخليج العربي وآسيا وصولًا إلى أوروبا.

كل هذه التظاهرات جاءت بعد الانتخابات النيابية 2018، التي لم تشهد مشاركة واسعة من قبل المواطنين فقد انحسرت نسب المشاركة إلى ما يقارب الـ30% وهي نسبة يشكك بصحتها مراقبون ويدعونها بنسبة متفائلة جدًا وتصبّ بصالح الأحزاب السياسية الحاكمة، وكانت نتيجة الانتخابات متقاربة بين الأحزاب والكتل والتحالفات السياسية، واختصارًا فاز تحالف سائرون التابع للتيّار الصدري بأكثر عدد مقاعد في البرلمان بفارق قليل عن منافسه الأول تحالف الفتح بقيادة عناصر قيادية في الحشد الشعبي.

شابت الانتخابات الأخيرة الكثير من المشاكل والاعتراضات من الكتل السياسية، كما قال الكثيرون بتزوير النتائج مما أدى إلى إعادة العد والفرز في أكثر من محافظة، بعدها احترقت صناديق الاقتراع في بغداد وكان سببه (عود بخور) حسب ما صرّحت الجهات المعنية بالتحقيق في الحريق.

نستطيع القول إن ثقة المواطنين بالساسة قد تزعزعت كثيرًا وخاصة بالفترة الأخيرة، ليس هذا فحسب بل أن الثقة بمركزية الحكم لا تجد الكثيرين من المؤيدين وهذا ما وجدته عند حسن الفاوي على سبيل المثال وهو متظاهر من البصرة فيقول بخصوص المشاركة القليلة بالانتخابات: «مشاركة الأعداد القليلة تعني أن الشعب اكتفى من الأحزاب السياسية الحالية، وأن هذا الوقت هو الوقت المناسب للبصريين أن يكونوا قوة فاعلة في مدينتهم».

«قادة صناع القرار ليسوا من البصرة وهذا هو سبب معاناة البصرة من التهميش» يضيف الفاوي بخصوص التمثيل السياسي الذي ينبغي -حسب ادعاء الكتلة السياسية- أن يكون عادلًا لجميع المكونات والمحافظات والتدقيق بمصطلح (قادة صناع قرار) يعني أن هنالك شخصيات تقود السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية من خارج هاتين السلطتين.

شهد العراق تغييرًا كبيرًا في سياساته وقوانينه بعد 2003، إذ كُتب الدستور الحالي متضمنًا مواد خاصة للأقاليم وهي المواد 116 و117 و118 و119 بدءًا من الاعتراف بالإقليم وانتهاءً بتكوينه وانطلاقًا من هذه القوانين طالب البصريّون إقامة الإقليم عام 2009 التي باءت بالفشل لأسباب منها الاضطرابات السياسية التي كانت مهيمنة على المشهد السياسي إضافة إلى سيطرة مسلحين خارجين عن القانون على محافظة البصرة، هم من كانوا يسيّرون أمورًا كثيرة داخلها ويمنعون أي نشاط مدني.

هذه كانت أول مطالبة بإقامة الإقليم مع الدستور في حين أنها لم تكن الأولى وهذا ما بيّنه علي حسين -ناشط سياسي- فيقول «إقليم البصرة قديم قِدَم الدولة العراقية إذ كنا نتحدث عن الإقليم بوصفه صورة من الإدارة الخاصة لمحافظة البصرة إذ قدم عدد من وجهاء وأعيان البصرة عام 1921 طلبًا للسير بيرسي كوكس بإعطاء البصرة استقلالًا سياسيًا».

الفرق بين أول طلب لإقامة الإقليم والمطالب الحالية أنه في الماضي لم يوجد دستور ينظم إنشاء أقاليم شبه ذاتية الحكم مثلما الوقت الراهن، لكن هنالك الكثير من المتغيرات الآن فالاعتراضات على إقامة الإقليم قد تتباين من التصريحات الصحفية إلى عمليات اغتيال أو اختطاف من قبل جهات غير معروفة على الأقل عند الجهات الأمنية، إضافة لوجود ساسة يعتبرهم الكثيرون أنهم فاسدون لأنهم طيلة وجودهم في سدة الحكم لم يتقدموا بتطوير للبلد بل العكس، ففي لقائي مع علي حسين قال «الساسة الفاسدون وجماهيرهم يقفون ضد إقامة الإقليم، على سبيل المثال لا الحصر عمار الحكيم لأنه يعرف جيدًا أنه سيخسر سلطته فيها ويفقد الكثير من الموارد».

رغم أنّ الكثير لم يتغير فلا زالت توجد قوات مسلحة غير حكومية تتجول أحيانًا في مختلف المحافظات من ضمنها البصرة، التي كانت أحد أسباب عدم قيام الإقليم عام 2009، نفس تشكيلاتها أو تغيّر اسمها هي من قامت بعمليات اغتيال أو على أقل تقدير اختطاف لكثير من الناشطين وكذلك اعتدوا على صحافيين أثناء القيام بعملهم بتغطية أخبار التظاهرات لصيف العام الماضي.

لهذه القوّات سلطة متغلغلة بين فئات مختلفة من المواطنين ولديهم التأثير الكبير على آراء الشارع النهائية، وكما نعرف هذه المجاميع هم نفسهم أتباع كتل سياسية معروفة كمنظمة بدر التابعة مسبقًا للمجلس الأعلى بقيادة عمار الحكيم، وغيرها من المجاميع المسلحة (ولا ننسى أن كثيرًا من المجاميع تلك تم تقنينها ضمن هيئة الحشد الشعبي التابعة لرئاسة مجلس الوزراء) لكن بنفس الأسماء يقوم أشخاص بعمليات مسلحة مختلفة ولا يتم التصريح بمن قام بذلك الفعل.

بعيدًا قليلًا عن القوّات المسلحة فنظام الحكم المركزي العراقي يحتوي على فيدرالية على شكل حكومات محلية لكل محافظة إلا أن المجلس المحلي للمحافظة تسيطر عليه الأحزاب ومن الجدير بالذكر أن هذا المجلس يتم انتخابه عن طريق أفراد المحافظة بانتخابات دورية لكل 4 سنوات مثلها مثل الانتخابات النيّابية، لكن حكومة البصرة المحلية التي هي من أبناء المحافظة لم تقدم المشاريع بل حالها حال الدولة ككل متعثرة وتهمها المناصب والامتيازات لا تقديم الخدمات، فالوقت كما نرى غير مناسب للمطالبة بهذا المطلب لسطوة الأحزاب والكتل السياسية وقيادات في مجاميع مسلحة إضافة إلى تأثير العشائر والقبائل سيؤدي إلى لا شيء سوى زيادة سطوة كل من سبق ذكره وبالتالي معاناة المحافظة ستتضاعف.

ومن الجدير بالذكر، لا زالت اضطرابات سياسية تعصف باستقرار البلد داخليًا وخارجيًا، وبشكل مختصر الحكومة الحالية غير مكتملة الأركان فالتشكيلة الوزارية تفتقد إلى وزير الداخلية ووزير الدفاع ووزير العدل والتي لا يختلف اثنان على أهمية هذه الوزارات خاصة لبلد تخلص للتو من أخطر تنظيم إرهابي شهده التاريخ، النزاعات الطائفية هي هي نفسها تحكم الواقع والمشهد السياسي المحاصصاتي بين الكتل منذ بداية أول حكومة بالدستور الحالي.

ينبغي على المطالبين بأقلمة المحافظة تقديم حلول جادة وفاعلية أكثر من طلبات إقامة الإقليم حالها حال بقية مطالب التظاهرات التي كانت ضرورية جدًا للاستجابة لها، وإلّا لن يكون المطلب إلا حلمًا مثاليًا، ويسود الواقع في الشارع نقيض المشهد الذي يرسمه كثيرون حاليًا، كل هذه المشاكل الممكنة بغض النظر عن المشاكل التي قد تواجه العراق كبلد والمحافظات خاصة أنه لا توجد خطط واضحة وشفافة توضح سياسات التعامل بين البصرة وبغداد وبالتالي سيكون إقليم البصرة كإقليم كردستان العراق من ناحية المشاكل السياسية وعدم شفافية التعامل بين المركز والإقليم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد