تابعت في عدد من اللقاءات التليفزيونية أحاديث كثيرة لمبدعين وفنانين قد واجهوا محاولات قهر فاشلة من قبل الأهل لمنعهم من ممارسة شغفهم في مجال الفن. وأقول فاشلة لأنهم من الفئة القليلة جدًا التي نجحت في أن تفرض رغبتها واتخذت من الطريق الصعب نهجًا لتتحمل مسئولية اختيارها.

منهم الموسيقار المبدع «محمد عبد الوهاب» الذي حكى كيف أهانه والده وأخاه الأكبر وأبرحاه ضربًا عندما اكتشفا أنه مولع بالموسيقى والغناء وهو صغير، فقرر الهرب من منزل العائلة ليتمكن من الغناء، وحكت القديرة «سناء جميل» بصوت متهدج كيف طردت من منزل والديها وكيف ساعدها الممثل والمخرج المسرحي «زكي طليمات» لتجد مكانًا في بيت الطالبات، ثم كيف حصلت على عمل بسيط إلى جانب الفن حتى تتمكن من استئجار شقة صغيرة تفرشها ببعض الأثاث الذي كان ينقصه مرتبة للسرير فنامت ليال طويلة تضع ملابسها طبقات بديلًا عنها،حتى إن الموسيقار «عمر خيرت» ابن الموسيقار «أبو بكر خيرت» حكى أيضًا أنه لم يتجرأ على عزف موسيقاه التي يعبر فيها عن شخصيته الفنية إلا بعد وفاة والده الذي كان يجبره على السير على دربه في العزف التقليدي.

وقد يظن البعض أن أهل الفن هم وحدهم من تعرض للمعاناة والقهر، لكن الحقيقة أنهم وحدهم من منح فرصة التعبير عن معاناتهم بحكم الشهرة، فثقافة فرض سيطرة الأهل لرسم مستقبل الأبناء تعتبر سلوكًا شائعًا في ثقافة المجتمع حتى أنني تعجبت كثيرًا عندما سمعت حديث الدكتورة الأزهرية «آمنة النصير» وهي تحكي عن معاناتها أيضًا مع الأهل (الذين يرفضون تعليم الفتاة وبالطبع عملها) حتى تتمكن من استكمال مشوارها العلمي والعمل بمؤسسة الأزهر .

والحقيقة أن ثقافة المجتمع لم تقتصر على قهر الأبناء فقط في دراسة شغفهم وممارسته، فقد قتلت تلك الثقافة من قبل مفكر رائع كفرج فودة، وطعنت أديبًا كبيرًا كنجيب محفوظ، ونفت باحثًا ومفكرًا في التاريخ الإسلامي كنصر حامد أبو زيد، ولا تزال تنتهك المزيد والمزيد من أصحاب الرأي والفكر والإبداع يومًا بعد يوم دون توقف، هذا بالإضافة إلى القهر والانتهاك الذي تتعرض له المرأة بصورة مهينة مغبة هذه الثقافة، وما تتعرض له الأقليات غير المسلمة من اضطهاد وظلم.

وأقول صدقًا أنا لا أعرف بالتحديد ماذا كانت تعني الجموع الغفيرة التي رفعت شعارات حماسية للمطالبة بالحرية في ثورة 25 يناير كاستحقاق يكفل للإنسان كرامته في الوقت الذي لا نكفلها لبعضنا البعض كأفراد في المجتمع؟ كيف نطالب النظام السياسي بإقرار الحرية لنا ونحن ننكرها على أنفسنا؟

وتساءلت هل تدرك الغالبية العظمى من الشعب المصري قيمة الحرية؟ أو تدرك من الأساس ما تعنيه الكلمة؟

إن مطالبتنا هذه أشبه بمشهد في مسرحية مدرسة المشاغبين التي تدور أحداثها حول فصل مشاغب في أحد المدارس حيث تسأل فيه الفنانة «سهير البابلي» التي تقوم بدور المعلمة «أبله عصمت» الفنان «سعيد صالح» الذي يقوم بدور «مرسي الزناتي» أحد تلاميذ الفصل المشاغب:                                                                           تعرف إيه عن المنطق يا مرسي؟،فيفغر مرسي فاه ويفتح عينيه ولا ينبس بكلمة للرد على السؤال الذي لا يعرف له إجابة، فتعيده المعلمة على مسامعه مرارًا فيضطر في النهاية إلى إجابتها بطريقة هزلية مضحكة ويستطرد قائلًا: «أعرف إن لما واحد يضرب واحد على دماغه يقع ميحطش منطق»، مهللًا بالنتيجة التي توصل إليها مرددًا «هو ده المنطق ولا مش هو يا متعلمة يا بتاعة المدارس».

إن مطالبات الشعب المصري بالحرية هي أقرب إلى هزلية هذا المشهد المضحك. فما تعرفه الغالبية عن مفهوم الحرية لا يختلف كثيرًا عن الذي يعرفه «مرسي الزناتي» عن مفهوم المنطق في مسرحية مدرسة المشاغبين والتي تتلخص في مثل دارج يقول: «كل اللي يعجبك والبس اللي يعجب الناس» إشارة إلى أهمية رأى  المجتمع في معادلة الحرية وهو وحده الذي يحكم سلوك الفرد والجماعة أو بمعنى أوضح هى حرية امتهان الآخر والتعدي على حقه فى الاختيار والتدخل في شأنه الخاص. فنحن نريد «حرية» لا تختلف عن «منطق» مرسي الزناتي «حرية تقيدها الثقافة والفكر السائد والاعتقاد الديني وبالرغم أن ذلك يتنافى مع مفهوم الحرية لكننا نريد «حرية اللي ميحطش منطق»،فأنتجنا أجيالًا مترددة لا تجرؤ على اتخاذ قرار أو تحمل مسئولية اختيار، أجيالا تأبى التفكير وترفض الاختلاف، إن الشعب المصري ليس لديه عهد بحرية، فالحرية التى يعيها حرية لا تعرف المسئولية وإنما مفهوم أقرب للفوضى وعشوائية المسلك واقتحام لخصوصية الآخر، ويؤسفني أن أقول إنه فى ثورته قد رفع شعارًا أجوف لا يؤمن به ولا يقدره ولو كان لديه الوعي بتبعات ما يدعو إليه لما طالب به وآثر أن يعيش أسيرًا للثقافة التي ينتمي إليها بكل سلبياتها وتطرفها خشية التغيير ولعن الثورة والداعين إليها منذ يومها الأول.

إن الغالبية العظمى من الشعب المصري ممزقة بين الدين والثقافة، فهم يعتنقون أعظم رسالة دعت إلى العدل والمساواة والحريّة، رسالة الإسلام التي دعا إليها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). الذي خاض معارك كثيرة من أجل إعلاء مبدأ حرية الاعتقاد، الذي تحمل كل ألوان العذاب ليكفل لنفسه والمؤمنين برسالته حرية التعبير، الذي دعا إلى تحرير المرأة وتحريم الرّق والعبودية. كل ذلك كان بمثابة المبادئ الأساسية لدعوة محمد (صلى الله عليه وسلم) والتي استحق عليها أن يتوج اسمه بين أعظم دعاة لشرائع وقوانين عرفتها البشرية في بهو المحكمة الدستورية العليا لأكبر بلد يتمتع بالحريات اليوم، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، لقد استوعب الغرب مبادئ الإسلام العليا التي تكفل العدل والمساواة والحريّة للجميع على السواء ودون تفرقة ولم نفهمها نحن أصحاب لغة القرآن واختزلناها في تعاليم قص الشارب وإحفاء أو إعفاء اللحى وحجاب المرأة وأذكار الصباح والمساء وتمسكنا كمجتمع بالثقافة القبلية وابتعدنا كل البعد عن تعاليم الدين القيم.

ان الحرية والعدل والمساواة مبادئ سامية، والمبادئ لا تتجزأ، ويستحيل أن تخضع لأي تحيزات عقائدية أو عرقية أو طبقية أو ما غير ذلك وإلا تحولت إلى كذب ورياء، كما أنها أساس العدل الإلهى فى مبدأ الحساب ليكون الإنسان مسئولًا عن اختياره وبما كسب رهين.

إن مفهوم الحرية يعني بالضرورة حرية الآخر في الاعتقاد، يعني ألا تعتنق الدولة دينًا محددًا بنص دستورها، بل تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها بنص قانون مدني يحترمه الجميع ولكل جماعة حق ممارسة شعائرها كما ترى دون تدخل الدولة في ذلك، الحرية تعني إطلاق حرية التعبير والفكر والإبداع للجميع دون أن يقصف قلم ويمنع كاتب وتحجب جريدة أو يهيج الغوغاء ضد كل فكر أو رأي مختلف أو جديد، فذلك بالتحديد الذي يحرم المجتمع من النمو والتطور. تعني أن تتمتع المرأة بنفس المميزات التي يتمتع بها الرجل كفرد واع لديه القدرة على الإنجاز والعطاء. تعني أن نعلي المبدأ دون تحيز لفصيل أو جنس أو دين أو طبقة اجتماعية، فالجميع سواء أمام المجتمع والقانون، تلك هي الحرية التي استقامت واستقرت بها المجتمعات المتحضرة، فإذا كان العدل هو أساس الملك، فالحرية هي أساس العدل.

إن الذي نمارسه من قهر وانتهاك وتدخل سافر في الشأن الخاص ليس بحرية، لكنه أقرب للفوضى والهمجية وسبب رئيسي في تمكين نظم حكم فاسدة هوت بِنَا إلى التخلف والتردي، فإن أردنا مطالبة بحرية فيجب أن نؤمن بها ونكفلها لأنفسنا فيما بيننا كما هي مبدأ لا يتجزأ، فإن لم نكن على قدرها فلا نطالب بها، فمطلبنا أشبه بالنكتة الهزلية التي تثير الضحك في مسرحية كوميدية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد